من العراق وتحديات الأمن القومي الأمريكي.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

وفق وتيرة متسارعة، ازدادت حدة العمليات الأمنية ضد القوات الأمريكية في العراق، خاصة بعد تسلم جو بايدن الحُكم في البيت الأبيض، الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة لجهة خيارات واشنطن في العراق ودول الجوار، فضلا عن التوظيف الأمريكي المحتمل لهذه الهجمات في سياق أجندتها، إضافة إلى المعادلة الجديدة التي من الممكن أن تُفرض على مسار التطورات في عموم المنطقة، لا سيما أنّ موقع العراق الجيو استراتيجي، يضع غالبية القوى الإقليمية والدولية في تحدٍ هو الأصعب والذي يتعلق بنسج مسارات سياسية وعسكرية وحتى اقتصادية، تبدأ من العراق لتطال عموم الإقليم.

تتبع مسار الهجمات ضد القوات الأمريكية في العراق، يأخذنا مباشرة إلى التوقيت والمكان، وبصرف النظر عن الاستهداف المتكرر لمحيط السفارة الأمريكية في بغداد، وقافلات الدعم الأمريكي للقواعد المنتشرة في العراق ومنها إلى سوريا، لكن المقاربات الجديدة وتحديداً لجهة سقوط أربعة صواريخ كاتيوشا، داخل قاعدة بلد الجوية شمال العراق، والتي تضم خبراء أمريكيين ومقاتلات “أف-16” عراقية، ما أسفر عن إصابة متقاعد عراقي، إضافة إلى إصابة عسكريين اثنين بجروح طفيفة، يضعنا أمام نمط جديد من الهجمات، خاصة أنّ كل هذه العمليات لم تحمل بصمات جهة واضحة، لكن أعلنت جماعة تطلق على نفسها “سرايا أولياء الدم” مسؤوليتها عن الهجوم على القاعدة في أربيل قائلة: إنها استهدفت “الاحتلال الأمريكي” في العراق. ولم تقدم ما يدل على ادعائها، الأمر الذي يفرض على واشنطن تعاطيًا مختلفًا في الشكل والمضمون، ما يُترجم اعتبار الهجوم الأخير على قاعدة بلد الجوية، أنه الأكثر دموية الذي يستهدف القوات الأمريكية وحلفائها في العراق منذ نحو عام.

في المقابل وبمقاربة منطقية، فإن الولايات المتحدة لن تتأثر سياساتها الخارجية بالهجمات التي تحمل طابع العنف، بمعنى أن هذه القضايا الإستراتيجية تمثل تحديا للأمن القومي الأمريكي، لذلك هذه الضربات من تنظيم الدولة أو غيرها لا تحمل واشنطن على الانسحاب من العراق، بيد أن هذه الضربات لا تحمل بصمات إيران او حلفاءها في العراق، الأمر الذي تقرأه واشنطن بإيجابية، وتتعامل معه وفق مقاراباتها الإستراتيجية الرامية أصلًا إلى تعبيد الطرق للوصول إلى إيران بشأن برنامجها النووي، وبالتالي فإن هذه الهجمات ستدفع بالجانب الأمريكي إلى تعزيز دفاعاته بشكل أكثر خلال المرحلة المقبلة، إضافة إلى أن الولايات المتحدة ستعزز من وجودها التقني، وليس وجودها من ناحية المدربين وأعداد الجنود، فهي لا تحتاج جهد عددي بقدر حاجتها إلى الجهد التقني والدفاعي لتعزيز قدرتها الدفاعية والصاروخية، ولا سيما في القواعد العسكرية.

في جانب أخر، فإن الهجمات التي شُنت ضد القوات الأمريكية في العراق وبمختلف مستوياتها، فإنها لا تخلو من رسائل سياسية، حيث أن استهداف التواجد الأمريكي في العراق بشكل عام وفي أربيل خصوصاً، يمكن تسميتها بأنها كانت نوعية وسياسية تخدم بعض الأجندات الإقليمية في المنطقة، خاصة فما يجري بين إيران وأمريكا والغرب بخصوص الملف النووي الإيراني، فالإدارة الأمريكية أعلنت أنها مستعدة للتفاوض مع الجانب الإيراني عبر وساطة الجانب الأوروبي، وأن هذه الهجمات تحمل رسائل تهدف إلى جلب الأمريكيين إلى طاولة التفاوض مع إيران، وفي ذات الإطار المتعلق بالجانب السياسي، فإن تأثير هذه الهجمات على مستقبل القوات الأمريكية بالعراق، له أبعاد أُخرى، لأن القوات الأمريكية تعمل في العراق من خلال حلف الناتو لمواجهة الجماعات الإرهابية، ولا سيما تنظيم داعش بناء على طلب من الحكومة العراقية، وهناك اتفاقيات بهذا الشأن، لذلك فإن مسألة الانسحاب الأمريكي من عدمه له مسار آخر خاضع إلى أمور دولية في العراق، وليس قرار أحادي تتخذه الولايات المتحدة، لأن هناك تحالف دولي تقوده الأخيرة مكلف بمهمة من مجلس الأمن.

حقيقة الأمر ثمة كُثر يتساؤلان عن ماهية وطبيعة الرد الأمريكي على تلك الهجمات، الأمر الذي يمكننا وضعه في إطار الأمن القومي الأمريكي، خاصة أن حصانة القوات الأمريكية في قوانين الولايات المتحدة، تمثل أمن قومي لأمريكا، وعليه فإن جميع الإدارات بمختلف رؤسائها لا يتوانون في الرد على مثل هذه الاستهدافات، فالمهم لدى الولايات المتحدة هو الحفاظ على جنودها، ومن المؤكد أنها في المحصلة سترد على الاستهدافات التي تطالها بالعراق، لكن متى وأين وكيف، لا أحد يعلم.

من المهم أن نذكر، بأنه عقب الهجوم الذي استهدف التواجد الأمريكي في أربيل، دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين إلى إجراء تحقيق في الهجوم، متعهدا بـمحاسبة المسؤولين عنه، وقال بلينكن في بيان نشعر بالغضب من الهجوم الصاروخي الذي حصل اليوم على إقليم كردستان العراق، مضيفاً لقد تواصلت مع رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان مسرور البارزاني لمناقشة الحادث وأكدت له دعمنا الكامل لإجراء تحقيق ومحاسبة المسؤولين.

*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...