ذهنية الإستعلاء وأثرها المدمر على مبدأ التعايش الإنساني

 

 

 

 

 

ذ. أحمد براو *

 

 

إن قضية الإستعلاء “superiorità” تجاوزت عند كثير من الناس الحد الطبيعي كونها ثقافة تبث الثقة في الذات وفي المعتقد والمنهج، فاضطربت معانيها وتوترت مضامينها، إلى الحد الذي أصبح الإستعلاء عنوانا سلبيا للمضطربين، والمهزومين فى أعماقهم ..

والإستعلاء بمعانيه الصحيحة هو الإ ستعلاء على مناهج الباطل من باب أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، لكن الإستعلاء السلبي أدى إلى نوع من التكبر والغرور في التعامل مع الآخرين بحيث أصبح عقدة نفسية وغطرسة أكثر منها ألفة للقلوب واستمالة للمخالفين وعطفا عليهم لينحوا منحى المسالمة، ويجنحوا جنوح المصالحة والخير، عوض الفجور في العداوة والشر.

وحسب (إدلر) “إن عقدة الاستعلاء السلبي هي إحدى الطرق التي يستخدمها الشخص الذي يشعر بمركب الدونية للإفلات من الصعوبات التي يواجهها. فيدعي أنه أكبر من ذلك وهو في الحقيقة ليس كذلك، وهذا النجاح الكاذب يعوض حالة الدونية التي لا يمكنه تحملها. ولا يشعر الشخص الطبيعي بعقدة الاستعلاء، ولا ينتابه أصلاً الشعور بالاستعلاء. بل هو يسعى ليحقق مرتبة عالية من حيث معنى الطموح الذي نشعر به جميعًا لتحقيق النجاح؛ ولكن طالما خرج هذا السعي في صورة عمل فهذا لا يؤدي إلى تقييمات خاطئة، التي هي أساس المرض العقلي.”

فالغرب مثلا مارَس ولا زال يمارس الإستعلاء على الشرق وكذلك الشمال على الجنوب واخترع نظريات فاسدة وأسباب واهية كصراع الحضارات وعنصرية الجنس الآري واللون الأبيض والدين المسيحي والحضارة الغربية ضد التوحش والبربرية الشرقية والجنوبية.

فيما لا يخفى على أحد النزعة الإستعلائية لبعض أهل الديانات تطغى على كتبهم كالتلمود الذي هو المحرك الرئيسي لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية وحاجات المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى، فلقد كانت التربية اليهودية بخلفيتها الدينية والتوراتية التلمودية العنصرية، وبفلسفتها المستمدة من تعاليم الصهيونية العدوانية، هي الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الصهاينة في إنشاء “كيان إسرائيل” وبقائه.

فيما أرسى الغزاة الأوربيون مفاهيم تفوّق العرق الأبيض عند شعوب البلدان المستعمَرة، وأصبح من السهل على الساسة الأوروبيين، كما على أغلب المستشرقين، إطلاق التعميمات والتصنيفات المستندة إلى رؤية نمطية أنتجوها وفقاً لمعاييرهم الخاصة بهم، بحيث لا تليق بغيرهم، مثل التحضر والتقدم، و الحرية والعدالة، والديمقراطية، والمساواة والحداثة وغيرها من المفاهيم الحديثة..

من هنا، نجد نظرة الاستعلاء الأوروبي متجذّرة في ثقافة النخب السياسية الحاكمة عبر عشرات العقود التي تسيّدت فيها أوروبا ركب التطور والحضارة البشرية، ويبدو غالبا أنها لن تتغير في القريب، لأنه ما من مؤشرات على تغير أحوال الدول التي لازالت مستعمرة ثقافيا واقتصاديا وحتى سياسيا، بعد ما حاولت الشعوب بشتى الوسائل لكن محاولاتها أجهضت أمام قوة وتغلغل المستعمِر، فنحن الذين يتم وضعنا في مواجهة مباشرة مع قيم العدالة والحرية والديمقراطية، وكأنها لا تناسبنا ولا تصلح لنا، فهي بالنتيجة مُنتَج أوروبي أبيض لا يليق – بغير الأوروبيين وأحفادهم من الأميركيين والكنديين وغيرهم – ممارستها، ولا حتى مجرّد استيعابها والمطالبة بها.

وفي المجتمعات الإسلامية ظهرت بقوة هذه النظرية الإستعلائية في التبلور كرد فعل على الإحساس بالدونية عند إطباق المستعمرين سطوتهم على أغلب الدول الإسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية في مطلع القرن العشرين وكان أول المنتفضين جمال الدين الأفغاني، وبعده أبو الأعلى المودودي ثم سيد قطب، فقد كان يعني هؤلاء بالإستعلاء، إستعلاء إيجابي إيماني ضد الكفر لإحياء اليقظة الإيمانية والشعور بعاطفة المسؤولية في سبيل حمل مشعل الحق، فالاستعلاء السلبي مرفوض فى كل الشرائع حتى لو كان هذا الاستعلاء بسلامة العقيدة عند المسلمين وقوة العلم أو الفقه أو العبادات. فالإيمان يدعو صاحبه للتواضع و خفض الجناح، و كلما زاد الإيمان فى قلب صاحبه ازداد خوفا من الله و انكسارا له سبحانه و تواضعا للناس، و خوفا من عدم القبول عند الله.

لكن المصيبة الكبرى هي لما تختلط الأمور عند الشباب حديثي التدين قليلي العلم، عديمي الخبرة وكثيري الإندفاع والتهور المشحون بالحماسة دون التدقيق فى الفواصل بين الأمور التى هى أصلا من آفات القلوب و أمراضها.
وهذا ما حدث عند بعض المنتسبين لبعض الجماعات الإسلامية الحركية الراديكالية، ما دفعهم إلى التطرف والعنف.

فهؤلاء الشباب حديثو التدين يستجيبون للتهديد الوجودي خصوصا في أزمة الهوية والشعور بالعار والذنب لكونهم كانوا مسلمين عصاة ويحاولون تمجيد هذا التدين ليصل للمثالية فيعتبرون الإستعلاء هو ذلك الشعور كونهم متفردون وخارقون. فيكون الإنتقال المفاجئ من عقدة النقص إلى عقدة التفوق
حسب أستاذ “علم النفس المرَضي” (فتحي بنسلامة) عند معالجته لبعض الشباب خلال نشاطه العلاجي السريري.

كما أن النظرة الإستعلائية للعلمانية تجاه المجتمع المسلم بإسم وأفكار و أيديولوجيات حداثية، تعالت بقوة خلال الأعوام الماضية فظهرت أصوات العديد من اليساريين والقوميين، بل وبعض الليبراليين العرب، في أعقاب نجاح القوى والأحزاب الدينية في الإستحقاقات الانتخابية، مفسرةً إياها وعي جماهيري شعبوي زائف، أو ظاهرة انتقالية مآلها إلى الزوال فحصل عزوف الأغلبيات «علمانية الهوى» عن المشاركة وتركها ساحة الفعل للإسلاميين جيدي التنظيم ليفوزوا بالغالبية في معظم الدول العربية التي جرت فيها انتخابات بشيء من النزاهة ما دفع هذه التيارات التي كانت تدعي الديمقراطية والحرية للمشاركة في إفشال حكم الإسلاميين والتآمر مع الأنظمة الشمولية. فهذا هو الإستعلاء العلماني المناقض للفكرة للديمقراطية هو تجريدها من مضمونها وتأويلها بصورة تلائم فقط قناعات الذات المستعلية على الآخر.

من هنا يتضح أن قضية الإستعلاء تظهر جلية في كل الأحداث المعاصرة وتكوّن سببا وجيها للبحث والدراسة خصوصا في علم الإجتماع لتضع خطط مستقبلية واتجاهات تدفع بالمجتمعات والساسة على وجه الخصوص للإستفادة من المتخصصين المشتغلين بعِلم الإجتماع، والمزودين بالخبرات العلمية والفكرية، والمطلعين على حالة المجتمع.

* باحث مغربي في علوم التربية بجامعة كالابريا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...