* أحمد براو
حسب أحدث الإحصائيات المختصة تجاوز عدد البلديات الإيطالية معدل 40% أي أكثر من ثلاث آلاف بلدية التي وقعت اتفاقيات تفاهم من أجل تسيير وإدارة المصالح المشتركة أي ما يعرف ب “Patto di Collaborazione”. مع الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني.
– خطط الإقليم واتفاقات تعاون من أجل الصالح العام
بعد أن التمست الحكومة من مجموع البلديات ودعتهم للعمل على دراسات “بياني دي زونا” خطط إقليمية للإحصاء والبرمجة لمواجهة الهشاشة وخدمة الفئات المعوزة من المجتمع كذوي الإعاقات والمهاجرين والأسرة والطفولة ولإدماج فئات العاطلين والمشردين والسجناء والنساء ضحايا العنف وغيرهم، و للعمل على جرد وإحصاء دقيق لهذه الطبقات والفئات وكذلك إحصاء ترسيم ودراسة جميع الممتلكات البلدية والمصالح العمومية سواء التي هي طور الخدمة في الميدان الإجتماعي والسكني والإداري أو التي تعطلت وبقيت خارج الخدمة من أجل إعادة تأهيلها.
بحيث عمدت هذه البلديات على إعداد هذه الخطط والدراسات بالتعاون مع الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والجامعات من أساتذة علم الإجتماع وباحثين وطلاب.
فيما يقصد بالصالح العام مجموعة الظروف الإجتماعية التي تسمح للفرد والأسرة والجمعيات للمشاركة في تدبير المصالح العمومية بشكل فعال وفي أحسن الأحوال حتى يسفيد منها أكبر عدد من المستحقين ومن أجل مجابهة التبذير والتقليل من خسارة وتعطيل هذه المصالح.
ومن المعلوم أن الغرض من السياسة هو السعي وراء “الصالح العام” ، وهذه كلمة لا يجب إفراغها أبدًا من مضمونها إلى درجة أن تصبح فقط مجرد عبارة خالصة، ولا ينبغي أن تقتصر على مفهومها الإيديولوجي والشعبوي الإنتخابي، لأن هذا من شأنه القضاء على أي إمكانية للرؤية السليمة وبالتالي الهدف، بل يجب بعد ذلك ترجمة الصالح العام وتطويره ليصبح جانب مهم من جوانب الحياة الإجتماعية ونظام الدولة والرفاهية، وفقًا لديناميكية ترتكز من جهة على المبادئ الأساسية للصالح العام نفسه، و بإشراك خصوصيات الفضاءات المخولة للدراسة والفاعلين الإجتماعيين والبحث من أجل تحقيق الأهداف المشتركة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والمواطنين في سياسة و إدارة صالحين للصالح العام.
– هيئة ولوائح مكاتب الإدارة المشتركة
ظهر هذا السيناريو في ساحة الإدارة العمومية عام 2014 كهيئة الإدارة المشتركة، والتي تستند إلى بعض العناصر الأساسية بما في ذلك تحقيق التعاون مع المواطنين كوظيفة مؤسسية للهيئة، من خلال تحديد وحدة تنظيمية، مكتب ذو لائحة مخصصة لبناء العلاقة مع أولئك الذين – على وجه الخصوص- يقترحون القيام بأنشطة لرعاية المصالح المشتركة من خلال اتفاقيات التعاون مع الجمعيات والمنظمات المقترِحة والموقِّعة على اتفاقات التفاهم مع البلديات، ولذلك كان هذا الإختيار هو لترسيخ مبدأ التبعية داخل الإدارة، وطرحه من الإرادة الحصرية للهيئات السياسية لتجنب أن يكون تطبيقه متقطعًا وعرَضيًا يستوجب الأغلبية والمعارضة، والمناكفات السياسية، أو نتيجة اختيارات معينة.
ولهذا فإن الاهتمام بالصالح العام ، كما يبدو لا يمكن أن يكون موضوعًا مثيرًا للإنقسام داخل البلديات ومجالًا للمعارضة السياسية، ولكن يجب أن يمثل طريقة لكون المؤسسات، وفية قدر الإمكان لروح ومبادئ الدستور والديمقراطية.. وإذا نظرنا إلى الأرقام المتعلقة بتبني هيئة مكاتب الإدارة المشتركة في أكثر من مائتي بلدية إيطالية، يلاحظ أنه تم اعتمادها دائمًا بالإجماع أو على الأكثر مع عدد محدود من الامتناع عن التصويت.
ويلاحظ أن هناك نية لإشراك المواطنين في الأنشطة ذات الاهتمام العام وفقًا لمبدأ التبعية الأفقية برسم خرائط جديدة وسيناريوهات جديدة تتشكل فيها ديمقراطية ناضجة تتميز بالتزام العديد من المجالات المختلفة وتنتشر في جميع أنحاء الإقليم. بحيث يصبح المواطنون هم الذين يتخذون خطوة إلى الأمام ويقررون اتخاذ إجراءات لرعاية المنافع العامة.
– المبادرة تكمن في النصف الممتلئ من الكأس
يظهر أن الأمر ليس بالشكل الهين رغم ما يتبادر للجميع من نجاعة وشجاعة هذه الخطة لكن يبقى التطبيق خجولا ويعتريه التشعب والتخبط والتردد بسبب تداخل المسألة قانونيا وتنظيميا ومسؤوليةً، الحقيقة بكل بساطة عند قراءة النتائج الأولية بعد مرور 6 سنوات على هذا الإلتماس لم تتمكن سوى 60 % من البلديات التي اعتمدت الخطة والإتفاقية من إحداث هذه المكاتب و30% من هذه البلديات غيرت الهيئة المكونة للمكاتب بعد صعود المعارضة في الإنتخابات التي حدتت في هذه المدة، وهذا يخلق مشكل الإستمرارية. طبعا لأن التقاليد السياسية السائدة منذ عقود تجعل من الإدارة السياسية مادة لتغيير كل ما سبقت أن أحدثتها الإدارة السابقة، و بالطبع هذا هو النصف الفارغ من الكأس.
أما النصف الممتلئ من الكأس بالمقابل تكمن في أن إدارة 40٪ من البلديات التي حدث فيها تغيير أغلبية – غالبًا جذريًا-، على الرغم من هذا التغيير، واصلت الحفاظ على اتفاقيات التعاون، مما يثبت بالحقائق أن المنافع المشتركة ليست يمينًا ولا يسارًا، بل هي ملك للجميع، وأن تحمل المسؤولية في تدبير الشأن العام جنبًا إلى جنب مع المواطنين الآخرين ومع الإدارة، ليس نشاطًا ذا دلالة سياسية كما كان في القرن العشرين، بل هذا الأمر هو الشيء الذكي الذي يجب القيام به أساسا.
– كلمات السر ثلاثة “ثقة – سلطة – مسؤولية”
لا يكفي اعتماد (حتى بالإجماع) اللوائح الخاصة بالإدارة المشتركة إذا ظل تغيير النموذج سرابًا وشعارا من كل جانب لاحتواء الطاقة الإنتخابية من قبل المواطنين ضمن مخطط التفويض والتمثيل.
نحن بحاجة اولا للثقة وإعادة الأمل لتوقعات مجتمعاتنا التي تشهد كل يوم انخفاض مستوى معيشتهم، ولمستويات الفقر المطلق والنسبة التي ترتفع. ولذلك يجب أن يكون واضحًا للجميع الآن أن الإدعاء بالعمل على انخراط المنظمات الإجتماعية في المخططات القديمة من أجل الحصول على الموافقة الإنتخابية أكل عليها الدهر ولم يعد يشكل إرثًا مستقرًا ودائما، لأن مخاوف مجتمع مجبر على العيش في الهشاشة والخوف من الغد تزداد، وهذه الأمور لها تداعيات على أبطال المشهد السياسي الذين يحرقون أنفسهَم ويهدمون حصونهم الإنتخابية.
تلك إذن هي الخرائط الجديدة التي يبنيها المواطنون النشطون خصوصا في العمل الجمعوي في جميع أنحاء البلاد من خلال ممارسة مبادرة الحكم الذاتي المنصوص عليها في الدستور، بحيث يستطيعون رسم مسار جديد، ويمكن بعث ثقافة سياسية جديدة لمعرفة معنى الصالح العام وبهذا المعنى، لا يمكن أن تكون العناية بالصالح العام قضية خلافية، والتي لا تعني نفي الصراع، بل على العكس تماما تعطي السلطة لمستحقيها أي المواطنين.
يمكن أن تكون حالة العلاقة بين الثقة/ السلطة/المسؤولية إذن ، مؤشرًا لنموذج اجتماعي ومؤسسي قادر على تحقيق الرفاهية للأفراد والمجتمعات إلى الحد الذي يتم فيه تقديم أدوات وحلول ملموسة، مثل الهيئة واللوائح والتعاون والإتفاقات.. ، التي تسمح لهم بأن يكونوا قوة فاعلة حقيقية في حل احتياجاتهم الخاصة وحاجيات مجتمعاتهم.
*أستاذ باحث في علوم التربية والمجتمع والثقافة بجامعة كالابريا، فاعل جمعوي موقع على اتفاقيات تفاهم مع العديد من البلديات.





