فاجعة طنجة بالمغرب أثارت تساؤلات عديدة حول تحديد المسؤولية عن مثل هذه الحوادث ولماذا يتم غض الطرف عن المعامل السرية التي تعمل خارج القانون
بقدر ما صُدم الرأي العام المحلي من قسوة الفاجعة التي أدّت، أول أمس الاثنين، إلى وفاة أكثر من 28 عاملاً وعاملة كانوا يعملون في قبو سري يوجد أسفل فيلّا كمعمل للنسيج في مدينة طنجة، بقدر ما أثارت الفاجعة تساؤلات عديدة حول تحديد المسؤولية عن مثل هذه الحوادث، خاصة وأن الجميع في المغرب يدرك أنه لا يمكن للعيون التي تترقب الناس وتحصي الأنفاس أن تكون على غير علم بوجود مثل تلك «المعامل» غير القانونية.
التدخل الملكي كان حاسماً وعاجلاً، فقد ذكر مصدر صحافي أن العاهل المغربي محمد السادس انتدب وفداً تابعاً لديوانه إلى مدينة طنجة، للوقوف على تفاصيل الفاجعة التي هزّت كافة المواطنين، وذكر موقع «أبا بريس» أن الوفد الذي حلّ بالمدينة نفسها ضمّ مستشارين في الكتابة الخاصة للملك، واجتمع بوالي الجهة، وينتظر أن يزور أسر الضحايا لمواساتهم، وكذا تقديم يد المساعدة في ظل الظروف المأساوية التي عاشوها بعد تلقيهم خبر المأساة. وأفاد المصدر المذكور أنه من المتوقع أن يزور المدينة أيضاً مسؤولون حكوميون وقضائيون وأمنيون.
وأعلن سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية، أنه فُتح تحقيقٌ في الموضوع تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وأشار في تغريدة على حسابه في «تويتر» إلى أنه «سيتم تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات اللازمة» مضيفاً قوله: «هناك مغاربة أزهقت أرواحهم ولا يمكن المرور على ما وقع مرور الكرام».
العدالة لعائلات الضحايا
وأكد نزار بركة، أمين عام حزب «الاستقلال» المعارض، على ضرورة إقرار العدالة لضحايا وشهداء لقمة العيش من خلال التحقيق القضائي الذي جرى فتحه، مثلما ورد في صفحته الفيسبوكية، وحثّ الحكومة على ضرورة التعجيل بضمان الحماية من المخاطر للعمال والقيام بتحويل المئات والآلاف من مثل هذه الوحدات الصناعية غير القانونية والأنشطة الاقتصادية السرية المنتشرة في عدد من المدن المغربية، إلى وحدات منظمة ينظمها قانون الشغل وتحترم شروط السلامة والوقاية وتوفير شروط العمل الكريم.
ويرى مصطفى بنعلي، أمين عام حزب «جبهة القوى الديمقراطية» أن التحقيق في «فاجعة طنجة» ينبغي أن ينطلق من عدة مسلمات، من بينها وجود قطاع اقتصادي غير منظم، يتهرب من الضرائب ومستلزمات الحماية الاجتماعية للعاملين، وأن على الدولة أن تحارب هذا القطاع لأنه يشكل ضرراً على الدولة والمجتمع معاً. وأضاف قائلاً في تدوينته: إن اتفاقات «التبادل الحر» تحوّل قطاعات تنافسية رائدة، من قبيل قطاع النسيج والألبسة، إلى قطاع غير منظم، لمصّ دماء ساكنة حواشي المدن، وغالبيتها من النساء، مما يحتم اتخاذ قرارات حازمة. واعتبر أن ضمان الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي بعد الأزمات لن يتحقق بتعبئة أموال الفقراء وإعادة توزيعها على الشركات الكبرى.
اقتصاد العتمة
واعتبر مصطفى المريزق، رئيس «منتدى مغرب المستقبل» ما حدث «جريمة حقيرة في حق أبناء وبنات الحاشية السفلى… ضحية اقتصاد العتمة والظلام بالمدينة العمّالية طنجة».
ووفق تأكيد العديد من الملاحظين، فإن الواقعة الأليمة التي شهدتها طنجة أول أمس، لفتت الانتباه إلى خطورة ما يُقدم عليه بعض أصحاب الأموال، إذ يُشغّلون رجالاً ونساء في مصانع غير مصرح بها رسمياً لدى السلطات، ولا تحترم فيها شروط السلامة الصحية، ولا تحترم الحد الأدنى للرواتب. كما أن أرباب تلك المصانع غير القانونية لا يوفّرون للعمال التغطية الاجتماعية والتأمين الصحي عن المرض وحوادث الشغل، ولا يؤدّون واجبات الضمان الاجتماعي للصندوق المختص، ولا يدفعون الضرائب للدولة، ولا يخضعون لمراقبة مفتشي وزارة الشغل. وفي المقابل، يجنون الأرباح الطائلة من عرق مواطنين بسطاء قادهم الفقر وضنك العيش للقبول بالوضع رغم قساوته.
وعلى إثر «فاجعة طنجة» انتشرت تدوينات مختلفة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مستنكرة ظروف تشغيل أولئك العمال والعاملات، مما أدى إلى وفاة العديد منهم، وهكذا كتب الناشط الحقوقي والبرلماني السابق عادل تشيكيطو أن السلطات ادعت أن المصنع الذي تحول إلى قبر من فيه هو مصنع سري، مُتناسين أن المغاربة يعرفون سلطاتهم جيّداً، فقد ينوي المغربي في سره تغيير «زليجة» واحدة ليجد أمامه «المقدم» يستفسره عن نواياه التي لم يبح بها إلا لنفسه. («المقدم» هو «عين» السلطة المحلية في الحارات، ويكون على صلة مباشرة بـ«القائد» الذي يمثل وزارة الداخلية في الحي).
وتابع قائلاً: «نحن في بلد أجهزته تحذّر أمريكا وفرنسا وروسيا وغيرها من تهديدات إرهابية محتملة، فكيف لها أن لا تعرف بمكان مصنع سري حركة الدخول إليه والخروج منه يومية وربما في الضوء والعتمة؟».
وفي اعتقاد الإعلامي محمد أمين الريسوني، فالمصنع سري فقط على الضرائب، أما الباقي فهو واضح للعيان.وكتبت الشاعرة وداد بنموسى: «وحدة صناعية سرية للنسيج كائنة بمرآب تحت أرضي. دخَّلْ لدارك غِير خَنشة ديال السيمة وشوف واش لما يوقفش عليك المقدم… (أدخل لدارك كيس إسمنت، وسرعان ما تجد «المقدم» واقفاً أمامك). وتساءلت: ما هذا العبث، وما هذا الاستخفاف بأرواح الناس؟ لنر كيف سيحاسبون».ودوّن الإعلامي يونس إمغران أن «فاجعة طنجة تستدعي أن تدخل البلاد في حالة حداد، وأن يقدّم رئيس الحكومة استقالته، قبل أن يقدمها وزير الداخلية ووزراء آخرون يتحملون مسؤولية الاقتصاد والمالية والصناعة والتجارة والسكنى وسياسة المدينة. لا خير في بلاد لا يحاسب فيها مسؤول مقصر».
ورأى الشاعر والمترجم محمد العربي غجو، أن فاجعة طنجة سببها تقصير السلطات المختصة في القيام بدورها الرقابي وغض البصر عن أصحاب الوحدات الانتاجية السرية، وتساءل: متى يقف النزيف وتحترم القوانين؟
ولاحظ الشاعر يوسف الهواري، أن «كل فواجعنا يربطونها بالقضاء والقدر، ويقفلون المحاضر» بينما قال الناشط الحقوقي محمد الزهاري إن «اليقظة» والرقيب والترصد طال الحياة الخاصة لصحافيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، فكيف يمكن اليوم أن يغيب عنهم وجود مصنع في مدينة هي الثانية من حيث الأنشطة الصناعية، وربما الأولى من حيث حجم الاستثمارات الوطنية والأجنبية؟
في السياق نفسه، كتب الإعلامي والفنان التشكيلي بوشعيب خلدون، تدوينة عبر فيها عن غضبه من أصحاب المعامل الذين لا يوفرون للعمّال أدنى شروط السلامة الصحية والمهنية، كما أكد استياءه من المسؤولين الذين يغضون البصر عن تلك التجاوزات، داعياً إلى فتح تحقيق استعجالي لتقديم المسؤولين عن القتل أمام القضاء، لتكون حادثة طنجة عبرة للمسؤولين عن معامل أخرى، أملاً في الحد من ظاهرة المعامل السرية.
تواطؤ
ونقل موقع «طنجة7» عن محمد خيي، عضو فريق العدالة والتنمية في مجلس النواب ورئيس مقاطعة «بني مكادة» في طنجة، قوله إن الجميع متواطئ في موضوع الورش والمعامل السرية، مشيراً إلى أنها توجد في كافة أحياء المدينة. وأصدرت منظمة «الشبيبة الاستقلالية» في طنجة بياناً دعت فيه إلى فتح تحقيق قضائي لمعرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى حدوث الفاجعة، وترتيب الجزاءات في حق جميع المخالفين والمتورطين في هذا الحادث الأليم.
كما دعا البيان جميع السلطات المعنية لوضع حد للأنشطة الاقتصادية والصناعية السرية وغير المرخص لها التي توجد داخل الإحياء السكنية، والتي تشغّل يداً عاملة في ظروف غير لائقة ولا توفر الحد الأدنى من الوقاية من المخاطر. ودعت المنظمة كذلك الحكومة إلى الإسراع في تعزيز وتقوية الآليات القانونية والإدارية والمؤسساتية الكفيلة بحماية العمال والأجراء والتطبيق الصارم لمقتضيات قانون الشغل.
في سياق متصل، دعت لجنة «العمل النسائي» للاتحاد الوطني للشغل (الذراع النقابي لحزب العدالة والتنمية) إلى فتح تحقيق نزيه يكشف المسؤوليات ويرتب الآثار القانونية اللازمة في كارثة طنجة، وذلك إنصافاً للموتى وذويهم وردعاً للبقية ممن مازالوا يخرقون القوانين في عالم الشغل.
ونددت اللجنة في بيان لها، بالظروف اللاإنسانية التي تشتغل فيها الكثير من العاملات في كل القطاعات في ضرب سافر بمقتضيات القانون والتزامات المغرب الدولية في علاقتها بالاتفاقيات الأممية التي تحمي حقوق العاملات والعمال. واستنكرت سياسة غض الطرف التي تعتمدها السلطات في عدد من المناطق تجاه خرق القانون والسماح بالنشاط الاعتيادي للعاملات في وحدات توصف بالسرية، دون مراعاة شروط الصحة والسلامة، مما يعرض حياتهن وأمنهن للخطر، كما حدث في حادثة طنجة المفجعة.
ودعت الحكومة إلى ضرورة الانكباب على ورشة «تفتيش الشغل» ومراجعة إطاره القانوني لتقوية اختصاصاته وقدرته على التتبع والمراقبة وتمكينه من الإمكانيات المادية والبشرية المؤهلة للاضطلاع بمهامه.
واعتبرت «المنظمة الديمقراطية للشغل» أن مسؤولية وزارة الشغل والإدماج المهني، والحكومة بصفة عامة، في فاجعة طنجة، قائمة ولا يمكن التملص منها، لأنها أضربت صفحاً عن تطوير وتحديث وتقوية قطاع مفتشي الشغل والمصالح الطبية للشغل. ونبهت في بيان لها، إلى «حجم الاستغلال البشع الذي يتعرض له العاملات والعمال المغاربة في معامل ومصانع سرية داخل مرائب وبنايات مغلقة في بيئة عمل غير لائقة ولا آمنة وفي غياب أدنى شروط السلامة والصحة المهنية وبأجور هزيلة لا تعير اعتباراً للتشريعات القانونية على علاتها».
وقالت «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» إن الفاجعة/ الجريمة التي أودت بحياة العديد من العاملات والعمال في وحدة إنتاجية للنسيج بمدينة طنجة، تشتغل خارج القانون، وتعد إدانة صارخة لكل المسؤولين على اختلاف مستوياتهم. وأضافت في بيان اطلعت عليه «القدس العربي» أنها ما فتئت تنبه إلى خطورة الأوضاع التي تقوم على استغلال واستعباد الطبقة العاملة، وعدم احترام الحريات النقابية وحق الانتماء النقابي.
وأوضحت أن هذه الفاجعة ليست استثنائية أو معزولة في وحدة إنتاجية (سرية) بل سبقتها فواجع وكوارث لم تندمل جراحها بعد كنموذج حریق «روزا مور» في الدار البيضاء، وحوادث وفیات عاملات مزارع في أغادير، وفاجعة الصويرة، والارتفاع المهول لحوادث الشغل المميتة، وغيرها من الفواجع التي مردها الأساسي استغلال أرباب العمل للأزمات والفقر والبطالة من أجل الانفراد بالعاملات والعمال، وتشغيلهم وهم أحياء في أقبية هي أشبه ما تكون بقبور مدفونة على مرأى ومسمع من السلطات.
وأكدت «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» أنها تحمّل الحكومة وأرباب العمل والسلطات كامل المسؤولية عن هذه الفاجعة الأليمة، والتغاضي والتستر عن خرق القانون الاجتماعي، واستغلال العمال والتهرب الضريبي، وعدم توفير شروط العمل اللائق، وحماية صحة وسلامة العمال، وتنامي عدد الوحدات الإنتاجية خارج القانون.





