الدرس التونسي والامتحان المصري (ج1)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*كتبه التجاني بولعوالي في فبراير 2011

 

فرعون مصر الجديد
بمجرد ما تذكر كلمة “فرعون” تحيل مباشرة على جملة من المعاني والأفكار مثل؛

مصر باعتبارها السياق المكاني الذي احتضن مملكة الفراعنة، موحدةَ مصر القديمة التي كانت مقسمة إلى جزأين: الدلتا والصعيد، فتناوبت على حكمها واحد وثلاثون أسرة فرعونية عبر ما يقارب ثلاثين قرنا من الزمن (3100 ق. م و333 ق. م)، كما تثبت مصادر تاريخ مصر القديمة.
والنيل الذي يشكل عامل استقرار الإنسان في تلك المنطقة، ونشوء الحضارات القديمة والحديثة، وقديما أصاب المؤرخ اليوناني هيرودت عين الصواب، عندما قال: “مصر هبة النيل”.
والأهرام بكونها أهم مخلفات الحضارة الفرعونية المعمارية والتراثية، التي أذهلت بعظمة هندستها، وجمال هيئتها، ومتانة بنائها، الإنسان المعاصر، مما جعلته يعتبرها من عجائب الدنيا التي لا تنقضي أسرارها وغرائبها. بصرف النظر عن تفسير معاصر للباحث محمد سمير عطا في كتابه (الفراعنة لصوص حضارة)، توصل فيه إلى أن الفراعنة لصوص حضارة، فليسوا هم البناة الحقيقيين للأهرام، وإنما عاد قوم هود.
وموسى عليه السلام ليس باعتباره رسول الله تعالى إلى فرعون فحسب، وإنما بوصفه رمز التحدي أمام الرعاء، {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} القصص/23، والرعاء في هذا الصدد إشارة لطيفة إلى فساد المجتمع وتعفن الأخلاق وسيادة الأنانية والاستئثار، ورمز العدالة ضد الطغيان والعلو، {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} طه/24 والنازعات/17، {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} القصص/4، ورمز الخلاص من قبضة الاستبداد الفرعوني، {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} البقرة/49.
وبنو إسرائيل باعتبارهم قوم موسى عليه السلام، الذين بعث فيهم نبيا، لهدايتهم إلى الطريق القويم، وإنقاذهم من العذاب والتذبيح والاستحياء الذي كان يمارسه عليهم فرعون، غير أنه رغم هذه التضحيات الجسام كلها، فإنهم {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} المائدة/70.
إلى غير ذلك من المعاني التي تستدعيها كلمة “فرعون”.

وارتباطا براهن الأحداث، التي يأتي على رأسها ما يجري اليوم في مصر، يعود مصطلح “فرعون” إلى واجهة الواقع اليومي والإعلامي والسياسي، حيث صار مفهوم الفرعونية أو الفرعنة يحضر بشكل مكثف في تفاصيل الحياة اليومية، إذ يتردد تشبيه “رئيس مصر بفرعون” على ألسنة العوام، ونراه على لافتات الاحتجاج والتظاهر، ونقرأه في مقالات وتحليلات الإعلاميين، ونلتقطه من تصريحات الفاعلين السياسيين، وغير ذلك. كأن فصلا من فصول تاريخ مصر القديمة يكرر نفسه، ليس الآن، وإنما منذ إحكام حسني مبارك قبضته الحديدية على زمام الأمور في مصر، منذ 14 أكتوبر 1981، أي ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بحدّة هو:

لماذا تأخرت انتفاضة الشارع المصري هذا الزمن الطويل كله؟ لماذا استغرق رضوخ مصر (وهذا ينطبق أيضا على معظم الدول العربية والإسلامية) لفرعونها الجديد هذه العقود الممتدة كلها، وهي مركز ثقل الأمة العربية وقلبها النابض، ليس ديموغرافيا فحسب، وإنما تاريخيا وثقافيا وسياسيا واستراتيجيا كذلك؟ فهي، كما عبر شاعر النيل حافظ إبراهيم، ذات يوم “(أنا) تاج العلاء في مفرق الشرق”. وأكثر من ذلك، لماذا لم تفلح النخب المصرية المتنوعة في تشكيل جبهة سياسية أو فكرية أو إعلامية موحدة ضد هذا النظام الديكتاتوري، رغم أنها كانت تملك الوقت الكافي للتفكير والتخطيط العميقين لذلك؟ ألا يعني هذا أنها بهذا التهاون أو التباطؤ ساهمت في صناعة الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي آلت إليه مصر، ومن ثم مساعدة النظام على الاستمرارية والصمود؟ وهي بذلك، أي النخب، لا تختلف كثيرا عن ملأِ فرعون، الذين اتبعوا أمره وهم يعلمون أنه على ضلال، {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} هود/97. ووحدها الفئات المغضوب عليها من علية القوم وسواده، كانت ترزح تحت نير الجور والطغيان والتنكيل، وفي صلبها كانت تتشكل نواة الانتفاضة الشعبية بأيد الشباب المقهور والمستضعف، بعيدا عن تحليلات الإعلاميين ومقاربات المفكرين وتوقعات السياسيين، لذلك كانت مفاجأة الثورة عظيمة، ليس للنظام وحده، وإنما لمختلف التنظيمات السياسية المؤيدة والمعارضة والمحظورة.
يتبع…

*باحث في قضايا الإسلام والغرب
جامعة لوفان في بلجيكا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...