التوحيد واستعادة البوصلة الإنسانية: رؤية تجديدية لترسيخ الهوية الإسلامية في ديار المهجر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

يشهد حضور المسلمين في الفضاءات الأوروبية تحولات عميقة تتجاوز حدود الاندماج الاجتماعي إلى أسئلة وجودية تتعلق بالهوية والمعنى ووظيفة الإنسان في المجتمع. ففي سياق تتسارع فيه الفردانية، وتتعاظم فيه النسبية الأخلاقية، وتتراجع فيه المرجعيات القيمية المشتركة، لم يعد سؤال المسلم في أوروبا سؤال ممارسة دينية فحسب، بل أصبح سؤالاً عن القدرة على الحفاظ على التوازن بين الانتماء العقدي والاندماج المدني دون الوقوع في الذوبان أو الانغلاق.

تنطلق هذه القراءة من إعادة النظر في مفهوم التوحيد بوصفه إطاراً شاملاً يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالوجود وبالمجتمع وبذاته، لا بوصفه مجرد أصل عقدي نظري. وتستلهم هذه المقاربة بذورها من مدرسة الوسطية عند الإمام يوسف القرضاوي رحمه الله ومنهج المقاصد عند العلامة الدكتور أحمد الريسوني، لتعيد صياغة مفهوم التوحيد في قالبٍ وظيفي يتناسب مع تعقيدات السياق الأوروبي. فالتوحيد في بيئة تقوم على الفردانية المفرطة والنسبية الأخلاقية، يبرز كقوة تحرر من “أوثان الحداثة الجافة”؛ حيث يمثل مبدأ “ألا يبتغي الإنسان غير الله رباً” معياراً داخلياً للنقد والاختيار، يمنح المسلم في إيطاليا الثبات والقدرة على مقاومة ضغط الاستهلاك دون السقوط في العزلة. إنها عقيدة اليقين التي تجعلنا فاعلين لا منفعلين، نعيش في المجتمع بقيم “الاستخلاف” مساهمين في الإصلاح، وبذلك تجتمع معاني التوحيد (الربوبية، الألوهية، والحاكمية الأخلاقية) كما لخصتها سورة الناس: {رَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ}.

إن التوحيد في جوهره ليس فكرة لاهوتية مجردة، بل هو إعادة تأسيس لعلاقة الإنسان بالمطلق، بما يحرره من التبعية العمياء للواقع أو الخضوع غير الواعي للمنظومات المادية والثقافية السائدة. وفي السياق الأوروبي المعاصر، يكتسب هذا البعد التوحيدي وظيفة تحررية واضحة، إذ يمنح الفرد معياراً داخلياً للنقد والاختيار، ويجعله أكثر قدرة على مقاومة ضغط الاستهلاك دون أن يدفعه ذلك إلى العزلة أو الرفض السلبي للمجتمع. ومن هذا المنطلق، يصبح التوحيد قوة ضبط داخلية تعيد ترتيب علاقة المسلم بالمجتمع الذي يعيش فيه؛ فالمسلم لا يتحرك بدافع رد الفعل أو الهواجس الدفاعية، بل وفق رؤية استخلافية تعتبر الإنسان فاعلاً أخلاقياً مسؤولاً عن الإسهام في إصلاح الواقع.

وتبرز في هذا السياق إشكالية الاندماج، التي كثيراً ما تُطرح بوصفها ثنائية حادة بين الذوبان أو الانعزال. غير أن القراءة التوحيدية تقدم بديلاً لهذه الثنائية من خلال التمييز بين مستويين من الانتماء: انتماء قيمي يحدد المرجعية الأخلاقية والمعرفية، وانتماء مدني يحدد شكل المشاركة في المجتمع ومؤسساته. وبهذا المعنى يصبح الاندماج فعلاً واعياً قائماً على التفاعل الإيجابي لا على الاستلاب، وعلى المشاركة لا على فقدان الذات.

وفي ذات السياق المقاصدي، يعمق العلامة الدكتور أحمد الريسوني هذا المعنى بربطه بين العقيدة والنفع العام؛ فالتوحيد عنده هو المحرك الأساسي لمبدأ التعليل بالمصلحة. فحين يتحرر المسلم من عبودية الأغيار، يصبح تفكيره منصباً على ما ينفع الناس وما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الضروريات الخمس. وبصفتي مقيماً في إيطاليا، أرى في هذا الفكر مخرجاً جوهرياً؛ حيث يتحول التوحيد إلى قوة أخلاقية تدفعنا للمشاركة في العمل العام. فالمسلم الموحد لا يرى في القوانين المنظمة للحياة في أوروبا عائقاً، بل فرصة لتحقيق مقصد حفظ النظام العام وعمارة الأرض، ليصبح بتمسكه بتوحيد الله أكثر الناس حرصاً على الصدق والأمانة في بيئته المهنية والاجتماعية.

إن التوحيد حين يتحول إلى وعي مقاصدي لا يبقى محصوراً في المجال الفردي، بل يصبح قوة دافعة نحو تعزيز قيم العدالة والنزاهة. ويمكن ملاحظة ذلك في سلوكيات يومية بسيطة لكنها دالة، كتاجر يلتزم الصدق أو طبيب يلتزم بالأمانة المهنية؛ فهذه الممارسات هي تعبير عملي عن رؤية توحيدية تجعل الإيمان قوة بناء اجتماعي وليست مجرد ممارسة فردية.

ومن زاوية أخرى، يقدم استحضار النماذج النبوية إطاراً رمزياً ووظيفياً لفهم التوحيد في بعده الحضاري. فالنبي عيسى عليه السلام يمثل بعد الصفاء الروحي، والنبي موسى عليه السلام يجسد معنى مقاومة الظلم، والنبي إبراهيم عليه السلام يرمز إلى كسر الأوثان الفكرية، بينما يجمع النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذه الأبعاد في نموذج متكامل يوازن بين الروح والواقع، وبين الرحمة والمسؤولية. إن هذه النماذج تقدم بوصفها مرجعيات قيمية يمكن استلهامها في صياغة سلوك المسلم في مجتمعه، بما يجعله فاعلاً في بناء الخير المشترك.

غير أن هذا التصور لا يخلو من تحديات واقعية، أبرزها ضعف المؤسسات التربوية وغياب التأطير الفكري المتوازن، مما يجعل من الضروري الانتقال من الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي الذي يعيد بناء الخطاب الديني على أسس مقاصدية وسياقية.

في الختام، إن إعادة قراءة التوحيد في ضوء المقاصد والوسطية تفتح أفقاً جديداً لفهم الهوية الإسلامية في الغرب؛ أفق لا يقوم على ردود الفعل، بل على الفعل المؤسس، ولا على الدفاع السلبي، بل على الإسهام الحضاري. فالتوحيد ليس عزلة عن العالم، بل طريقة مختلفة للانخراط فيه، تجعل من الإنسان فاعلاً أخلاقياً يسهم في عمارة الحياة، ويعزز قيم الكرامة والعدالة والرحمة في الفضاء الإنساني المشترك.

 نسأل الله العليَّ القدير أن يثبّت قلوبنا على التوحيد الخالص ويجعلنا من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم بصّرنا بمقاصد ديننا واجعلنا في ديار الغربة مناراتٍ للهدى ودعاةً للخير بسلوكنا قبل قولنا اللهم احفظ علينا هويتنا وصُن أبناءنا وبناتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن واجعلنا لبناتٍ صالحة في بناء أمتنا وخدمة إنسانيتنا.. إنك سميعٌ مجيبُ الدعاء.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...