بقلم أحمد براو
يقول المفكر عبد الرحمن الكواكبي (ح) :
“أسير الإستبداد يعيش خاملاً حائراً، لا يدري كيف يُميت ساعاته وأوقاته، كأنّه حريص على بلوغ أجله؛ ليستتر تحت التراب”.
– تعريفات مختلفة ومتعددة للإستبداد
يعرَّف الإستبداد باختصار على أنّه: “الطغيان والحكم غير القابل للإعتراض” ، وفق معجم “لسان العرب”، ويشير التعريف بوضوح إلى الإستبداد السياسي، ويتداخل مع مفهوم الإستبداد مفاهيم أخرى مشابهة كالطغيان والدكتاتورية والحكم المطلق والتسلطية والشمولية، فمن المفكرين من رأى أنها وجوه متعددة لشيء واحد ومنهم من ميز بينها وربما عُدّ مفهوم الطغيان من أقدم المفاهيم التي اختلطت بمفهوم الإستبداد التقليدي.
وكلمة مستبد تعني سلطوي وهي مشتقة من الكلمة اليونانية ديسبوس”desposts” أي رب الأسرة.
لكن وفق الرؤية المعاصرة للإستبداد، تشير إلى أن هناك إستبداد سياسي وفكري وديني وثقافي.. فيما بات الإستبداد الاقتصادي الأكثر حضوراً في العالم بداية القرن الواحد والعشرين، بعد أن أصبح يتحكم في المصائر السياسية، وأضحت أكبر الدول تولي مسألة الحصار والعقوبات الإقتصادية أهمية أكبر من استخدام الجيوش والأسلحة الفتاكة، وبمصادرة ممتلكات المعارضين وتجفيف منابع دخلهم المادي، وبصورةٍ عميقة وواضحة أكثر من ذي قبل.
– تطور الإستبداد الإقتصادي
ووفقا للمؤشر الدولي للتنمية الديمقراطية فإن التنمية الاقتصادية لبلد ما مرتبطة وبشكل وثيق بالديمقراطية والحكامة الجيدة. فالديمقراطية تضمن الحريات المدنية والسياسية، وكذلك الحق في المشاركة السياسية. وهذا ما يضمن بدوره حدا من الاستقرار يشجع المواطنين ورجال الأعمال على روح المبادرة والإستثمار لأن رأس المال جبان كما يصفه فقهاء الإقتصاد، والديمقراطية تؤثر على التنمية البشرية خصوصا في قطاعي الصحة والتعليم. وهذا ما تمت ملاحظته في عدد من الدول النامية أو التي تشق طريقها للنمو.
الإستبداد بمعنى احتكار السلطة والانفراد بعملية اتخاذ القرار واستبعاد باقي فئات المجتمع من دائرة المشاركة ومصادرة حقوق الإنسان وحرياته يؤدي إلى إصابة الدولة والمجتمع بالشلل والعجز والضمور وعدم مواكبة متغيرات الحياة بسبب عدم تجديد الرؤية السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تحتكرها عصابة الحكم والتحكم، كما يؤدي الإستبداد إلى تراكم الأخطاء وتخبط السياسات والتوجهات العامة للدولة والمجتمع مما ينتج عنه تكريس التخلف وتبديد الثروات وإهدار الطاقات بل والدخول في أحيان كثيرة في حروب خارجية لا مبرر لها.
في الجهة المقابلة يلاحظ البعض أن الوضع الإقتصادي في دول الربيع العربي التي انتفضت ضد الإستبداد تفاقم وزاد سوءا بعد الثورات على الأنظمة الإستبدادية، في مرحلة أولى على الأقل. وهي دول اختارت السير في الطريق الصعب نحو الديمقراطية وفي المقابل، هناك الكثير من الأنظمة الإستبدادية التي تمكنت خلال فترات طويلة، من تحقيق معدلات نمو مرتفعة، كما هو الحال في بعض دول الخليج العربي والصين وإثيوبيا ورواندا، فهذه الدول تظهر أن بإمكان الأنظمة الإستبدادية أيضا تحقيق النمو الاقتصادي.
فهل يعني هذا أن الحكام المستبدين يضعون صوب أعينهم عامل النمو الاقتصادي فقط، ويتجاهلون تنمية التعليم والرعاية الصحية والخدمات والمساواة والعدالة الإجتماعية، و حصر الرفاهية الإقتصادية على فئة قليلة من فئات المجتمع؟ في حين أن معظم دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة احتاجت لوقت طويل قبل أن تستفيد فئات اجتماعية واسعة من الرفاهية الإقتصادية، هناك دائما بداية متعثرة حتى يشعر المواطن العادي بالإنتعاش الإقتصادي، وحين يتحقق النمو الإقتصادي على المدى الطويل، تزداد فرصة انتشاره لتستفيد منه كافة فئات المجتمع..
– معالم الإستبداد َالإقتصادي.
يعرف بأنه انفراد شخص أو مجموعة أشخاص أو هيئة أو جهة اعتباريه بمصادر القوة المالية والإقتصادية في المجتمع ،وغالبا يأتي الإستبداد الإقتصادي مترافقا مع الإستبداد السياسي فمن ناحية يلجأ الحاكم المستبد عادةً لتوطيد سلطته إلى السيطرة على مصادر القوة الثلاث في المجتمع الجيش الذي يقتل ويقمع، والإعلام الذي يشوّه ويضلل، والمال الذي يحرم منه هذا ويعطى منه ذاك، والمال هو رأس كل ذلك فهو الجالب لقوة الجيش ولصوت الإعلام وصورته، ومن ناحية أخرى فان المتنفذين وأعوان الحاكم المستبد غالبا ما تمتد أعينهم إلى الأنشطة الاقتصادية والتجارية في المجتمع للمشاركة فيها مستفيدين من نفوذهم السياسي بجوار نفوذ المال والقوة الإقتصادية لتكتمل حلقات السيطرة.
يعتمد الإستبداد الإقتصادي على الريع الاقتصادي الذي يحوّل دور الدولة من دولة إنتاجية إلى دولة محاصصة، حيث تذوب معايير الكفاءة والتميز، وتندثر فيها قيم العمل، الإجتهاد، الإبتكار، الكفاءة والإستحقاقية، ما يفرز نظاماً فاسداً معتمداً على انتشار ممارسات من قبيل رأسمالية المحسوبية، أو رأسمالية القرابة، تكون الدولة فيها راعية للفساد ووكالة لتوزيع الإكراميات والرخص والهبات والامتيازات على الرعايا وليس حقوقاً للمواطنين، كل ذلك في غياب المناقصات والمزايدات والمنافسات، فتتحول مؤسسات الدولة إلى شبكات اقتصادية ودوائر سياسية تجمع بين رجال الأعمال والمسؤولين في السلطة التنفيذية وأجهزة الأمن عبر روابط ووشاج من قبيل الإنتماء العائلي، القبلي، الطائفي، الطبقي، معلنة بذلك عن إفراغ المؤسسات الوطنية من كينونتها المبنية على الإسهام في الرقي بأداء الإنتاج الوطني وتحويلها إلى مباني صورية تسبح في الفساد وتقطع أوصال الثقة ومعاني التماسك والسلم الاجتماعي داخل المجتمع.
وفي ذات السياق، يستند الإستبداد الاقتصادي إلى الفساد الذي يتجلى في استعمال النفوذ العام من أجل تحقيق مصالح خاصة ومكاسب شخصية، حيث يتم ارتهان الدولة وتقويض المسار الديمقراطي وهدم الإستقرار السياسي.
وفي نفس الوقت تتعدد أشكال الفساد بين أنشطة فردية وأخرى جماعية، فالرشوة تعني الحصول على أموال أو أية منافع أخرى من أجل تنفيذ عمل أو الإمتناع عن تنفيذه بطريقة مخالفة للأصول والقوانين.
تجليات الإستبداد الإقتصادي
1- عدم الفصل بين السلطات الثلاث :التشريعية والتنفيذية والقضائية وتركزها في يد شخص واحد بحيث يكون هو القاضي والمشرع والمنفذ في آن واحد والسلطة المطلقة هي مَفسَدَةٌ مطلقة كما يقول جمال الدين الأفغاني
2- عدم التناسب بين مبدأي المسؤولية والمحاسبة حيث نجد أن الحاكم المستبد في العادة له صلاحيات واسعة بل مطلقة ولكن لا يقابل هذه الصلاحيات أي مساءلة وهو ما يطلق له حرية التصرف في الأمور وفقاً لمزاجه وهواه لأنه يشعر أنه غير محاسب أو مساءل .
3- عدم توزيع مصادر القوة بين الدولة والمجتمع وضعف آلية الرقابة على السلطة بحيث تحاسبها إذا أخطأت أو تعزلها إذا أخلت .
4- تركز معظم الأنشطة الإقتصادية والتجارية في يد الدولة وضعف القطاع الخاص وقلة المشاريع الإقتصادية الأهلية مما يجعل الناس غير متحررين في نمط معيشتهم .
5- عدم توزيع مصادر القوة بين الدولة والمجتمع وضعف آلية الرقابة على السلطة بحيث تحاسبها إذا أخطأت أو تعزلها إذا أخلت.
– عواقب الإستبداد الإقتصادي
والإستبداد.. قتل الطموح والإبداع لدى الفئات الشابة في المجتمع ، وإهدار طاقتهم في مجالات وجوانب غير مفيدة مثل الغناء والرقص والفنون السخيفة وغيرها وإما إلى وتعاطي الأفيون والمخدرات والمشروبات الروحية كمحاولة من الفئات العمرية الشابة للهروب من واقعهم الذي يعيشون، والكفر بكل ما يمثله الوطن والوطنية، والفرار إلى المجهول والهجرة السرية.
وفي بعض الأحيان ونتيجة لسد كل قنوات التعبير عن الرأي والإسراف المبالغ فيه في استخدام القوة من قبل السلطة المستبدة يلجأ بعض الشباب إلى الإنخراط في أعمال العنف والعمليات المسلحة مما يجر المجتمعات في أحيان كثيرة إلى حالة من عدم الإستقرار على اعتبار أن العنف لا يولد إلا العنف.
فيما يؤدي أيضا إلى انتشار الأمية بين أفراد المجتمع والجهل المعرفي لدى قطاعات واسعة من الناس مما يفقدهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ ويوفر أفضل الفرص لتضليلهم وسيطرة الحكام المستبدين عليهم وجود ثقافة مجتمعية مهادنة للإستبداد وقابلة للتعايش معه والعيش تحت ظلاله من قبيل تعظيم الحاكم والنظر إليه على أنه لايخطئ أو كمن لا يجوز نقده أو محاسبته، بل بالعكس يدافعون عنه وينافحون بدعاوى واهية تؤكد جهلهم المركب أو الإعتماد على السفسطائية ولحن القول كالإستدلال بالإستثناء كقاعدة وإطلاقه على الواقع بقصد أو بغير قصد.





