بقلم: ياسين جلوني
لطالما ترددت على مسامعنا كثيرا هذه العبارة، والتي اشتهر بها كثيرا الكاتب الوطني السابق لشبيبة العدالة والتنمية اﻷستاذ خالد البوقرعي، حيث كان يهتف بهذه العبارة بقوة لاسيما في الملتقيات الوطنية والمهرجانات الخطابية. قوة هذه العبارة ورمزيتها أدامتا استمرارية تداولها بين أبناء شبيبة العدالة والتنمية إلى اليوم.
بين ثنايا هذه العبارة نستشف مدى اعتزاز أبناء شبيبة العدالة والتنمية ومدى احساسهم بتميز شبيبتهم مقارنة ببقية الشبيبات الحزبية التي لا يمكن لها بتاتا أن تصل إلى مستوى شبيبة العدالة والتنمية في التأطير والتكوين والاستمرارية والتعبئة والنقاش والحضور. لكن بعيدا عن اللغة العاطفية، فمن المؤكد أن ما سبق ذكره صحيح، لكن هذا لن يمنعنا كذلك من طرح الموضوع من زوايا أخرى قد تساهم في إدراكنا لوزن وحجم شبيبة العدالة والتنمية الحقيقي بطريقة أكثر موضوعية وإنصافا.
نلاحظ هنا أن أبناء العدالة والتنمية يحاولون إبراز قوتهم من خلال مقارنتهم مع بقية الشبيبات الحزبية، من زاوية أخرى قد نرى هذه المقارنة مقارنة باطلة، لكون بقية اﻷحزاب السياسية الموجودة في الساحة السياسية نصفها لا تنطبق عليها اسم وصفة الحزب السياسي، فهي مجرد تكتلات مصلحية من صنع إدارة الدولة لتأثيث المشهد السياسي ومزاحمة اﻷحزاب الوطنية في سياقات مختلفة. أما النصف اﻵخر من الأحزاب السياسية فهي إما أحزاب وطنية تاريخية كبيرة شاخت وهرمت واستنزف رصيدها الوطني والتاريخي من خلال اختراقها من طرف عناصر لاوطنية أو عناصر موالية ﻹدارة الدولة تتلاعب بها كيفما شاءت، بحيث تحولت هذه اﻷحزاب السياسية لدكاكين للاسترزاق السياسي، توفر فيها المواقع والمناصب لمن يدفع أكثر ولمن يخضع أكثر. ويبقى في اﻷخير حزبان قد لم يحدث لهما بعد ما حدث لبقية اﻷحزاب السالفة الذكر، يتعلق اﻷمر بحزبي التقدم والاشتراكية وفدرالية اليسار الديمقراطي، هذان الحزبان مايزالان حزبين صغيرين ولم يبسطا وجودهما وامتدادهما بعد في الساحة السياسية بالشكل الكافي.
بعد هذا التوصيف المختصر للأحزاب السياسية يتأكد لنا بالملموس مدى بطلان المقارنة التي يرتكز عليها أبناء العدالة والتنمية، فكما هو معروف لا مقارنة مع وجود فارق، فما بالك بوجود فوارق كبيرة بين حزب العدالة والتنمية وبقية اﻷحزاب السياسية، فهذه المقارنة تشبه إلى حد كبير مقارنة تلميذ يدرس بمدرسة الحي وبين طفل آخر لا يدرس وانما سلك طريق الانحراف وتعاطي المخدرات، أو مقارنته بطفل أصغر منه سنا بكثير. لذلك فتقييم المستوى الحقيقي للتلميذ ينبغي ان يكون انطلاقا من المكتسبات العلمية والمعرفية والمستوى اﻷخلاقي للتلميذ، وان كان لابد من مقارنة، فالمقارنة ينبغي أن تكون بين هذا التلميذ وبين أقرانه في نفس الفصل، فقد نجد هذا التلميذ مواضبا لكن هناك من يتفوق عليه في مستويات كثيرة.
ورجوعا إلى واقعنا، فإن أراد أبناء شبيبة العدالة والتنمية صدقا أن يعرفوا مستواهم الحقيقي ينبغي عليهم أن يقارنوا أنفسهم بمن سبقوهم في درب النضال والتضحية من أجل الوطن، أن يقارنوا أنفسهم مع شباب الحركة الوطنية والذين ساهموا وضحوا من أجل استقلال المغرب وبناء مؤسساته، هؤلاء الشباب الذين كان منهم المثقفون والمفكرون والسياسيون والاقتصاديون والاعلاميون، وكانوا طاقات وأطرا كبرى أبدعت وأنتجت في ميادين مختلفة، فلا أحد منا قد ينسى علال الفاسي والمهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد والمختار السوسي وعمر بنجلون وعابد الجابري وغيرهم كثير.
فهنا ينبغي طرح السؤال: هل بإمكان شبيبة العدالة والتنمية إنجاب مثل هؤلاء الرجالات؟ هل بالفعل شبيبة العدالة والتنمية بقيادتها اليوم قادرة على اقتحام مجال الابداع الفكري واﻹنتاج العلمي والمعرفي؟ للإجابة عن هذا السؤال يكفي طرح سؤال واحد فقط: هل بمقدور شبيبة العدالة والتنمية أن تقوم بإصدار مجلة أو جريدة ورقية واحدة تضم مختلف الرؤى والسجالات المعرفية والفكرية التي من المفترض أن تضج بها أروقة هذه الشبيبة؟ لتكون لنا صورة واضحة عن الجواب يكفينا فقط أن نعرف أن عدد الكتاب الصحفيين الذين ينتمون إلى هذه الشبيبة لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة. مع العلم أن اﻷحزاب الوطنية في السابق كانت تصدر جرائد يومية بالعربية والفرنسية، وكانت موادها دسمة ساهمت في بناء الوعي السياسي لفئات عريضة من المجتمع، لدرجة أن بعض هذه الجرائد كانت تتعرض للحظر بين الفينة واﻷخرى.
لتقييم حقيقي لوزن لشبيبة العدالة والتنمية، يكفي فقط أن نحسب السنوات التي مرت على تأسيس هذه الشبيبة ونحسب معها عدد المثقفين والمفكرين الذين أنجبتهم، عدد المحللين السياسيين والخبراء الاقتصاديين الذين تكونوا وترعرعوا بين أحضانها، عدد الاعلاميين والصحفيين الوازنين الذين تناوبوا على مؤسساتها اﻹعلامية، عدد أبحاث الدكتوراه في مختلف الحقول المعرفية التي صاغها أبناؤها، عدد الدراسات المعمقة والتقارير الدقيقة التي دبجها الباحثون والباحثات من أبنائها.
بالفعل شبيبة العدالة والتنمية قادرة على حشد الجماهير وتأطيرهم، ولكن تأطيرهم وتكوينهم بأي جوهر وبأي عمق وبأي مستوى؟ فهل بالفعل التأطير الذي تقوم به الشبيبة يرقى لتخريج اﻷطر السابق ذكرهم؟ أم أن هذا التأطير يظل تأطيرا سطحيا مكررا يصلح لكل زمان مكان، تأطيرا يعيد إلى اﻷذهان فقط البدايات اﻷولى لتأسيس الحركة الاسلامية ونشأة الحزب، تأطيرا يتناول الأفكار والقيم الكبرى والتوجهات العامة دون خوض في العمق وفي التدقيق، تأطيرا يطنب في الحديث عن تفاصيل المعارك السياسية، تأطيرا عاطفيا صالحا فقط لتأطير عوام الناس وبسطائهم عاجزا عن تخريج أطر الدولة من الوزن الثقيل؟
إنني أخشى على شبيبة العدالة والتنمية سقوطها في فخ مقارنات باطلة لتأكيد قوتها ووزنها، وتوهم بذلك نفسها وتضع لها وزنا لا يليق بها، ناهيك عن غرور يعميها عن معرفة نواقصها ونقاط ضعفها. فالشبيبة اليوم في أمس الحاجة إلى العودة والاستفادة من الرصيد التاريخي الذي خلفه كبار رواد الحركة الوطنية، لعلها بذلك تتواضع قليلا وتعرف وزنها الحقيقي بالشكل الذي يدفعها لمراجعة عميقة للأنماط التكوينية التي توفرها من أجل تجويدها والرفع بمستوى قياداتها وأبنائها الذي ما يزال متواضعا ومحتشما مقارنة بالذي ينبغي أن يكون عليه الحال في هذه الظرفية الحرجة.





