هل حان وقت إزاحة الإسلاميين من مربع الحكم في المغرب؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بلال التليدي (*)

 

شهدت الأشهر القلية الماضية صراعا سياسيا حادا حول القوانين الانتخابية، وتحديدا حول القاسم الانتخابي.
في البدء، حصل التوافق على تعميم التسجيل التلقائي للشباب الذي بلغ السن القانونية، وهو المطلب الذي ظلت بعض القوى السياسية ترفضه، بحجة أنه يمثل دعما قويا للعدالة والتنمية، لكنها اليوم، سارعت إلى قبوله، لأنه لم يعد مرتبطا باعتماد التصويت على قاعدة عدد المصوتين، وإنما صار مرتبطا بنمط آخر من الانتخاب، يسعى إلى ربط قاعدته بعدد المسجلين، أي صار توسع القاعدة الناخبة بهذا النمط الجديد، يخدم الأحزاب الصغيرة، ويحرم الأحزاب ذات القواعد العريضة من الفوز بأكثر من مقعد في الاستحقاق الانتخابي المزمع إجراؤه في 2021.

ومهما يكن من خلاف حول القاسم الانتخابي، وكذا تداعياته السياسية والديمقراطية، فإن الثابت في السعي لتغيير نمط الانتخاب، وربطه بالمسجلين في اللوائح الانتخابية لا المعبرين بأصوات صحيحة في الاستحقاق، هو محاولة إضعاف حزب سياسي، لم يستطع النسق السياسي برمته، على الأقل في الشروط السياسية الراهنة، أن يوجد منافس سياسي له، وأن اللجوء إلى هذه الصيغة الرياضية التقنية، إنما بني على دراسة دقيقة لمراكز القوة الانتخابية للعدالة والتنمية، لاسيما في المدن، التي يحصل فيها على أكثر من مقعد.

لا نريد الدخول في حيثيات هذه الصيغة وخلفياتها، والنتائج التي يمكن أن تثمرها، ولا نريد أيضا افتراض تمريرها، ولا افتراض إمكان التوافق حول نقطة وسط، تحقق نصف المطلوب، وإنما يتركز الاهتمام حول الدواعي السياسية التي تملي إزاحة الإسلاميين عن قيادة الحكومة للولاية الثالثة، وهل يرتبط ذلك بإرادة الدولة، أم بإرادة قوة مؤثرة في القرار السياسي، أم بتكتيكات نخب سياسية لم تعد تتحمل واقع تصدر العدالة والتنمية للمشهد السياسي؟
لا شيء يؤشر على وجود إرادة ما للدولة في اتجاه تقليص نفوذ العدالة والتنمية، وما أثير من نقاش حول وجود إرادة ما داخل العدالة والتنمية للتقليص الطوعي لحجم مشاركته السياسية للتفاعل مع هذه الإرادة، جاء بلاغ أمانته العامة لينفيه، ويؤكد أنه لم يطرح هذه الفكرة ولم يناقشها في مؤسساته، مما يعني أن الأمر، لم يكن إلا رأيا لأحد قياداته، لم يستطيع أن يبلغ به درجة التداول القيادي.

ومما يزيد الأمر وضوحا أن خطاب الملك في افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان، وهو يخصص للاستحقاق الانتخابي حيزا محدودا، ركز على لوازم العملية الديمقراطية التنافسية، فذكر قضية عرض الحصيلة الحكومية والدفاع عنها أمام الناخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضرورة استضحار البعد الوطني والتضامني، وهي المفردات التي تؤكد بأن خطاب الدولة مع عملية ديمقراطية تنافسية بين أحزاب الحكومة وأحزاب المعارضة قائمة على الدفاع عن المنجز أو نقده، وأن هذه العملية، تتنافى مع اعتماد أي صيغة لا تعطي لهذا البعد الديمقراطي مضمونه الحقيقي.
ثمة اعتبار آخر، لم يدفع به إلى اليوم كحجة في هذا الموضوع، وتتعلق، بقضية الديمقراطية في العالم العربي، وموقع الإسلاميين في المشهد السياسي العام، والكلفة التي يتحملها المغرب من جراء بقاء تجربة وحيدة في العالم العربي يوجد فيها الإسلاميون في مربع الحكم، بعدما أزيحت حركة النهضة من المشهد الحكومي، وأن طريقة المغرب، إن لم نقل نموذجه، تختار دائما الانتقال السلس بدون قطيعة، وأن استحقاق 2021، هو زمن هذا الانتقال.

الواقع، أن جزءا من حيثيات هذا الاعتبار صحيح، فثمة قوى إقليمية، منزعجة تماما من وجود الإسلاميين في مربع الحكم، وتعمل من أجل إزاحتهم، بعد أن أدخلت هذه النقطة ضمن محددات العلاقات الدبلوماسية، وأن المغرب خسر كثيرا من جراء العلاقة الباردة أو المتوترة مع السعودية والإمارات.

لكن مع ذلك، يصعب أن نحصر أسباب التوتر أو البرودة في هذه العلاقات، في قضية الإسلاميين، فالإسلاميون لم يكونوا طرفا مؤثرا في تكيف موقف المغرب من حصار قطر، ولم يكن لهم وزن في قضايا حيوية، ثار بشأنها الخلاف بين التقدير المغربي والتقدير السعودي أو الإماراتي، ومنها الملف الليبي، وصفقة القرن، والتوغل المغربي في العمق الإفريقي، وغيرها من القضايا التي اتخذ فيها المغرب قراره السيادي المستقل، مما يفيد أن الإسلاميين ليسوا المحدد الرئيسي للتوتر أو البرودة في العلاقات مع السعودية أو الإمارات، وإنما الأمر يرتبط بخلاف في تقدير الدولة الاستراتيجي والسياسي.
البعض، وربما لنقص في المعطيات، أو تسرع في التحليل، أو لتحامل إيديولوجي مغرض، يزعم أن المغرب فقد الدعم الخليجي من وراء التشبث بالإسلاميين في مربع الحكم، وأن الصندوق السيادي الذي خصصه المغرب لاستقبال الهبات والاستثمارات الخليجية، ظل فارغا لسنوات لهذا السبب، وأن ذلك شكل كلفة ثقيلة أضرت بالاقتصاد الوطني.
ومع أن هذا المعطى صحيح، إلا أن ربطه بوجود الإسلاميين في مربع الحكم، لا يدعمه أي مؤشر، وإنما بدأ مسار تراجع هذه الهبات مع الحصار الخليجي لقطر، وموقف المغرب الممانع له، وما تلا ذلك من خلافات في النظر في العديد من القضايا، ليس الإسلاميون سوى جزء ضئيل منها.

وما يدعم أكثر هذا التحليل، حتى إذا تجاوزنا القوى الإقليمية، ونظرنا إلى ما هو أكبر من ذلك، مما يرتبط بإرادة القوى الدولية، فثمة ما يشبه الضمانة، لديها، من أن الدول ذات الحكم الملكي، والتي عرفت بتجربة في التعاطي مع الإسلاميين، مثل الأردن والمغرب، لا يشكل فيها وجود الإسلاميين تهديدا لا أمنيا ولا سياسيا للمصالح الأمريكية والأوروبية، ما دامت الصلاحيات الدستورية المنوطة بالمؤسسة الملكية، تبعد الإسلاميين عن الاحتكاك بهذه المصالح، فضلا عن المس بها أو التأثير عليها، ويكفي في هذا الإطار، تقييم العلاقات المغربية الأمريكية، أو العلاقات المغربية الفرنسية، أو العلاقات المغربية الإسبانية في ولاية الإسلاميين، فقد عرفت تطورا مهما، وغير مسبوق في بعض النواحي، حتى صدر ما يثمن دور الإسلاميين في تحسين العديد من جوانبها، كما فعل مروان راخوي رئيس الوزراء الإسباني السابق.

ربما ثمة، استثناء واحد، مرتبط بالحالة الفرنسية مع الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يعاني حاليا من معضلة التعاطي مع المسلمين في فرنسا، وبدل أن يتجه لفهم ظاهرة الإسلام، والاعتراف بكونه جزءا من الثقافة الأوروبية، صار يدفع في اتجاه فرض نموذج فرنسي للإسلام، مسكونا في ذلك، بالخوف من أن يبتلع الإسلاميون فرنسا، ولذلك، لا يستبعد أن يكون وراء الضغط على دول المنطقة من أجل إزاحة الإسلاميين من مربع الحكم.

ومهما يكن حجم الضغوط المفترضة على المغرب، فإن الثابت في سلوك الدولة، طيلة المدة التي تحمل فيها المغرب الضربات الخليجية المتكررة من جراء موقفه الممانع لحصار قطر، وباستحضار للحظة التي صمد فيها المغرب أمام فرنسا لحظة تبرمها من توسع نفوذه في إفريقيا، أنه، يتفاعل مع المعطيات الداخلية والخارجية، ويستحضرها، ولكنه، لا يجعلها محددا في تكييف قراره السياسي الاستراتيجي، وهذا ما يفسر إلى اللحظة، الديناميات الجارية حول القاسم الانتخابي، والميل إلى تغليب التوافق، بدل الدفع بالصراع إلى حالة من الاحتقان السياسي التي تضر بمصلحة الوطن واستقراره.

كاتب وباحث مغربي (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...