عندما يسود العنف وسيلة للتعارف على الجار الجديد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ. ناصر جابي (*)

هذا ما كان سائدا ولا يزال إلى حد كبير بين الجزائريين، عندما ينتقلون للعيش في أحياء سكنية جديدة، في المدن الكبيرة والمتوسطة، التي أصبحت تستقطب جزائريين اثنين من ثلاثة -67% ـ للعيش فيها. جزائريون عادة ما يكون اشتباكهم بالأيدي أو اللسان، طريقتهم المثلى للتعارف في ما بينهم، بعد سوء تفاهم حول ركن السيارة أو مناوشات بين الأطفال وهم يلعبون، داخل أحياء سكنية جديدة تقوم الدولة ببنائها لتوزيعها على المواطنين بالمجان، أو بأسعار منخفضة، من سماتها الضيق الشديد، وعدم توفر أدنى خدمات اجتماعية أو ترفيهية داخلها، ما حولها عمليا إلى شبه محتشدات، لا يعود إليها سكانها إلا ليلا للنوم.

سياسة سكنية كان ينظر لها كحل، فتبين أنها تحولت إلى مشكل بإفرازاته المتعددة التي كان على رأسها بروز عصابات تمارس العنف بشكل يومي وخطير، يهدد سلامة السكان، ويقضي على شعورهم بالأمان، يمنح صورة غاية في السلبية عن المدينة الجزائرية التي ظهرت مع الاستقلال، بما عرفته من نزوح ريفي كبير وتدهور في الخدمات.سكان جدد عادة ما يتم جلبهم من أحياء قصديرية (عشوائيات) أو من الأحياء القديمة للمدن الكبيرة والمتوسطة، التي لم تعد قادرة على تحمل عبء أبنائها، لتقوم بلفظهم الى ضواحي المدن الجديدة، التي تحولت شوارعها الى ميدان لمعارك يومية في الليل والنهار، جعلت الحكومة هذا الأسبوع، تقوم بإصدار قانون مستعجل للتعامل مع هذه الظاهرة المستفحلة، وصلت العقوبات فيه إلى عشرين سنة سجن وغرامات مالية ثقيلة على أعضاء هذه العصابات، أو المتواطئين معهم.

كعادة النظام السياسي الجزائري في منحه الأولوية للحل القانوني والردعي، على حساب الحلول العلمية، التي جربت ونجحت في أكثر من تجربة دولية، كانت وراء بروز مدارس ومقاربات علمية في التعامل مع الظاهرة الحضرية المعقدة، التي أصبحت تعني أغلبية الشعوب وهي تنتقل للعيش في المدن الكبرى والمتوسطة كظاهرة دولية. معطيات سوسيو- ثقافية وديموغرافية عديدة، يمكن ان تساعدنا في فهم وتفسير ظاهرة انتقال العنف من أشكاله البسيطة والمتحكم فيها، إلى تكوين عصابات مسلحة، مازالت مقتصرة على السلاح الأبيض في الوقت الحاضر، مرتبطة بعالم المخدرات، وكل أنواع السرقات، كالسطو على المنازل، واقتحام المتاجر، وسرقة السيارات وحتى اختطاف الأطفال والاعتداء الجنسي عليهم، يصل في بعض الحالات إلى القتل وطلب الفدية، كما شاع في السنوات الأخيرة. داخل مجتمع يسيطر فيه الشباب والأطفال على الشوارع. في غياب لافت لحضور الأب. لم يعد الأمر مرتبطا بالنظرة السلبية الى الآخر المختلف، ابن الريف أو الجهة المختلفة، أو الحي الشعبي الفقير، من قبل أبناء المدن الكبرى داخل هذه الأحياء السكنية الجديدة، التي اقتلع سكانها من أحيائهم القديمة، بكل ما كانت تزخر به من شبكة علاقات اجتماعية واقتصادية وعاطفية.

الأمر تعدى ذلك بدرجات، بعد أن غابت الحياة من هذه الضواحي التي يتكدس فيها الجزائريون، في ظروف سكن يبدو عليها ظاهريا الكثير من علامات «العصرنة المغشوشة» بضيقها الشديد في هذا البلد – القارة، وعدم قدرتها على مواكبة التكاثر الديموغرافي للعائلة الشعبية، التي عادة ما تكون فرحتها قصيرة بعد حصولها على سكنها الجديد، بعد طول انتظار، سكن حديث على شكل عمارات يتوفر على الكهرباء والماء والغاز الطبيعي، يشبه الى حد كبير ما بنته الفترة الستالينية في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي. أحياء تسيطر على يومياتها أمواج من المراهقين والشباب العاطل عن العمل، الذي ما زال يحن إلى حيه القديم، وسط المدينة، أو حتى الحي القصديري الذي مازال يتنقل إليه يوميا، للاستفادة من نسيج علاقاته الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، التي بنتها عائلته على مرّ الأجيال، اقتلعته منها السياسة السكنية، التي لم تراع أنها تتعامل مع بشر، بشبكات علاقات إنسانية معقدة، بل اكتفت بالتعامل مع قضية السكن، تحت ضغط الطلب الاجتماعي، وهي تدخل معه في علاقة مقايضة بسيطة.. سكن مقابل سلم اجتماعي، اعتمادا على ما وفره الريع البترولي للدولة، في غياب أي استراتيجية على المدى المتوسط والطويل، كان يمكن ان تتعامل بذكاء أكبر مع تعقيدات الظاهرة الحضرية، التي لا يمكن اختصارها في توفير سكن.

داخل أحياء لم يتم التفكير وهي تبنى، في توفير ما يساعد ساكنيها،على العيش المشترك والتعارف والدخول في علاقات إنسانية، كالملعب والمركز الثقافي وقاعة السينما والمسجد. غياب لمؤسسات التنشئة هذه تركت الشباب في عزلة اجتماعية قاتلة، استغلها رفيق السوء الذي تكفل بتأطير مجموعات كبيرة من الشباب، بعيدا عن سلطة الأب، الذي لم يعد في مقدوره القيام بدوره التربوي المعروف، هو الذي لم يعد يشاهد أبناءه، إلا وهم نيام في ساعات الليل المتأخرة، ابتعد خلالها أبناء هذه الأحياء الجديدة بشبكة علاقتها العنيفة عن سلطة العائلة والدولة، بعد أن لاحظوا غيابها في محيطهم المباشر، الذي اختفى عنه رجال الأمن بشكل كبير، بعد أن يئسوا من حالة تفشي العنف داخل هذه الفضاءات، التي لم يعد في مقدورهم دخولها إلا بقوات كبيرة.

مشاهد يومية يعيشها الكثير من ضواحي المدن الكبرى ،التي أصبح اسمها مقرونا، بالعنف- عين المالحة في العاصمة، أو علي منجلي بقسنطينة كمثال – الذي تتعاطاه عصابات منظمة، تحولت مع مرور الزمن إلى منتج ومروج لعنف متعدد الأشكال. حوّل حياة العائلات المسالمة إلى كابوس يومي، قد لا تفلت منه طول حياتها جراء استمرار أزمة السكن، رغم المجهود الذي بذل في السنوات الأخيرة في التقليص منها، اعتمادا على ما وفره ريع البترول للدولة الوطنية، وما بنته سواعد العمال والمؤسسات الصينية من مساكن رخيصة، لم تراع لا ثقافة الجزائريين، ولا نوعية علاقاتهم الاجتماعية، التي ميزت في وقت سابق المدينة الجزائرية وأحياءها الشعبية تحديدا، بكم التضامن وحسن الجوار الذي عرفت به تقليديا.

عكس الحي الجديد في ضواحي مدننا المخيفة، الذي سيستمر حاضرا، وقد يزداد على المدى المتوسط، على الأقل إذا لم تقم مؤسسات الدولة بما هو مطلوب منها. كالتوقف عن النظرة قصيرة المدى والقراءة المعتمدة فقط على الجانب الردعي والقانوني، لرؤية كل تشعب الظاهرة الحضرية، بما تفرزه من توترات وعنف دوري، عاشته بلدان كثيرة، تمكنت بعضها من الحد منه، بل القضاء عليه، اعتمادا على مقاربات علمية، تتعامل مع المدى المتوسط والطويل، مقاربة مازالت غائبة عندنا في الجزائر، التي لا تتوفر حتى الآن، على مركز بحث علمي واحد، كان يمكن أن يقوم بما قامت مراكز بحث في تلك الدول التي نجحت في التعاطي الإيجابي مع قضايا الحياة كالعنف الحضري.

كاتب جزائري (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...