بقلم.. أمجد إسماعيل الآغا
مُتجاهلاً كافة النظريات السياسية الإقليمية والدولية وأبعادها الجيواستراتيجية، مدفوعاً بأحلام العثمانية واستعاد أمجادها ومناطق نفوذها. هو ذا رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، الذي لا يُجيد لعبة إسقاط أحجار الدومينو بالمعنى السياسي والعسكري، لكنه بذات الوقت مُصّرٌ على العبث بالقواعد الأساسية للعبة الاستراتيجية في عموم مناطق الإقليم.
وعلى نمط تعدد الجبهات قد يجلب المكاسب ويُزيد من فعالية الأوراق السياسية المؤطرة عسكرياً، يقوم أردوغان بتوسيع دائرة حروبه ليصل إلى القوقاز، ضارباً عُرض الحائط ما قاله أحد حلفائه في جيش الاحتلال الإسرائيلي “عليك أن تتذكّر دائماً الدرس الأول في التاريخ العسكري: لا تعبث مع الروس”.
بالمفهوم العام والشامل للتعاطي السياسي مع دولة كـ روسيا، يجب أنّ يكون الحذر من إغضاب الروس عنوانًا دائمًا في هندسة المسار السياسي وكذا العسكري، لكن في النموذج التركي للتعاطي الجديد مع روسيا حيال القوقاز، هناك ثغرات لا يُمكن ترميمها بصفقة اقتصادية أو مقايضة جبهة هنا أو هناك، خاصة أنّ ليبيا وسوريا بعيدتان عن روسيا، وقد لا يُشكلان خطرًا على المدى الحيوي لـ روسيا، ولكنهما بذات الوقت هما ساحتان لهما من الاهمية الاستراتيجية ما يجعل موسكو تُشعل النيران بأيّ عابث بهاتان الساحتان وتحديدًا سوريا، لكن محاولة نقل النيران إلى قرب موسكو، فإنّ هذا الأمر ينطوي على مجازفة غير مسحوبة النتائج، فالدب الروسي وعلى الرغم من المحاولات الأمريكية والأوروبية وضمنًا التركية، للتضيق عليه في المستويات كافة، إلا أنّ مخالبه لا تزال جارحة ومؤذية.
للوهلة الأولى تبدو الساحات المشتعلة في ملفي أوكرانيا وبيلاروسيا، وأخيرا ملف المعارض الروسي أليكسي نافالني الذي جرى تسميمه في ألمانيا، وكأنها أوراق ضاغطة على روسيا بُغية إشغالها عن ساحات أُخرى، لكن جوهر السياسية الروسية الباردة ذات النفس الطويل، تُجيد التعامل مع جُلّ ساحات المواجهة. هذا الأمر ينطبق حُكمًا على إقليم ناغورنو قره باخ. ففي التوقيت الذي ظن الغرب عمومًا وتركيا خاصة، أنه مُحرج لـ روسيا جراء العديد من الأزمات التي تُلاحق موسكو، كان الموقف الروسي كعادته هادئ وباحث عن مُحددات الهدوء في الإقليم، فقد سارعت موسكو إلى احتواء الصراع الأرميني الاذربيجاني، بالدعوة إلى وقف النار، والشروع في مفاوضات برعاية موسكو بشكل رئيسي، وبمشاركة واشنطن وباريس بصفتهما عضوين في “مجموعة مينسك” لحل مشكلة قره باغ، وتحييد أنقرة ذات المواقف الصُلبة والداعية لاستمرار الحرب.
في ذات الإطار، يبدو واضحًا أنّ أردوغان نصّب نفسه متحدثًا عسكريًا عن الأذريين، رافعًا سقف شروطه لوقف إطلاق النار. هي شروط يسعى من خلالها أردوغان لخلق توازن سياسي وعسكري في القوقاز، على شاكلة ما حققه في ملفي ليبيا وسوريا، وهو بذلك يسعى لإحياء عناصر السلطنة العثمانية، وفرض النفوذ التركي مُجددًا على كل المساحات الجغرافية التي وطأتها أقدام أجداده.
مغامرة أردوغان القوقازية الجديدة، يبدو أنها ستكون شرارةً لإيقاظ الصراعات الدفينة والمُتجددة في تلك المنطقة، فالمكونات العرقية في القوقاز، إضافة إلى الصراع التركي الأرميني المبني أساسًا على تاريخ تركي أسود بحق الأرمن، لم تُخمد نيرانه بالكامل، وبالتالي فإن هذا النوع من الحروب، من الاستحالة بمكان الفوز فيها، خاصة أنها مُتغلغلة في وعي شعوب المنطقة، بيد أنّ الحماقة السياسية قد تأخذ صاحبها إلى هاوية لا قرار لها، لتكون محاولات أردوغان المرتكزة على استفزاز روسيا، والسيطرة على جزء من عُمق روسيا الاستراتيجي، لا يعني إطلاقًا أنّ أردوغان قد وضع موسكو في زاوية الأمر الواقع. وفي جانب أخر، فإن لعبة الأمم التي يحاول أردوغان هندستها والعبث بالجغرافية السياسية لـ روسيا، لن يدع مجالا للدب الروسي إلا باستخدام مخالبه، فالملفات التي تعاملت بها روسيا بواقعية مع تركيا، لن يُعمم الأمر في ملف القوقاز.
المحاولات التركية لتغيير موازين القوى في القوقاز، سيدفع روسيا قطعًا للانخراط في الحرب دفاعًا عن مصالحها، إذ لا يُمكن السماح لأحد بهندسة نزاع مسلح قريب من حدودها، مع ما يحمله من تغذية نعرات طائفية وعرقية، لن يطول الأمر حتى تمتد نيرانها إلى الداخل الروسي المتنوع بطوائفه وقومياته. فالمسألة بالنسبة لـ روسيا تختلف عن سوريا وليبيا. صحيح أنّ روسيا تعاملت مع تركيا كشريك في سوريا وليبيا، لكن في القوقاز فإنّ منطق التعاطي سيكون مُختلفًا، وستتخذ التطورات مسارًا مُغايرًا، من هنا على أردوغان أنّ لا يعبث مع الروس.





