ذ. أحمد براو
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسّر على معسر ، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مؤمنا ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما ، سهل الله له به طريقا إلى الجنة ، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطّأ به عمله ، لم يسرع به نسبه ) رواه مسلم .
لا شك ولا ريب عند أي مسلم موحد، الفروق الشاسعة والمهولة بين الدنيا والآخرة سواء في العطاء والجزاء كما في الحساب والعقاب، وما الفانية إلا كقطرة في بحر الباقية، وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الخيرية بعبارة بيانية سلسة خاطب فيها الله تعالى نبيه الكريم “صلى الله عليه وسلم) :”وللآخرة خير لك من الأولى”
ومن جود الرحمن وكرمه أنه يزجل العطاء ويضاعف الجزاء كما يعفو ويغفر وهو جل ثناؤه وعمّ نواله علّام الغيوب ومطلع على سرائر القلوب، فمن هَمّ بحسنة ولم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، ومن هم بها وعملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
ومن العلوم أن المسلم في كل يوم وجب عليه التصدق بعدد “سُلامى” أي مفاصل وعظام جسمه، ومن الأحاديث التي تبين تنوع طرق الخير حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ: “كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الإثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة” كما أن هناك طرق عديدة في متناول جميع الناس لبذل المعروف وإعانة المحتاج وإغاثة الملهوف وحمل الكَلِّ وكسب المعدوم والمساعدة على نوائب الدهر، تلكم صفات اتصف بها أجلاء القوم من البشر وأعلاهم وأشرفهم سيد الخلق عندما وصفته أم المؤمنين خديجة الكبرى”عليها من الله السلام” عندما عاد مرتجفا خائفا من ثقل الوحي وهول المسؤولية التي ألقيت على عاتقه والتي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال، بأبي هو وأمي.
فتنفيس الكرب عن المؤمنين، من أعظم القربات و هو عمل عظيم عند الله، عظيم في نفوس الناس، لأن الحياة مليئة بالمشقات والصعوبات، ومَحفوفة بالتقلبات وطبيعتها التعب والكدر، وقد تستحكم كُربُها على المؤمن، حتى يحار قلبه وفكره عن إيجاد المخرج من أزماته، وقد يلجأ أو لا يجرؤ على طلب مدّ العون من إخوانه وخلانه، فما أعظم أن يسارع المؤمن لمساعدته ويبادر لإزالة الكربة عنه من هنا كان الجزاء من الله أجزل وأكبر وهو أن ينفّس الله كربة الآخرة على من نفس على أخيه كربة الدنيا، لأن الوقوف للحساب يوم القيامة وكربة السؤال عندما لا تجد له جوابا أعظم وأخطر أمام الملك الديان، فما أثمنه من أجر وما أجمله من ثواب.
ومن التنفيس والتيسيير إرجاء الديون وإسقاطها كما حث القرآن “وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة” وأخبرنا النبي عليه افضل الصلاة والسلام: أن كان رجل يداين الناس ، فكان يقول لفتاه : إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه ؛ لعل الله أن يتجاوز عنا ، فلقي الله فتجاوز عنه.
وقال أيضا: (إن لله عبادا خلقَهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون يوم القيامة).
وهكذا يكون أفراد المجتمع المسلم وهم يعبرون عن صدق إيمانهم على أساس دينيّ، وقد جربَتْ البشريةُ جميع أسباب العطاء وإغاثة الملهوف وصنائع المعروف فوجدناها غثاءً وهباءً وفقط سمعة ورياء لا تقوم لها على الحقيقة ولا تدرك الإخلاص وكان قصدها المجد والتبجيل لكونها على غير أساس الدين قامت، ورغم ذلك وجدت من يحميها ويُحسِن تسويقها بين الناس.
وكما يفعل الرهبان واليسوعيون في أدغال إفريقيا من حفر الآبار وبناء المستوصفات والمدارس وتعليم الأطفال، وتوزيع الأغذية والملابس كل ذلك من أجل نشر تعاليمهم بين المجتمعات المسلمة حتى أصبحنا نسمع عن تزايد معدلات التنصير لأعداد كبيرة من الشباب والشابات الأفارقة.
وطبعا فقد ينخدعون وراء هذه الصفة الكريمة صفة تنفيس الكربات وإغاثة الملهوفين لأن لها وقع عظيم على النفوس وإمتلاك القلوب وتعزيز معاني الوئام والألفة والمحبة. أما المؤمنون فإن هذه السجايا يتقاسمون بها فيما بينهم أسمى مراتب التديُّن، وأصدق صور التعاليم المستندة على القرآن والسنة بحيث يتعبدون باحتسابها عند الله يوم القيامة فتتجلي فيها أسمى مظاهر الإخلاص وترفرف فوقها عبارات قرآنية رائعة من قبيل قوله تعالى: “إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا، إنّا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا، فوقاهم اللهُ شرَّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا”.
فليكن عون المحتاجين غايتنا منه طلب ثواب الله تعالى، والإحسان إلى الأخ المسلم و تفريج كربته، ولا تجعل همك حب الشهرة أو طلب الشكر وذكر الناس وإذا أقدمت على فعل المعروف بهذه النية رأيت الثمرات الطيبة لإحسانك في الدنيا قبل الآخرة، وإذا كان يوم القيامة فما أعده الله تعالى من الثواب لأهل الإحسان خير وأبقى.





