*د. أسامة جادو
تحلُّ علينا ذكرى الإسراء والمعراج وهي ذكرى طيبةٌ عطرةٌ لها مكانةٌ في نفوس المسلمين و تحتلُّ منزلة عظيمة في قلوب الدعاة العاملين المربين .
إنَّ أمتنا الإسلامية في حاجة ماسة اليوم إلى أن تعيد قراءة السيرة والتاريخ لتستلهم منهما نماذج الصلاح والإصلاح ، و تتمثل تجارب التغيير الناجحة ، وتستدعى إلى حاضرها المُثلَ والقدوات الخالدة تستأنس بها ، وهى تتعامل مع واقع ملتهب وحاضر مضطرب ، تموجه تقلبات و انقلابات وتكتنفه ثورات وتدافعات و تكلله جهودٌ و تضحيات .
أمتنا الإسلاميةُ تخطو إلى المستقبل وهى حين تفعل ذلك لا تكون أبداً أسيرة الماضي أو حبيسة التاريخ ، بل هي تعايش واقعها ببصر الحاضر وبصيرة التاريخ وتستشرف المستقبل وتتأهب لمهام جسام.
ويا ليت عيون الأمة وروادها يصرفون همتهم وجهودهم إلى توظيف الأحداث التاريخية والمناسبات عامة والدينية منها خاصة ، لخدمة الأهداف العليا للإسلام ومقاصده العامة ، وغرس القيم الإسلامية في نفوس جماهير الشعب وتربيتهم عليها ، وإرشاد الناس وتصحيح المفاهيم المغلوطة وتقويم المعوج من التصورات والخاطئ من التصرفات .
وتخيرت من دروس الإسراء والمعراج درس الثقة واليقين في الله تعالى؛
من بين وقائع الذكرى الطيبة موقف لا أنساه يوضح لنا عظيم الثقة في الله التي كانت تملأ قلب النبي (صلى الله عليه و سلم) حين أصبح النبيُّ صلى الله عليه وسلم بمكة قصَّ خبر الإسراء على السيدة أم هانئ بنت أبي طالب (رضي الله عنها) ثم قال لها : وأنا أريد الخروج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت”، فأخذت بثوبه وقالت له: “إني أذكرك الله! إنَّك تأتي قومك يكذبونك وينكرون مقالتك فأخاف أن يسطو بك” قالت: فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم وهم جلوسٌ فأخبرهم ما أخبرني” وعند ابن إسحاق فيما رواه ابن هشام في سيرته قال لها صلى الله عليه وسلم: “والله لُأحدثنهموه ” وإنه لموقف مهيب، فنصيحة الأقربين العارفين بطباع الخصوم تقول له لا تفعل، فإن فعلت كذبوك وأنكروا ما تقول و لربما تعدوا عليك بالإيذاء، و يغلب على ظني أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أُمر من ربه أن يبلغ قومه خبر الإسراء و المعراج، فلما شرع في ذلك و أخبر أم هانئ بنت عمه عزمه الخروج إلى قريش و إخبارهم بخبره ، حين ذاك أقسمت عليه ألا يخرج و ألا يفعل مخافة تكذيبه و السطو به ، بل و أمسكت بطرف ثوبه تحثه ألا يخرج فيقول بكل ثقة (والله لأحدثنهموه) حتى و إن كذبوني فسوف أحدثهم به ، ثقة بمنهاجه و ما أُمِرَ به لا حدود لها، و يقين كامل فيما يدعو إليه، دون أن يعبأ أو يكترث بتكذيب القوم.
ما أحوجنا أن نتمثل هذه (القدوة) في حياتنا و نحن نمضي في دروب الحياة نؤدي فرائض ديننا و نقوم بواحبات الله علينا ، لا نخشى في الله لومة لائم، و لا يحول دون قيامنا بذلك سخرية أو إيذاء، أو صد أو بلاء، قدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أتمثلُّ الشبابَ المسلمَ الطاهرَ ذا الخلق العظيم وهو يتمسك بقيم الإسلام و أخلاقه ، ويجتهد في طاعة ربه و تأدية ما عليه من واجبات نحو دينه و وطنه ، و أسرته و مجتمعه ، فهو إضافة كبيرة للحياة وليس عالة عليها ، له عزمٌ قوي و إرادةٌ جبارةٌ لا تكسرها نوائب الدهر وابتلاءات الحياة ، يوقن أنَّ العالم اليوم ينتظر جيلاً من الشباب الطاهر الممتاز بالطهر والخلق القويم ، ورَّاث النبوة و حماة العقيدة ، حملة الرسالة دعاة الفضيلة .
أتمثل المرأة المسلمة و هي تلتزم بحجابها الشرعي، كما أمرها الله تعالى، وقد وعت ما ينبغي عليها- كمسلمة- من سلوك وآداب، وأخلاق و معاملات، مع زميلاتها أو جاراتها، في بيتها أو عملها أو جامعتها أو مدرستها، وهي تسير في الشارع أو تقضي مصالحها، في كل ذلك تلتزم النهج الإسلامي الرفيع و تتخلق بأخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلم.
تفعل ذلك غير عابئة بنظرات بعض المغرضين، مرضى القلوب والعقول، الذين هالهم أن تنحاز المرأة المسلمة إلى الفضيلة والخلق القويم في ظل شريعة الله تعالى، فصبوا غضبهم و نفثوا سمومهم، طاعنين في الحجاب تارة، و في الفضائل تارة أخرى، ولربما حركوا أذناباً لهم فيلحقون الأذى و الضرر بمن سلكوا الطريق القويم، و يضيقون عليهنَّ ما وسَّعوه على غيرهن، أقول:
أتمثلُ المرأةَ المسلمةَ تردد قولة النبي صلى الله عليه وسلم (والله لأحدثنهموه) حتى و إن كان أذى وبلاء .
يقولها كل ملتزم بدين الله، راغب فيما عند مولاه، يقولها كل داعية عرف الحق و سلك طريقه، أبصر النور و صار في رحابه ، مقتفياً خُطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد على مسامع الدنيا قول الحق تبارك و تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الأحزاب الآية 39).
ويمضي في طريقه غير مكترث بالمُشككين ولا مهتم بالمغرضين فلقد ظهر الحق وبطل الباطل.
كم نحن في حاجة ماسة أن تمتلئ قلوبنا باليقين أنَّ الله تعالى قادرٌ على كل شيء وأنه يدبر الأمر وأنه يريد بنا الخير واليسر ولا يريد بنا الشر والعسر، وأن ما ينفع البشر ويحقق لهم ما تصبو إليه نفوسهم وتقوم به مصالحهم إنما هو شرعُ الله تعالى (ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيف الخبير).
تهلُّ علينا ذكرى الإسراء والمعراج و نحن نعايش مرحلة التغيير الأكبر في تاريخ أمتنا الإسلامية ، عقب ثورات الربيع العربي وما تبعها من ثورات مضادة وتكالب قوى الشر و البغي العالمي لدحرها و إزالة آثارها ، وتمضى الشعوب العربية و الإسلامية قدما نحو مستقبل عظيم تترقبه بعد شدائد و محن ، ولا يزال أمامها الكثير من الواجبات والمهام والتضحيات حتى تنجز كامل أهدافها العليا التى ثارت من أجلها .
وتأتى ذكرى الإسراء والمعراج في ظل أجواء ملتهبة وأحداث متصاعدة وتطورات بالغة الأهميـة ، في أمتنا الحبيبة وهي تمرُّ بمرحلة عصيبة من تاريخها ، صفحات أليمة مرت بها ولا زالت، وكلنا ثقة أن الغد أفضل بإذن الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون) (القصص).
تأتي هذه الذكرى وفى القلب مصر القائدة و الشام الصابرة و اليمن الجريح و ليبيا المجاهدة و العراق المُبتلى والسودان الطيب الذي يئنُ اليوم و فلسطين من أقصاها الحزين لغزة هاشم الصامدة و خليجها المُمتحن و جزائرها الثائرة بلد الشهداء و تونس الخضراء ، ولا شك أن الثقة واليقين في الله تعالى يمثل الوقود الحيوى والطاقة الروحية والزاد المعنوي الذي تحتاجه الأمة في مرحلة البناء ومواجهة التحديات الكبيرة.
فيا أتباع النَّبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم ثقوا في الله تعالى، وفي منهاجه وشريعته، واثبتوا فأنتم على الحق وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير.
*دكتور أسامة جادو عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية “الزهراء”





