إيطاليا تلغراف تحاور الأستاذ عبد السلام لعروسي أحد كفاءات الجالية المغربية بألمانيا حول التطورات الأخيرة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

حاوره عبد الله مشنون

 

 

في إطار اهتمام صحيفة إيطاليا تلغراف بقضايا الساعة، وبكل ما يهم مغاربة العالم، يُسعدنا أن نستضيف الأستاذ عبد السلام لعروسي، أحد كفاءات الجالية المغربية بألمانيا، خريج الجامعة التقنية ببرلين و الحاصل على الشهادة العليا في مجال الهندسة الميكانيكية للقطارات. وهو بالموازاة كاتب رأي له عدة مقالات أغلبها تهمّ المشهد السياسي في المغرب و تحيط القطاعات الحيوية في مجالات الإقتصاد و الخدمات الإجتماعية كالصحة و التعليم و سوق الشغل. مزاولة المهندس عبد السلام لعروسي لعمله اليومي كإطار مسؤول في قسم المبيعات بإحدى الشركات الألمانية الكبرى لم تتنيه عن ميله إلى الكتابة و مواكبة الحدث باستمرار و عن حرصه الدائم على إحياء النضال المعرفي الفكري.

أستضيف اّلأستاذ عبد السلام لعروسي لأحاوره حول التطورات الأخيرة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية، العلاقات المغربية الجزائرية، العلاقات المغربية الأمريكية وأخيرا مسألة إعلان المغرب إعادة فتح قنوات الاتصال مع إسرائيل بعد غلق مكتب الاتصال منذ 2002.

السيد عبد السلام لعروسي مرحبا بك مجددا في موقع إيطاليا تلغراف، وأبدأ بسؤال مباشر:

1- كيف تنظر للتطورات الأخيرة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية؟

بدوري أود أن أشكر جريدة إيطاليا-تلغراف على الإستضافة و أحييكم على اختياركم لموضوع قضية الوطن الأولى، كما أحيي متتبعيكم و قراء الجريدة في كل مكان.

تشبت المغرب باستكمال وحدته الترابية ليس أمر وليد اللحظة، و إنما هو أساس لحق مشروع طالبت به القوى السياسية المغربية على لسان الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله مباشرة بعد حصول البلاد على استقلالها من الإستعمار الفرنسي سنة 1956؛ حيث كان تحرير مدينة طرفاية سنة 1958 و استرجاع سيدي إيفني سنة 1969 أولى ثمرات هذا النضال، إلى أن جاءت المسيرة الخضراء و استرجاع الأقاليم الجنوبية من أيدي الإسبان. إلاّ أنه منذ ذاك الحين و حكومات الشقيقة الجزائر تتعمد ممارسة سياسة العداء و الإستفزاز ضد جيرانهم في المغرب طمعا في تحصين مَنفَذ يوصلها إلى خيرات المنطقة و إلى المحيط الأطلسي على طول الساحل في الصحراء المغربية. الظاهر اليوم، هو أن أشقاءنا المسؤولين في الجزائر لم يستوعبوا بعدُ المغزى النبيل لسياسة اليد الممدودة من طرف إخوانهم في المغرب منذ عام 1975 ليستمرّوا في استفزازاتهم و تحريضهم على حرب بالوكالة ضد المغرب، ضاربين بعرض الحائط كل التضحيات التي قدمها المغرب لبلادهم خلال محنتهم من جراء الاستعمار الفرنسي قرابة قرن و 32 سنة. و عليه عمَد المغرب خلال السنوات الأخيرة نهج قرارات الحزم في الدفاع عن أراضيه دون هوادة، و خير دليل على ذلك هو ردود فعل القوات المسلحة الملكية الأخيرة لأجل ردع ملشيات البوليزاريو و طردها بعيدا عن حدود المملكة و إقامة حزام أمني حول معبر الكركرات، كما اختار المغرب نهجا دبلوماسيا مغايرا حافظ فيه على سياسة الحوار مع المجتمع الدولي، كما جنّد المجتمع المدني من أجل الترافع لصالح قضية الوطن الأولى -قضية الصحراء المغربية- على أسس معرفية و استنادا إلى إثباتات تاريخية. هذا و جاءت المملكة بمبادرة شجاعة عقلانية، ألا وهي مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؛ مبادرة لقيت تأييدا كبيرا من طرف مجلس الأمن الدولي. و ما اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية الأخير بسيادة المغرب على كافة أقاليمه الجنوبية إلا ثمرة لجهد مسلسل دبلوماسي، حَرص المغرب من خلاله على سياسة الحكمة و التريث و الثبات من أجل الحفاظ على مكتسبات الوطن.

2- ما حققه المغرب في قضيته الوطنية الأولى، هناك من يصفه بالاختراق الكبير، وهناك من يقول عنه الحسم النهائي للصراع حول الصحراء، وهناك من يقول عنه بإغلاق مرحلة اسمها البوليساريو. بالنسبة إليك، لو طلبتُ منك إعطاء عنوان مختصر لما حققه المغرب بخصوص صحرائه، ماذا تقول؟

كما سبق و أن ذكرتُ في سياق جوابي على سؤالكم السابق؛ ما توصل له المغرب اليوم من دعمٍ و تأييدٍ دوليَين لصالح قضيته الأولى هو ثمرة لجهد مسلسل دبلوماسي حافل برسائل الحكمة والثبات من أجل الحفاظ على مكتسبات الوطن، خاصة تمسكه بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كقاعدة لأي حلّ سياسي. فموقف الولايات المتحدة الأمريكية الأخير هو حدث فارق يمكن اعتباره بالتاريخي، لا يترجم مكسب التوجه الدبلوماسي الصائب للمغرب فحسب، و إنما هو كذلك مدعاة مؤشرات حقيقية لإنهاء الصراع المفتعل بشكل نهائي و آفاق أمال جديدة في نفوس شعوب منطقة المغرب العربي ككلّ، و إحياء تطلعاتها لفتح الحدود و ازدهار و رفاه المنطقة من عائدات سوق مغاربية مشتركة.

3- طيب، معروف أن المغرب بصدد إعداد نموذج تنموي جديد، وبعض الأبحاث تقول إن الصراع في الصحراء المغربية يشكل عائقا أمام الإقلاع التنموي الذي ينشده المغرب. هل تعتقد أن المغرب نفذ صبره مع جارته الجزائر بعد أن طرح مبدأ الحكم الذاتي واقترح تشكيل لجنة مختلطة للنظر في جميع المشاكل العالقة بين البلدين. لذلك اختار التعامل مع دولة عظمى لاختصار الزمان بدل طرح العديد من المبادرات مع جار جزائري عنيد؟

لا أحد يشك في أن المستلزمات الإستتنائية للدفاع العسكري عن المناطق الجنوبية للمملكة على طول الشريط الحدودي مع الجزائر تكلّف البلد ميزانية مالية ثقيلة، ومن البديهي أن تكون لهذه الكلفة تبعيات تحدّ من استمرار عجلة التنمية بالشكل المطلوب. علاوة على ذلك و مباشرة بعد المسيرة الخضراء شرع المغرب في ما سُمّي ب “تعمير المناطق الجنوبية”، و هو مخطط ذا تكلفة عالية؛ و هي أولوية كانت سببا مباشرا في تأجيل كثير من المشاريع التنموية في قطاعات حيوية أخرى بباقي جهات المملكة. كما أن الصراع المفتعل لا يشكل عرقلة التنمية داخل المغرب فحسب، و إنما هو عبئ ثقيل تعاني من تبعياته شعوب منطقة المغرب العربي؛ حيث يمثل حجر عثرة في طريق التحالف الإقتصادي و فتح الحدود، و منه الحدّ من الرفاه الإجتماعي في المنطقة. 45 سنة عانى خلالها المغرب الأمرّين، عاش الحرب و مدّ يد السلام، دعى إلى الحوار و الجلوس على طاولة التفاوض؛ كلّ هذا لم يُجدي لشيئ أمام تعنّت النظام الجزائري الذي فضل اللعب بالنار دون أن يعي أنه بذلك يحرق طاقات شعبه أوّلا قبل أن يستنزف طاقات استنهاض التأهيل التنموي داخل دول المغرب العربي ككلّ. إذا كان لابد لهذه التطورات السلبية أن تستنزف خيار المغرب لليد الممدودة تجاه الجارة الجزائر، ليختار نهجا جديدا في استراتيجيته السياسية، تماشيا مع التحولات و التطورات على مستوى العلاقات الدولية و ما تقوم عليه هاته العلاقات من توافقات و مسلّمات تهم الأطراف المعنية. وأظن أن المغرب نجح إلى حدّ كبير في هذا الاتجاه؛ حيث تمكّن من جنى اعترافات دول بالجملة، نجاحا تُوّج بدعم ذا ثقل و وزن كبيرين، ألا و هو دعم عضو دائم في مجلس الأمن الدولي ويملك حق الفيتو. لا شكّ و أن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية الأخير بسيادة المغرب على صحرائه سيكون سندا لشرعية وحدته الترابية و لسيادة الدولة كما كانت قبل الإستعمار و ليس كما أصبحت بعد الإستعمار، كما ذكر وزير الخارجية التونسي السابق السيد أحمد ونيس في تصريح له لإحدى القنوات الفضائية.

4- ما دمت تذكر بين الفينة والأخرى كلمة اتحاد المغرب العربي، هل يمكننا القول أن هذا الاتحاد قد فشل وأن المغرب كان ذكيا حين اتجه نحو دول غرب افريقيا بدل انتظار اتحاد مغاربي لن يأتي؟

مشروع إتحاد المغرب العربي لازال قائما رغم التحديات و المعيقات التي تحول دون تفعيله؛ لكن مبتغى نجاحه سيتحقق طال الزمن أم قصُر؛ لأن الإرادة هي إرادة شعوب و ليست مقتصرة على إرادة الحكومات. لست متفقا مع الرأي الذي يربط انفتاح المغرب على دول بلدان غرب إفريقيا باستسلامه أمام التحديات و الإرهاصات التي تحيط بالمشروع. المغرب كان سباقا لمبادرة المشروع الوحدوي المغاربي منذ قمة طنجة لوزراء الإقتصاد المغاربيين سنة 1964 و التي طرحت مشروعا تكامليا أكثر براغماتية بمقاربات اقتصادية، لتتوالى بعد ذلك الجهود رغم عقبة الصراع المغربي الجزائري، جهود أفضت إلى قمة مراكش التي تبنّت معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي وقّعها قادة الدول الأربعة. و هي معاهدة لم تُلغى بالرغم من أن الدول المغاربية لم تجتمع على مستوى مجلس الرئاسة منذ سنة 1994 بسبب تفاقم النزاع بين الجارتين بعد قضية الإرهاب فيما عرف بقضية الهجوم الإرهابي على فندق بمراكش. كلّ هذه المعطيات تجعل إخراج الإتحاد من جموده رهين بإنهاء الصراع المفتعل ضدّ المغرب و عدول الجزائر عن تحريض المرتزقة ضدّ الوحدة الترابية للمملكة.

5- نمر إلى العلاقات المغربية الأمريكية. معروف تاريخيا أن المغرب كانت له علاقات متميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية. لكن اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على صحرائه، والتوقيع على خارطة مغربية تضم الأقاليم الجنوبية، إضافة إلى الإعلان عن فتح قنصلية لها في مدينة الداخلة، هذه أمور تجعل من أمريكا حليفا استراتيجيا للمغرب. ما هي قراءتك لهذه الأحداث؟

لم يعد سرّا أن المغرب هو حليف استراتيجي أول لأمريكا في المنطقة في ما يخص محاربة الإرهاب؛ و علاقات المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية لم يشوبها أي توتر أو خلاف سياسي منذ حصول هذه الأخيرة على استقلالها دون أن ننسى أن المغرب هو أول دولة اعترفت بالولايات المتحدة الأمريكية كدولة ذات سيادة موحدة سنة 1777م، حيث وُقعت معاهدة السلام والصداقة بين البلدين. وهو ما ذكره الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في تدوينته الأخيرة المقرونة بإقرار أمريكا سيادة المغرب على كافة أقاليمه الجنوبية. و كما ذكرتُ من قبل، القرار الأمريكي وقع عليه الرئيس ترمب بمرسوم رئاسي، و هذا يعني ضمان استقرار هذا الإعتراف بضمانات رسمية تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، لتظل سندا للمملكة المغربية و لحقها الشرعي في وحدتها الترابية. أما من ناحية المقاربة الإقتصادية، معروف أن الولايات المتحدة الأمريكية منفتحة عن أسواق العالم خصوصا تلك ذات الموقع الإستراتيجي، و الصحراء المغربية مؤهلة جدا لهكذا سوق تجارية. قرار ميناء الداخلة لم يأثي عبثا و هو مشروع ضخم بكلفة مالية عالية، من شأنه أن يربط خطوطا بحرية مباشرة بين موانئ امريكية و ميناء الداخلة تربطها بأسواق في العمق الإفريقي. مقاربة مهمة أخرى لها علاقة بإنشاء اسواق تجارية تجمع دول العالم الكبرى، و هي المقاربة الأمنية، حيث تحضى هذه الأسواق بتحصين أمني متين و بمساهمة الدول المستفيدة من التعامل مع هذه السوق.

6- بلاغ الديوان الملكي تحدث عن إعادة فتح قنوات الاتصال مع إسرائيل، وإعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي الذي كان نتيجة اتفاق أوسلو. ما هي قراءتك لهذا الحدث؟

تاريخ الصراع الإسرائيلي العربي حافل بنكسات تكبدتها دول الشرق الأوسط، و العدوان الإسرائيلي طالت مذابحه كلّ فئات الشعب الفلسطيني و ذلك بأبشع طرق القمع و التنكيل و بمباركة الدول الغربية، و موازين قوى العالم في تركيبتها الراهنة تُبقي على الدول العربية أو الإسلامية مكبلة الأيدي لاحول ولاقوة لها، و ليس هناك أفق إلى تغيير حال الأمة خلال العقود المقبلة، و منه كلّ تفاوض في حالة انهزام من المستحيل أن يحقق مكاسب، بل يزيد من إلزام الضعيف بتقديم تنازلات. لكن بالرغم من كلّ ذلك، شخصيا لم أتفاجأ بقرار المغرب لإعادة ربط العلاقات بينه و بين إسرائيل، و هنا نذكر كلمة “إعادة” كتأكيد على أن العلاقات بين البلدين لم تكن وليدة اليوم، وإنما كانت هناك مكاتب اتصال في العاصمة الرباط يشغلها مبعوثون إسرائليون قصد التواصل المباشر مع الجانب الإسرائيلي بخصوص قضايا عدة أهمها تطورات القضية الفلسطينة و القدس الشريف. كما أنني لم أتفاجأ إبان التطورات الأخيرة بقرارات التطبيع من طرف دول مثل الإمارات و البحرين و السودان و الآن المغرب، التي تفضي إلى قبول التطبيع في غياب الميل إلى الحصول على مكتسبات لصالح القضية الفلسطينية؛ حيث لم تستطع حتى المطالبة بأبسط التنازلات من طرف الجانب الإسرائيلي مقابل التطبيع، مثلا إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، حق عودة اللاجئين، ربط إلغاء التطبيع بأي عدوان على العُزّل الفلسطينيين إلخ . . و السبب هو أن الأمة منهكة بضغوطات حلفاء إسرائيل في الغرب، في ظل إسرار هذه الأخيرة على إبقاء دولة توسعية قوية في المنطقة. و على هذا الأساس و ما دام المحتل الإسرائيلي يسعى إلى سياسة الحصول على مزايا دون مقابل التزامه بتكليف يذكر، فإني أرى في مسألة التطبيع تحالفا مع الشيطان بصيغة الإنهزام. أما في ما يخص المغرب و تطورات علاقته مع الكيان الإسرائيلي و كما ذكرت من قبل لا جديدا في القرار، و خصوم المغرب في الأمس هم من ينتقدونه اليوم، ولا شيئ تغيّر سوى أن المغرب ربح مكسب إعتراف أمريكا بسيادته على كافة أقاليمه الجنوبية و أن هناك عزم على فتح خطوط جوية مباشرة بين إسرائيل و المغرب.

ايطاليا تلغراف تشكركم على هذا الحوار الشيق والقيم .

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...