* ذ .أحمد براو
مع اقتراب تنصيب الرئيس السادس والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية الديمقراطي جون بايدن يوم العشرين من يناير المقبل أي بعد ثلاث أسابيع فقط بدأت تطفو أكثر إلى السطح عديد من التكهنات والترجيحات حول تعامله مع ملفات السياسة الخارجية الأمريكية خصوصا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتبنيه سياسة الديمقراطيين التاريخية وبانتقاد الملف الحقوقي والديمقراطي في الدول والممالك العربية، تجلى ذلك وفق بعض التصريحات القوية واللاذعة التي واكبت حملاته الإنتخابي خصوصا حول مصر وتركيا فيما يخص قمع المعارضين والحقوقيين والإنسداد السياسي، هذه التصريحات يعطيها فرضية الحزم والجدية أنها ليست منه هو بل أيضا من بعض معاونيه ومستشاريه وراسمي هذه السياسة المستقبلية.
بعض الدول المعنية سارعت إلى تحصين مواقفها واستبقت أي تغير دراماتيكي في السياسة الخارجية الأمريكية باتخاذ قرارات أقل ما يقال عنها أنها مفاجئة واستجدائية توالت ككريات الثلج، مثل استغلال ملف التطبيع مع الجانب الإسرائيلي، واستخدام بعبع الإسلام السياسي، والإرهاب والهجرة والإستقرار السياسي والأمن الإقليمي، والتلويح بإيجاد بدائل في المعسكر الشرقي كروسيا والصين بل وحتى مع أوروبا وهي التي تفككت سياساتها الخارجية بسبب اختلافات داخلية فيما بين دولها وضعف الموقف الأوروبي خصوصا بعد خروج المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي.
وكمثال على ذلك زيارة الرئيس المصري لفرنسا والإنتقادات القوية من الجانب الإيطالي بسبب توشيحه بأعلى وسام للجمهورية الذي جاء تحت تعتيم وتكتم بسبب معارضة الحقوقيين الأروبيين للسياسة الإستبدادية وقمع الخصوم المعارضين وحالات السجون والإعدامات وتكميم الأفواه التي تجري حاليا في مصر.
1- سياسة أمريكا حول الصحراء من الحياد إلى الإنحياز
فيما يخص موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية الصحراء فلا يخفى على أحد أنه طرأ عليها تغيير كبير منذ أن استقال المبعوث الأممي السابق جيمس بيكر من 1996 إلى 2004، وهو السياسي الخبير في العلاقات الدولية بعد شغره لسنوات كوزير للخارجية منذ عهد بوش الأب وتقديمه مقترحين الأول حول الحكم الذاتي الذي جوبِهَ بمعارض قوية من جانب جبهة البيوليساريو والثاني هو الحكم الذاتي لمدة اربع سنوات َبعد ذلك إجراء الإستفتاء حول تقرير المصير رغم أنه كان يحدده في حالة الإستقلال بإحداث فيدرالية تحت السيادة المغربية فجاء الرفض هذه المرة من الجانب المغربي، بحيث تلته مفاوضات عبثية كان نهايتها تجميد الملف ما جعل منه أحد أقدم النزاعات في القارة الإفريقية والعالم.
وفي السنوات الأخيرة بدأت تظهر مؤشرات أكبر حول تفهم أمريكا وعدد من الدول للمقترح المغربي الأقرب للحل وهو الحكم الذاتي الموسع لكن عبر المفاوضات والتفاهمات وليس عبر تخاذ إجراءات أحادية تزيد من تعقيد الوضع وتفجيره من جديد خصوصا في العلاقة المتوترة أصلا مع الجزائر.
2- إعلان ترامب واعتراض بيكر وإينهوف
هذا القرار هو اعتراف ترامب عبر إعلان رئاسي بالسيادة المغربية على الصحراء مقابل تطبيع الرباط للعلاقة مع تل أبيب، بحيث اعتبره السياسي والدبلوماسي المحنك جيمس بيكر متهور وضربة قوية للدبلوماسية والقانون الدولي قائلا حسب واشنطن بوسط : “ربما لم يفكر مؤيدو هذه الخطوة في العواقب المحتملة التي قد تترتب عن تراجعهم عن هذه السياسة، لكنها يمكن أن تكون بالغة الخطورة وبعيدة المدى. يمكن أن يكون لها تأثير على المفاوضات المستقبلية، وتشكك في التزامنا بحل يوفر شكلا من أشكال تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية، كما ورد في قرارات الأمم المتحدة التي أيدناها” منبها في الوقت ذاته من تأثيرها السلبي على الحل النهائي للنزاع ومضيفا أن القرار يهدد بتعقيد علاقات أمريكا مع الجزائر، كشريك استراتيجي مهم، وله عواقب سلبية على الوضع العام في شمال إفريقيا، داعيا بايدن إلى التراجع عن هذا القرار.
فيما عارض القرار بشدة المستشار الرئاسي السابق المثير للجدل جون بولتون قائلا أنه قرار ساخر وليس له علاقة او تأثير بملف التطبيع فيما انتقد القرار السيناتور المحقق والخبير بالقضية الصحراوية جيمس إينهوف الذي سخر من ترامب وقال إنه لا يعرف أين تقع الصحراء.
هذه التصريحات التي جاءت بعد إعلان ترامب ومن أحد أكبر المراجع المطلعين عن قرب عن الملف الصحراوي بيكر وإينهوف يعطي مؤشرات على أن القضية الصحراوية ستكون أحد الملفات التي سيناقشها بجدية الرئيس المقبل وبحسب المحللين فسوف يكون بايدن فاعلا حقيقيا لتبني الولايات المتحدة القرار النهائي حول الحياد أو الإنحياز للجانب المغربي.
ترى ماهو الرأي المرجح لقرار بايدن؟
هنا يتبلور رأيان حول ما سيتخذه بايدن من قرارات: الأول وهو الراجح يميل إلى احتمال وضع شروط قوية على المغرب، وهي ضرورة التقدم بحكم ذاتي مقنع حتى للطرف الصحراوي، وداخليا الإنفراج في حقوق الإنسان والانفتاح الديمقراطي، الرأي الثاني يعتقد في إلغائه كما سيلغي الكثير من قرارات ترامب السابقة مثل الانسحاب من اتفاقية المناخ، ومنع مواطني بعض الدول الإسلامية من الدخول إلى الولايات المتحدة.
وفي حالة عدم تطبيق المغرب الشروط المقترحة من بايدن للحل الأقرب، أي دمقرطة حقيقية وتحركات في ملف حقوق الإنسان قد يعمل بايدن على تجميد القرار دون إلغائه، أي عدم فتح القنصلية الأمريكية وتجميد الاستثمارات.
كل المتابعين لهذه القضية لاحظوا مؤخرا أن الجانب المغربي وفي أعلى مستوى خرج بتصريحات تدعو بايدن إلى عدم إلغاء الإعلان الرئاسي لترامب، فيما دعا وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة الإدارة المقبلة للرئيس بايدن إلى احترام قرار ترامب الإعتراف بالسيادة الكاملة على الصحراء الغربية، استبعد سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المغربية إمكانية تراجع الرئيس الأمريكي المنتخب عن هذا الإعلان، وأكد في تدخله أمام البرلمان المغربي يوم أمس الاثنين على أن تراجع إدارة الرئيس الأمريكي المقبل الديمقراطي جو بايدن عن القرار الذي اتخذه الرئيس الحالي دونالد ترامب بشأن الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية غير وارد.
للتذكير فإلى حد كتابة هذه السطور على الرغم من مرور أكثر من شهر على الاستحقاقات الرّئاسية الأمريكية، لم يُقدم المغرب على تهنئة الرّئيس الجديد جو بايدن، الذي يستعدّ لولوج البيت الأبيض الشّهر المقبل؛ ففيما توالت مُباركات زعماء العالم للرّئيس الجديد، الذي أفرزته صناديقُ الانتخابات الأكثر جدلاً في التّاريخ الأمريكي، اختارت الرّباط التزامَ “الصّمت”.
*وسيط ثقافي وجمعوي، باحث في جامعة كالابريا





