الفنان المغربي عزالدين الهاشمي الإدريسي يرسم عالما صوفيا مسكونا بالألوان والأشكال الهندسية.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أمام اللوحات التشكيلية لا يمكننا أن نكون محايدين، فإما أن نقبل علّة عوالمها أو ندبر عنها، إما أن نعجب بها أو ننكرها، ووحده الفنان المتحكم في عمله والماسك لتفاصيله بوعي وإحساس عاليين يمكنه أن يسحبنا من أنفسنا ليسافر بنا إلى خيال سحري، على غرار ما يفعله الفنان المغربي عزالدين الهاشمي الإدريسي.

رواق “مين دار Mine d’Art” يحتضن بالرباط، من 10 إلى 30 ديسمبر الجاري، معرضا جديدا للفنان التشكيلي المغربي عزالدين الهاشمي الإدريسي.

وأفاد الرواق بأن هذا المعرض، وهو الثاني من نوعه خلال سنة 2020 للفنان، وينظم تحت شعار “صدى.. دلالات كونية”، وهو يشكل فرصة للفنان لتقديم جديد أعماله.

وسبق للإدريسي أن قدم معرضا بعنوان “دلالات كونية” في فبراير الماضي بفضاء المكتبة الوطنية بالرباط، ويواصل الفنان مشروع معرضه السابق ليقدم أعماله الجديدة كامتداد أو “صدى” لمعرض “الدلالات الكونية”.

في مواجهة الغموض

يضم معرض “صدى.. دلالات كونية” لوحات متنوعة تتناول موضوع الكون والمجرات والنجوم واللامتناهي، ويقدم لزواره حوالي عشرين لوحة بتقنية مختلطة اعتمد فيها الإدريسي على مختلف أنواع المواد والتركيبات، بما في ذلك التعليق المغناطيسي، الأمر الذي أفضى إلى إبداع تراكيب أصلية من النقش البارز، بأسلوب يقوم على الانطباع البصري والعمق ويولد ملمحا ثلاثي الأبعاد.

وتطغى على لوحات الفنان اللمسة الانطباعية الخفيفة، والمنتعشة، والمضببة على هيئة أجواء فلكية يعتمل فيها تحول يستثيره البحث المضني على مستوى الأشكال والألوان. إنها تجربة تشكيلية تنضح بمشاعر بصرية قوية.

ويضم العالم الفني للإدريسي موضوعات الفضاء واللامحدود وعناصر التراث البصري المغربي الأندلسي. إنه مزيج يوفر مجالا واسعا للاستكشاف في الألوان والأشكال.

كما أنه يقدم امتدادا روحيا أصيلا وخفيا أحيانا. إنه مُتخيل يسائل أيضا مكانة وهشاشة الإنسان في مواجهة غموض العالم.

ويستحضر الناقد الفني محمد أمسكان الوجود الدائم لـ”دائرة الألف”، ويتساءل “هل يتعلق الأمر بالقمر أم بالشمس أم بأحد أجرام الفلك اللامحدود؟ إنه يتحرك كما يحلو له على سطح اللوحات، مثل مجرة ​​درب التبانة، لا أدري إلى اتجاه يرنو إليه، يجد العمل طريقه وارتقاءه. ويظل مسكونا بنفس روحي وصوفي”.

من جانبه، يرى الناقد الفني عبدالرحمن بن حمزة أن “الكون المرسوم” بريشة الإدريسي “ينبض بالحياة مع نفثات غنائية ذات صبغة طبيعية ينظمها توازن خفي بين النغمات. ويقودنا الفنان التشكيلي إلى تأمل فريد للعالم وللنفس، وكذلك نحو المجهول، في لحظة خالدة من الهروب الفلكي”.

أما الأكاديمي محمد الشيكر الباحث في الجماليات فيحلل أعمال الفنان قائلا إن “ما يشد العين أكثر في لوحات الإدريسي هو أنها تنحو شطر ضرب في الامتلاء الجمالي الواعي الذي ينأى بها عن المينيمالية المفتعلة، كما يجنبها مأزق الفراغ البصري، ويجعلها في النهاية لحظة عناق أخاذ بين عالمين يملآن العين بهجة ودهشة”.

وأضاف الشيكر “من خلال عالم الزخارف والرقش والأرابيسك الذي يحيل إلى الموروث الفني الأندلسي، وعالم الأفلاك والكواكب والامتدادات السديمية الذي يرتبط بالهندسة الكوسمولوجية، وكذلك عبر مفرداتهما الإشارية وإيحاءاتهما الرؤيوية، يجنح الرائي في أرخبيلات الخيال البصري وذلك لتأخذه شعرية الهاشمي الكروماتية بعيدا عن تمثيل ميمي للعالم، وعن استنساخ آلي لنتوءات الذاكرة وتضعه إزاء منجز بصري آسر ومولد لمتعة لا حَدّ لضفافها وشطوطها”.

اللهو بالأشكال
ومن جانبه اعتبر إدريس كثير، الناقد في مجال الفن التشكيلي، أن الإدريسي شيّد جسرا للتواصل بين عالمين، لا فقط عالم الأندلس ببهائه والعالم العربي الإسلامي باختلافه (من المغرب: فاس وسلا ومراكش)، وإنما العالم الفوقي والسفلي: عالمي الكون والفساد ليس في مفهومه الأخلاقي بل كحدث أنطولوجي يفيد الاحتمالية والعرضية والنهائية وعدم الخلود.

ويشير إلى أن الفنان يبقى على العموم “كالطفل حين يلهو ويلعب، فهو جدي في لهوه ولعبه. إنه لا يتغيا سوى المتعة”، ومن هذا المنطلق يتخيل الباحث إدريس كثير الفنان الإدريسي في مرسمه “وهو يجمع ويرتب مواده الأولية للعمل من صباغات زيتية ومائية وباستيلية وبهاراتية، التي هي الأسطقسات الكروماتية الأولى، وفكرة التكوين لا تفارق ذهنه”.

وللتذكير فالفنان التشكيلي عزالدين الهاشمي الإدريسي، المولود في 1953، اشتغل مدرسا للغة والأدب الفرنسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن مسيك بالدار البيضاء منذ سنة 1984، وذلك عقب حصوله على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي.

وبالرغم من انشغالاته المهنية والتزاماته المتعددة، كان يبحث لنفسه- على حد قوله- عن فسحة للغوص في بحر الرسوم الهندسية، التي تتسم في معظمها بالطابع التجريدي، مما ساعده على خلق لون فني، ورؤية خاصة نابعة عن سلسلة من التجارب والدراسات والتأملات الشخصية، التي تشكل بالنسبة إليه متخيلا تشكيليا يتغذى من مبادئ الأرابيسك العربي الأندلسي.

واستطاع الإدريسي من خلال الألوان المختارة بعناية فائقة، الممزوجة بأشكال هندسية مختلفة، التعبير عن مكنوناته الروحية والمتخيلة وتقديم تجربة بصرية جديدة لجمهور الفنون الجميلة.

ويقترح الفنان من خلال أعماله المعروضة رؤية جمالية خاصة للكون مفتوحة على الخيال والحلم والمتعة البصرية، مستثمرا في ذلك أدواته المعرفية والفكرية والفنية.

وقال الإدريسي في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء “لقد كنت دوما مندهشا بالكون والفضاء اللامتناهي”، ومع ذلك، يضيف الفنان، فإن “الموضوع هو الذي يختار فنانه وليس العكس”. وأوضح أنه مدين بإلهامه “للغموض الذي يكتنف الكون اللامتناهي”، حيث يحاول إعادة رسم هذا الكون بألوان وفرشاة.

وتابع الفنان “الأشكال الهندسية المنتقاة هي في نهاية المطاف إحالة على الهندسة الروحية، كما هو الشأن بالنسبة إلى الزليج والأرابيسك”، مشيرًا في هذا الصدد إلى أن هذه الأشكال تستخدم بشكل كبير في أماكن العبادة.

وأشار إلى أن “هذه الهندسة الروحية التي توجد عموما في فنون التسطير والتشجير والتوريق، هي دعوة للتأمل والتفكير والتعبد”، مسجلا من جهة أخرى، أن “كل لوحة متفردة في شخصيتها وتتطلب وقتا محددا للعمل”.

وخلص البلاغ إلى أنه تم افتتاح معرض “صدى.. دلالات كونية”، الخميس 10 ديسمبر ليتواصل إلى غاية الأربعاء 30 من ذات الشهر.

ونذكر أن معرض برواق “مين دار” يفتتح أبوابه يوميا أمام الزوار من الساعة الرابعة عصرا حتى الساعة الثامنة مساء بتوقيت المغرب، وذلك في إطار احترام التدابير الصحية الوقائية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...