تظاهرة حركة النهضة التونسية هل هي إستعراض للقوة ؟ أو رسائل عدة للطبقة السياسية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

حسن سلمان

على الرغم من أن البعض اعتبرها محاولة لـ «استعراض القوة» إلا أن أغلب المراقبين يؤكدون أن تظاهرة حركة النهضة بعثت رسائل عدة للطبقة السياسية، تبدأ بإظهار تماسك الحركة الإسلامية مقابل تشتت خصومها السياسيين، ولا تنتهي عند الدعوة إلى الحوار وإعادة التوازن للمشهد السياسي التونسي.
وكانت حركة النهضة نظّمت، يوم السبت، تظاهرة حاشدة وسط العاصمة التونسية، شارك فيها حوالي 20 ألف شخص (وفق مصادر الحركة).
وفيما فضّل حلفاء النهضة عدم المشاركة في التظاهرة والتزام الحياد على اعتبار أن المعارك السياسية يجب ألا يتم حلها في الشارع، نظّم بعض خصومها تظاهرة متواضعة شارك فيها العشرات.

رسائل سياسية

وشكلت تظاهرة مناسبة جيدة لبعث رسائل سياسية في جميع الاتجاهات، حيث دعا رئيس الحركة، راشد الغنوشي، جميع الفرقاء السياسيين إلى الحوار لحل الأزمة السياسية في البلاد، مشيراً إلى أن البلاد تعيش حالية على وقع حرب كلامية بين رأسي السلطة التنفيذية، و»نريد أن يبقى رئيس الجمهورية قيس سعيد في قرطاج وأن يقوم بدوره، وكذلك نريد أن يبقى رئيس الحكومة هشام المشيشي في القصبة، والبرلمان كذلك».

الحركة الإسلامية تدعو للحوار وتطالب بوقف الحرب الكلامية بين سعيّد والمشّيشي

وأضاف، في خطاب ألقاه وسط العاصمة: «نحن هنا نبعث برسالة محبة لكل التونسيين، فنحن مشروع محبة والبلاد تتسع للجميع (…) الكراهيّة أرهقت البلاد. نحن نعترف بالجميع من شيوعيين وقوميين، لكنهم لم يعترفوا بنا».
وتباينت آراء المحللين في قراءتهم لتظاهرة النهضة، حيث كتب الباحث سامي براهم: «أهمّ درس يجب استخلاصه من مسيرة اليوم هو التخلّي بشكل نهائيّ وحاسم عن فكرة إقصاء تيّار سياسي اجتماعي بهذا العمق والامتداد والدّعوة لاجتثاثه، ليس فقط لأنّها فكرة فاشيّة غير ديمقراطيّة بل لأنّها كذلك تصادم جزء من المجتمع لا مجرّد حزب. النّهضة -مهما كان تقييمنا لأدائها ومرجعيّتها- هي تعبيرة حزبيّة تمثّل قطاعاً واسعاً من التّونسيين والتّونسيات من مختلف الأعمار والمستويات التعليميّة والأوساط الاجتماعيّة والجهات والأحياء والطّبقات واستهدافها هو استهداف لجزء من المجتمع مهما كان توصيفنا له وتقييمنا لوعيه».

وأضاف، في تدوينة على صفحته في موقع فيسبوك: «هذا الاستهداف إرباك للاستقرار السياسي ومضيعة للوقت وإهدار للجهد وتعطيل لتحدّي الاستثمار في الإصلاح والتنمية. لطالما ردّدنا سابقاً لا إسلاميين دون ديمقراطيّة ولا ديمقراطيّة دون إسلاميين… وهي قاعدة تنسحب على الجميع يساراً ويميناً. لا ممارسة سياسيّة خارج الأطر الدّيمقراطيّة، ولا ديمقراطيّة دون تعايش بين الفرقاء في كنف قيم المواطنة والسّلم الأهلي».

وتحت عنوان «هل يُستخلص الدرس» كتب المحل السياسي زهير إسماهيل: «أتمنّى أن أستفيق صباحاً وأجد حزباً كبيراً في حجم النهضة قد نشأ حتّى يمثّل معها توازناً سياسيّاً تستقرّ عنده الديمقراطيّة إلى حين. إذ يبدو أنّ الديمقراطيّة التمثيليّة مرحلة نمرّ بها إلى ما هو أعلى منها لما يتيحه من مشاركة أوسع وأفقيّة أرحب. وجود حزبين أو ثلاثة أحزاب كبرى بقدر ما يقيم التوازن السياسي المطلوب في الديمقراطيّة فإنّه يدفع المنافسة في البرامج إلى أقصاها. فمهرجان النهضة الحاشد المصاحب لمسيرتها يقدّم عرضاً ضعيفاً في مستوياته الفنيّة والسياسيّة والبرامجيّة والاستراتيجيّة، في ظلّ أزمة ماليّة اقتصاديّة وصحيّة وانسداد سياسي تؤمّنه شعبويّة ضحلة صمّاء وشعبويّة مسعورة جوفاء».

وأضاف: «عرض النهضة الهزيل (بمعزل عن قوّة الحشود غير المسبوقة) هو صورة عما غرق فيه المشهد السياسي من مناكفات سياسيوية فارغة (برع فيه بعض النواب التافهين ووجوه حزبيّة مفوّتة) وسجالات أيديولوجيّة مكررة وخطاب كراهيّة منفّر بعيداً عمّا ينفع الناس من فكر وفنّ ومعرفة وبرامج ومخطّطات ومشاريع. لم نكن نتوقّع أنّ تكون معركة بناء الديمقراطيّة ـ وهي معركة سياسية في جوهرها ـ شاغلة عن بلورة مضامين في المجالات المشار إليها. فقد كانت معركة فرض الحريّة ومواجهة الاستبداد مانعة من التركيز في البدائل المطلوبة. ومن المؤسف أن يكون للمواجهات السياسيّة والأيديولوجيّة التي لم تنته بعد كسر الاستبداد ومحاولة بناء الديمقراطيّة تأثيرُ سياسةِ الاستبداد القمعيّة على المعارضة وحرمانها من فرص التفرّغ لبناء البدائل وإنتاج مراجع فيها».

وكتب المحلل السياسي عدنان منصر، تحت عنوان «ملاحظات أولى على مسيرة النهضة»: «لا أفهم حقيقة سر انزعاج الكثيرين من المظاهرة، إلا بالنسبة للذين تعودوا قياس الأدوار بالأحجام. ولكن حتى من هذه الزاوية، فربما احتاج الأمر بعض التنسيب: المسيرة كانت بالغة التنظيم، ولكنها لم تكن أكبر مسيرات النهضة حجماً في السنوات الأخيرة. هناك نوع من تراجع النّفَس رغم أن منظميها أرادوا التعبير بها عن الغَلَبة. في السياق الراهن، كانت هذه المسيرة حاجة ملحة للحركة سياسياً وتنظيميا،ً بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى».

وأضاف: «بالرغم من أن المسيرة كانت في سياق المناكفة لرئيس الجمهورية، ونوعاً من استعراض القوة بدعوى الدفاع عن الديمقراطية ضد الميول الاستبدادية، فلا يبدو أن ذلك سيغير شيئاً من طبيعة العلاقة بين الطرفين. على الرغم أيضاً من أن جزءاً واسعاً من القاعدة النهضوية اعتبر المسيرة موجهة ضد تصاعد قوة الدستوري الحر، فإن ما سيحدث هو تدعيم التحشيد في ذلك الصف بالذات ضد النهضة ودفع المترددين، من «عائلة المنظومة القديمة» في أحضان عبير موسي. لن يتغير شيء إذاً في العلاقة بالخصمين اللدودين».

النهضة أكبر وأصلب الأحزاب

وتابع بقوله: «الأمر المثير للانتباه هو أن مسيرة اليوم لم تجمع سوى أبناء حركة النهضة، وهذا وإن لبى حاجة روحية لديهم وأحيا فيهم فكرة الجماعة، فإنه دليل انكفاء وعجز عن التعبئة خارج دائرة المناضلين المنتظمين. كون حركة النهضة هي أكبر وأصلب الأحزاب أنصاراً وتنظيماً هو أمر لا خلاف حوله. السؤال هو: هل ذلك يكفي».

ودوّن الباحث عمّار الجماعي: «أعتقد دائماً أنّ التناقض الرئيس، قبل صراع الديمقراطية والفاشيّة الذي نكتوي به اليوم، هو بين المحافظين والحداثيين. لهذا، لا أرى تونس تستحق هذا الاختلال في التوازن الراجع للتشتت الحزبي والتذرّر. إذ من المفروض أن تتوازن الكفّتان لتكون هناك سياسة ذات معنى لا مناكفات صبيانية كما نرى. نحن في حاجة لزعيم أغلبي وزعيم معارضة (…) أنا سعيد جدّاً بالمشهد لو اكتمل، وأكون أسعد لو انتظمت هذه الفوضى الحزبية في خطّيهما التاريخيين. عندها يمكن أن نتحدّث عن ثورة حقيقية».

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...