مشهد حقوقي “قاتم” بتونس.. هل تعمل السلطة على تصفية المجتمع المدني؟

إيطاليا تلغراف متابعة

يتسع الجدل في تونس بشأن حدود الدور الذي تمارسه السلطة في مراقبة الجمعيات والمنظمات المدنية، بعدما تحولت قرارات تعليق النشاط والإغلاق المؤقت إلى أداة متكررة تطال كيانات حقوقية ومهنية ونقابية، فبينما تقول الحكومة إنها تطبق القانون، ترى منظمات محلية ودولية أن ما يجري يمثل تضييقا ممنهجا على الفضاء المدني.

وأعادت تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تسليط الضوء على المشهد الحقوقي في تونس، بعدما اتهمتا السلطات باستخدام القضاء والإجراءات الإدارية لتفكيك المجتمع المدني وإسكات الأصوات المنتقدة، وسط تحذيرات أممية من تراجع الحريات إلى مستويات “مقلقة”.

وتزامنت هذه الانتقادات مع قرارات طالت منظمات بارزة، بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي علقت السلطات أنشطتها لمدة شهر، إلى جانب منظمات أخرى تعمل في ملفات الهجرة والعدالة الاجتماعية ومراقبة الانتخابات ومناهضة الفساد والعنصرية.

وفي حلقة برنامج “ما وراء الخبر”، بدا الانقسام واضحا بين من يعتبر هذه القرارات جزءا من مسار قانوني يهدف إلى تنظيم عمل الجمعيات، ومن يراها امتدادا لسياسة أوسع تسعى إلى إخضاع المجال العام وإفراغه من أي قوة رقابية مستقلة.

وقال الكاتب والمحلل السياسي أحمد الغيلوفي إن المشهد الحقوقي في تونس “قاتم” ويتجه نحو مزيد من الانغلاق، معتبرا أن طبيعة النظام السياسي الحالي تجعل كل السلطات متمركزة بيد مؤسسة الرئاسة، بما أفقد المؤسسات الأخرى قدرتها على أداء دورها الرقابي أو التوازني.

وربط الغيلوفي بين تصاعد قرارات الإيقاف والتعليق وبين ما وصفه بمحاولة تطويق كل الأجسام الوسيطة، سواء كانت أحزابا أو نقابات أو جمعيات مدنية، مشيرا إلى أن البلاد “تستيقظ يوميا” على قرار جديد يتعلق بالإغلاق أو التوقيف أو الملاحقة.

جدل المشروعية

في المقابل، دافع المحامي والمحلل السياسي عبد الرزاق الخلولي عن الإجراءات الحكومية، معتبرا أنها تندرج ضمن تطبيق المرسوم المنظم لعمل الجمعيات، والذي يمنح السلطة الإدارية صلاحية التنبيه ومراقبة الإخلالات المالية والتنظيمية قبل اللجوء إلى أي خطوات أخرى.

وأوضح الخلولي أن ما صدر بحق الجمعيات ليس قرارات حل نهائية، بل إجراءات مؤقتة تهدف إلى التدقيق في مصادر التمويل وآليات التسيير، مضيفا أن السلطات منحت الجمعيات المعنية مهلا لتصحيح أوضاعها قبل تعليق نشاطها.

لكن هذا التبرير لم يقنع منظمات حقوقية تعتبر أن المشكلة لا تتعلق بالإجراءات بحد ذاتها، بل بطبيعة الجهة التي تتخذ القرار، إذ يرى منتقدو السلطة أن اللجوء إلى القرارات الإدارية بدل الأحكام القضائية يفتح الباب أمام استخدام القانون لتصفية الخصوم وإخضاع المجتمع المدني.

وفي هذا السياق، قال مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة “إف دي” الدولية لحقوق الإنسان عبد المجيد مراري إن تعليق نشاط منظمات حقوقية بارزة لا يمكن فصله عن مواقفها المنتقدة للسلطات، مؤكدا أن القرارات الإدارية تصبح “محكومة بخلفيات سياسية” عندما يجري استبعاد القضاء من العملية.

وأشار مراري إلى أن منظمات مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أو “محامون بلا حدود” تتمتع بحضور دولي وتعاون مع مؤسسات أممية، معتبرا أن استهدافها يعكس تضييقا على الهيئات التي ما زالت تمارس دورا رقابيا على السلطة وتنتقد أداءها الحقوقي.

ويأتي هذا السجال بينما تتحدث تقارير أممية عن تصاعد القيود المفروضة على الحريات العامة في تونس، بما يشمل الملاحقات القضائية ومنع السفر واستدعاءات التحقيق، إلى جانب حملات تشهير تستهدف ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

كما أثار توقيت بعض القرارات مزيدا من الشكوك لدى خصوم السلطة، خاصة بعد تعليق نشاط “الجمعية التونسية للأطباء الشبان” قبيل ندوة صحفية كانت تستعد خلالها لعرض معطيات تتعلق بتدهور القطاع الصحي العمومي، وهو ما اعتبره منتقدون محاولة لمنع تداول المعلومات المحرجة.

اتهامات متبادلة

غير أن الخلولي رفض الربط بين توقيت القرارات والرغبة في إسكات الأصوات المنتقدة، مؤكدا أن السلطات تتحرك وفق مقتضيات قانونية وإدارية، وأن الإجراءات طالت جمعيات متعددة بسبب ما وصفه بـ”الإخلالات” المتعلقة بالنشاط والتمويل.

واتهم الخلولي بعض المنظمات بالانخراط في أجندات سياسية أو الارتباط بتمويلات خارجية، معتبرا أن جزءا منها تجاوز الأدوار المدنية والحقوقية إلى ممارسة العمل السياسي، وهو ما يراه مخالفا للإطار القانوني المنظم للجمعيات في تونس.

لكن معارضي السلطة يرون أن هذه الرواية الرسمية تتكرر كلما تصاعدت الانتقادات الداخلية أو الدولية، معتبرين أن الحديث عن التمويل الأجنبي أو حماية السيادة بات يستخدم لتبرير توسيع القبضة الأمنية والإدارية على الفضاء العام.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يدفع تونس نحو مزيد من الاحتقان السياسي والاجتماعي، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات، إذ إن تقليص هامش عمل النقابات والجمعيات قد يحرم البلاد من إحدى أهم أدوات الوساطة والتوازن داخل المجتمع.

كما تخشى منظمات حقوقية من أن يتحول تعليق النشاط المؤقت إلى مدخل لحل نهائي لبعض الجمعيات، خاصة بعدما خسرت منظمات عدة طعونها القضائية ضد قرارات التعليق، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم المشهد المدني في البلاد وفق معايير أكثر تشددا.

ويرى متابعون أن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطا فقط بملفات قانونية أو تنظيمية، بل بالسؤال الأعمق حول مستقبل المجال العام في تونس، وما إذا كانت السلطة تتجه فعلا نحو إعادة صياغة العلاقة مع المجتمع المدني على قاعدة الضبط والإخضاع، بدل الشراكة والرقابة المتبادلة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...