سلسلة المراجعات الحلقة (3) العلة والمعلول، أي” كل حادث له سبب ” .

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

د .ربيع العايدي .

 

جاء في القصيدة النونية في التوحيد :

إلهنا واجب لولاه ما انقطعت
آحاد سلسلة حفت بإمكان
وقال التفتازاني في المقاصد :
” الضرورة قاضية باحتياج الممكن إلى المؤثر …”

ويراد الضرورة العقلية أي العقل عند معرفته لمعنى الممكن وأنه لا يترجح أحد طرفيه ( العدم أو الوجود ) الا بمرجح ، فذات الممكن لا تقتضي له وجودا أو عدما،فوجوده وعدمه لا يكون من ذاته وانما من خارج ذاته . وهو عين معنى الاحتياج . وعلينا أن ننتبه إلى أن مبدأ العلية لا يستفاد من ترابط وتعاقب الحوادث ، وإنما يستفاد هذا القانون من التحليل العقلي ، لأن المقصود من العلة هي إفادة الوجود ،وليس مجرد التعاقب !!

فموضوع العلة وان كل أثر لا بد له من سبب ،يعتبر من اول المسائل التي فكر بها الإنسان .
وهو الذي يعبر عنه أي الإنسان بقوله (لماذا) ؟
ولشدة التصاق مبدأ العلية بالإنسان (لماذا)؟ فقد كانت تسمى الفلسفة قديما “بعلم العلل” .
مبدأ العلية موضوع إلهي فلسفي بامتياز ، والتجربة تفيد منه وليس العكس ، إذ مبدأ العلية هو المؤسس لكل العلوم التجريبية ويتضح ذلك :

أولا : الشمول، لا يمكن للتجربة والمختبرات أن تستوعب جميع اجزاء الطبيعة ، وانما بعضها ، وإذا تم التأكد من اشتراك الظاهرة مع بعضها يتم التعميم بما يسمى نظرية ،والتي تشمل باقي العناصر في الطبيعة ، والخلاصة : إن الشمول في النظريات العلمية أو الحقائق يرتكز على قانون العلية .
ثانيا : التجارب لا يمكن أن تتقدم لمجالات أوسع الا من خلال ايمانها بالعلل والآثار .

* إنكار العلل :

إن الملحدين الذين يعتقدون بأن هذا العالم هو رهن الصدفة فحسب ،وان العالم وإن كان حادثا ،لا يلزمه علة فاعلة لهذا الحدوث ؟!
والصدفة ،تعني : الوجود دون سبب ، لشيء يستوي إليه الوجود والعدم .
وقد أطلق عليها بعض المتكلمين الاتفاق ، وهي تقوم على نفي العلية وان تحقق الممكن لا
يحتاج إلى علة .
إن الارتكاز على “وهم الصدفة” يجعل وجود العالم وبهذا النظام الفريد العجيب لا غاية من وجوده ولا إرادة مقصودة لهذا الترتيب .
وان مقولة “الصدفة” دليل على أصحابها يجهلون السبب، فالصدفة دليل الجهل لا العلم .
ثم إن الصدفة تحمل معنى الاتفاق القسري ،وقد يقبل في حادثة أو اثنتين ولكن كيف يمكن لعاقل أن يصدق باستمرارها أبد الآباد ؟ وفيما يشهده الإنسان في العالم من غاية الاتقان،وعليه فالعقل لا يقبل بالصدفة ،وانما بالعلة وقوانينها في وجود الكون. 
ونضيف إن اعتقاد الصدفة ينسف جهود العلوم الطبيعية من أساسها ،لان المختبر الذي توصل إلى سبب معين لا يمكنه التعميم اذ قد يكون حصول ذلك محض الاتفاق والصدفة ،فلا يمكن أن نبني عليه معرفة أو علما .

إثبات وجود واجب الوجود : سبحانه وتعالى والذي لا بداية لوجوده وأنه هو تعالى موجد الكائنات كلها ،وأن هذه الكائنات ممكنة في ذاتها تفتقر إلى من يسند وجودها من التحقق والاستمرار .
وإن فرض توالد سلسلة المخلوقات عن بعضها دون خالق لها ، محض وهم . وقد جاء في كتاب ” موقف العقل و العلم والعالم ” ما نصه ” والحق عندي أن تسلسل العلل إلى غير نهاية ظاهر البطلان ..” فالممكن لا يوجد من غير علة ترجح تساوي طرفيه على الآخر ،ولا يمكن أن تكون من جنس الممكنات والا احتاجت إلى علة أخرى ،فثبت الموجود الواجب سبحانه وتعالى .

فاعتقاد الملحد بعلل ممكنة لا تعود إلى واجب غير ممكن، عبارة عن فرض ووهم لا أساس له من الصحة . لكون وجود كل ممكن متوقف على علة وغير متحقق الوجود اصلا، لأن وجوده متوقف على علة اوجدته ،فنحن لسنا أمام علل ومعلولات موجودة بالفعل بل مجرد وهم لا اكثر .
فإذا لاحظت تجد أن العلة الممكنة لم تنوجد حتى توجد فهو وهم فقط .

ارتباط العلة بالمعلول :

توهم بعضهم من ارتباط العلة بالمعلول، لزوم القول: بقدم العالم أو أزلية الزمان وغيره من الاعتقادات الفاسدة .
كما أن آخرين يرون بأن بقاء المعلول، غير مرتبط بالعلة إذ قد تذهب العلة ويبقى المعلوم كما في الكرسي الذي يصنعه النجار يموت النجار ويبقى الكرسي .
والواقع أن هذه الإشكالات نتيجة من عدم التمييز بين العلة الحقيقية، وغيرها .

فالعلة التي قام عليها البرهان هي واجبة الوجود تتصف بالإرادة والقدرة المطلقة وجوده تعالى غير مرتبط بالزمان أو المكان تعالى عن ذلك ، وأما ارتباط المعلول والمخلوق بالله تعالى فهو ارتباط افتقار واحتياج ، فليس هناك كيان مستقل للمخلوق عن خالقه ،فحقيقة المخلوق ليس لها تحقق الا لارتباطها بالله تعالى فالاشياء في الخارج ليست سوى ارتباطها بخالقها ،فالتعلق مكون لذاتها ،فلا كينونة غير الارتباط والتعلق ،فلا تحقق للمخلوق دون خالقه تعالى ،إذ حقيقة إمكانه ارتباطه بعلته .
وهناك مباحث كثيرة تحت هذه المراجعة نتركها إلى حين إصدارها في كتاب خاص إن شاء الله تعالى .

الحلقة الرابعة
( دفع الاوهام عن مفهوم الشرك في الإسلام ) .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...