ناصر جابي :جزائر سياسية بخمس سرعات مختلفة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

(*) ناصر جابي

 

 

هذا ما تعكسه كل مرة معطيات سوسيولوجيا الانتخابات في الجزائر، وما ستؤكده نتائج الاستفتاء على الدستور في الأول من نوفمبر الحالي بكل تأكيد، رغم كل العيوب المرتبطة بدقة المعطيات، وإمكانية التلاعب بها كفرضية تبقى واردة على الدوام. إنها الاختلافات الواضحة في مواقف واتجاهات التصويت، ونسب المشاركة، للجزائريين والجزائريات في الخمس مناطق، التي يمكن أن تقسم إليها الجزائر السياسية، بدءا من المدن الكبرى والمتوسطة في الشمال، بثقلها الديموغرافي وحيويتها السياسية. وهي الجهة التي تمثلها أحسن تمثيل مدينة الجزائر العاصمة، وبعض المدن الكبرى كوهران وقسنطينة.
لتأتي بعدها منطقة القبائل، بكل ما يميزها من خصوصيات سياسية معروفة، مناطق الهضاب العليا الواسعة التي تمثل العمق الجغرافي والبشري للجزائر. ليأتي بعد ذلك أقصى الجنوب بطابعه الاستراتيجي الحدودي. وأخيرا الهجرة الجزائرية بتنوعها الجيلي والجغرافي، الذي يطبعها في السنوات الأخيرة، لنكون أمام جزائر أفقية بعمقها السوسيولوجي والديموغرافي، وحتى الثقافي، أكثر تعبيرا من تلك الجزائر العمودية المقسمة إلى جهات – شرق – غرب ـ وسط.

كل معطيات الانتخابات والاستفتاءات في الجزائر تؤكد على هذا الدور التفسيري المهم، لهذا البعد السوسيو- جغرافي بعمقه الديموغرافي المعروف، الذي يميز هذه المناطق الخمس، التي يعيش فيها الجزائريون بكثافة ديموغرافية مختلفة. بسرعاتها السياسية المتباينة، بدءا من المدن الكبرى والمتوسطة، التي عبرت عن توجه واضح نحو المعارضة، منذ ثمانينيات القرن الماضي على الأقل، بأحيائها الشعبية وشبابها الذي كان حاضرا على الدوام، وراء كل الحركات الاحتجاجية التي عرفتها الجزائر، لتكون مرة أخرى بؤرة التعبير الأساسي للحراك الشعبي 2019، الذي اختار المدينة بدل المناطق الريفية للتعبير عن نفسه. مدن تتميز مشاركتها بالضعف، في كل الاستحقاقات الانتخابية، وإن شاركت اتجهت إلى المعارضة والرفض كقاعدة عامة. وهو حال منطقة القبائل التي عبرت عن خصوصياتها منذ الاستقلال على المستوى الثقافي، ومعارضتها السياسية لكل أنظمة الحكم التي عرفها البلد. منطقة تضاهي مستوى التأطير الحزبي والجمعوي الموجود في المدن الكبرى. التي تملك معها – العاصمة تحديدا – تواصلا يوميا نتيجة القرب، وحضور أبناء المنطقة الكثيف داخلها. وهو ما ينطبق على الهجرة الجزائرية في الخارج التي تنوعت اتجاهاتها في العقود الثلاثة الأخيرة – نحو كندا وبريطانيا وبعض دول الخليج بالنسبة للنخب – لتتوجه نحو المعارضة أكثر، بعد ظهور أجيال جديدة داخلها، ابتعدت كليا عن العقيدة الوطنية بمحتواها القديم، التي عُرف بها أبناء جيل المهاجرين الأول في فرنسا، وهو يبني الحركة الوطنية ويشارك في حرب التحرير. لنكون أمام تنوع فكري وسياسي، يشبه ما هو موجود في مدن الشمال داخل البلد ومنطقة القبائل. بالحضور نفسه الذي يميز النخب والتأطير الجمعوي تحديدا، في غياب شبه كلي للتعبير الحزبي، مضافة إليه في ما يخص الهجرة، حرية فعل وقول لا تتوفر دائما في الداخل للجزائريين، ما يؤهل الهجرة إلى أدوار سياسية نوعية جديدة، لم تعرفها في السابق، خاصة عندما تنتكس الأوضاع في الداخل. سرعة سياسية أخرى مختلفة نجدها في منطقة الهضاب العليا الواسعة ومتوسطة الحضور الديموغرافي، بمدنها الصغيرة ومناطقها الريفية، أو شبه الريفية بكل التنوع الذي تعرفه. منطقة ستكون مجال الصراع السياسي بين السلطة وكل أنواع المعارضة، باعتبارها منطقة تأرجح، غير محسومة النتائج حتى الآن، رغم ميلها أكثر لأطروحات النظام لغاية اليوم. عبّرت عنه بمشاركتها الكبيرة في كل أنواع الاستحقاقات السياسية. وحضور نخب قريبة من أحزاب السلطة من أبنائها في مؤسسات النظام المختلفة. تميز داخلها حزب جبهة التحرير لوقت قريب. وهو يستعمل العمق القبلي والعروشي، الذي مازال بارزا في هذه المناطق الداخلية، التي لم تختف داخلها الانتماءات القبلية تماما، كما حصل في شمال البلاد. عمق عادة ما يتم استفزازه بشكل مقصود كوسيلة تجنيد اثناء المناسبات المرتبطة بالانتخابات السياسية، المحلية أو التشريعية وحتى الرئاسية، التي يحفز فيها البعد الجهوي بشكل مفضوح، كما حصل في رئاسيات 2004، في غياب البرامج والأحزاب السياسية.

لنكون أمام سرعة مختلفة تميز مناطق الجنوب الكبير، بأهميته الاستراتيجية الحدودية وضعفه الديموغرافي الواضح وطابعها القبلي، وقلة حضور النخب بمختلف أنواعها من أبنائها، إذا استثنينا منطقة بني ميزاب، وبعض القصور بنخبها التقليدية، التي تشتغل عادة كممثل محلي للسلطة المركزية، في تأطير المواطن الفقير، الذي يعيش فوق أراض غنية. بدأ يتحرك رغم ذلك سياسيا في الآونة الأخيرة مثلما حصل بمناسبة طرح قضية الغاز الصخري، أو بطالة الشباب، أو حتى المشاركة في الحراك الشعبي بشكل ضعيف وغير منتظم. عمل ساهمت فيه نخب شابة، انتجها انتشار التعليم العالي في هذه المناطق، التي استفردت بتسييرها نخب إدارية وسياسة رسمية من أبناء الشمال، تعاملت مع المناصب الممنوحة لها في أقصى الجنوب كعقوبة مهنية، رغم استفادتها من ترقيات سريعة قد لا تكون مؤهلة لها بالضرورة. جنوب مازال قريبا جدا كاتجاه عام من وجهة النظر الرسمية، وهو يقترع بنسب عالية، حتى إن كان تأثيره ضعيفا جدا لاعتبارات موضوعية متعلقة بديموغرافيته الضعيفة، التي ستبقى من دون تأثير مهم على الاتجاهات العامة لأي اقتراع وطني. كما سيتأكد هذه المرة بمناسبة الاستفتاء على التعديلات الدستورية مرة أخرى، وكما أكدته حملة الاستفتاء بفتورها الكبير الذي عرفت به، في الشمال والمهجر، وما ميزها من مقاطعة في منطقة القبائل، زادتها عمقا الازمة الصحية وانعدام النقل بكل أنواعه.

خمس سرعات سياسية مختلفة تمكنت من التعبير عن نفسها، بمناسبة الحراك الشعبي بسلاسة سياسية كبيرة لمدة أكثر من سنة ونصف السنة، عرفت كيف تبرز من خلال المسيرات، والكثير من المبادرات والأوراق السياسية، التي قدمت كاقتراحات حلول لسلطة رفضت التعامل الإيجابي معها، داخل نظام تعود تقليديا على استغلال هذه السرعات السياسية، وما تحيل إليه من تنوع سوسيولوجي، ديموغرافي وثقافي، كنقاط ضعف وليس كنقاط قوة، كما تعامل معها الحراك الشعبي، الذي نجح في إفشال الاستراتيجية الرسمية، التي تعودت على استغلال الفروق الموضوعية، كما كانت تفعل على الدوام، بوضع الريف الفقير في مواجهة المدينة الغنية، والجنوب ضد الشمال والشعب ضد النخب والعربي ضد القبايلي.

(*)كاتب جزائري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...