نِدَاءُ الْمَتَابْ….!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

(*)عمر بن أحمد القزابري

 

بسم الله الرحمن الرحيم..والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين..أحبابي الكرام:

ما أصعبَ مُعالجة النفس...وما أشدَّ الوحشةَ القاتِمة التي تصدُر عن بعدِها عن الله سبحانه وبحمده..وما أكثرَ المطايا التي يُزينها الشيطان للعبد ليحمِله عليها إلى مواضِع هلاكه..ومواطنِ خسارته..والمُسدَّد من اتَّهم نفسَه..وحاسبَها على الصغير والكبير..والنَّقير والقِطمير..حتى يُطوِّع زِمامها..ويحُدَّ من غُلوائها..( وما أبرئ نفسي. إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي).

فيانفسي: تَنَكَّرتِ في ذاتي..فقدمتِ لي الرحيقَ لتَروِي ظمأكِ من عَذابي..ثم جئتِ تستجِيرين..فمنْ غير ربِّ السماء المُجِير…؟لم تعاميتِ حتى ركبتِ الظلامَ على هودجٍ من سرابِ الغُرورْ….دعيني نفسي فما لي يدٌ في أَسَاكْ…لكن ليس للذنب عُمْرْ..وليس للقلب سِرّْ..وليس لنور المَتابْ..في أي وقتٍ حِجابْ..يانفس: قومي وزاحمِي النُّجوم..واخرجي من عتمة الغُيوم.ْ.فلا راحة لك إلا على باب الحي القيومْ ..مهما تراقصت أمامكِ زخارِف المتاعْ…مهما علت أصواتُ روَّادِ أسواق الضَّياعْ…فإنه عندما يُطلُّ الصباحْ..تنكفئُ الأحزانُ وتُلَمْلَمُ الجِراح…فاذا بالنُّور يسري..وإذا بالنَّهر يجري…فإن حنَّ بعدها إثمٌ يا نفسُ إِليكِ..وجاءك ظمآنا بالدَّمع يبكِي..فذكِّريها بصُراخِ ريح النَّدامة … وبانتفاضِ المَلامَة ..وتوجَّهِي إلى الله بلسان الضَّراعة..وقولي: جئتك ربي بأدمُعي وشقايَا..ووخزاتِ ضميرٍ لا تزال فيه من الحياة بقايَا…وقلبٍ يصرخ كصرخة يتيم تَلَقَّفَتْهُ الرزايَا…وجئت ندمان أزْجي بِذُلِّي إلى بابكَ خُطايَا..أبْكي وتبْكِي نفسي ويبْكِي دمْعي ويبْكِي بُكايَا..وفي يدي نغَمٌ يُولْوِلُ مِن أسايَا..وبناءٌ من رجاءٍ شيدته مِن دُعايَا…قد اشتكيت دربًا طويلا كثير الزوايَا…وقد اشتكيتُ شطًّا لا ماء فيه يُطفي وخْز اللظى في حشايَا…
رُحماكَ ربي إنني ومركبِي الخَطايَا..في لُجَّةٍ مِجدافي فيها حُسنُ ظني ورجايَا..سأظل أرجوك ربِّي وأرفع يدايا وندايا…فإني طارق للباب واقف بالأعتاب أقدم بين يدي ذلي بُكَايَا …

احبابي الكرام انه لا يخف القلب بمثل حمله إلى ربه سبحانه وبحمده، والارتماء هنالك متعرضًا لنفحات الرحمة؛ فلا أوسع من رحمته سبحانه وبحمده، ولا أعظم من مغفرته، ولا أكرم منه إحسانًا، يقبل العبد الشارد البعيد إذا آب، ويُقبل عليه فرحًا به وهو الغني عنه سبحانه وبحمده، لا يعيره ولا يوصد دونه بابه، بل يدنيه ويصطفيه ويحب منه الانخلاع من نيران معصيته إلى أنوار توبته!
والعبد منا في سيره في صخب الدنيا وبيدائها اليابسة، يتوكأ على حسن ظنه بربه، ويرتفع عن غفلاته بالاعتصام بنوره، والتدثر بشملة الإنابة لتشمله بركات الإثابة!

ومن علم أن له عمرًا ينتهي، وأن له موقفًا هنالك بين يدي ربه، استحيى والله فارًّا من لواء الذنب وقتامة المعصية وذل الوقوع في شَرك الشيطان!
واستعان بربه على مرضاة ربه، وصلاح حاله وقلبه!
وكل النفوس لها ميقاتٌ تنتهي به الدنيا لتبدأ الحياة!
نعم إن الحياة هنالك حيث نستقبل، وأما هذه الدنيا فقد جُبلت على الارتحال والفناء ولا بد!
والصادق المحب لنفسه يفر من معرة الحسرة وآصار الندم تفريطا ” ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين﴾ [الزمر: ٥٦]
ياللحسرة المنكسرة!
ياللزفرات المحترقة هنالك!
وواشوقاه إلى أنفاس الإنابة التي تصعد بصاحبها إلى فردوس النعيم في الدنيا والآخرة!
إي والله!

فإن النعيم تهب نسائمه وتتهادى عطوره إلى قلب السائر فيبصر ويعمل ويجد ويسجد!
وتنفتح بين يديه سرائر الأسرار، ويزهد في مدائن الأغبار وموطن الأغيار!
ويكون شوقه معلقا بالعرش، محلقًا إلى أنواره!
فينال البركة كلها، والحياة الطيبة بسكينتها وظلها!
﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: ٩٧]
اللهم حياة طيبة في عافية لا تبلى وقرة عين لا تنفد أبدا

وصلى الله وسلم على سيدنا رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين
محبكم وحافظ عهدكم وودكم عمر بن أحمد القزابري

(*)إمام مسجد الحسن الثاني بالدارالبيضاء

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...