الإسلاميون المغاربيون: لماذا في الصحراء يتيهون؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*نزار بولحية

 

 

يشاركون في الانتخابات البرلمانية في الجزائر، أم يعلنون مقاطعتها وعدم الانخراط في باقي حلقات المسلسل السياسي في البلاد؟ يصوتون على قانون يقر استهلاك الحشيش في المغرب، وفق معايير مضبوطة؟ أم يرفضونه من الأصل ويتحملون تبعات ما قد يسببه ذلك من تصدع لتحالفهم، أو تأثير محتمل في استمرارهم على رأس الحكومة؟ يحنون رؤوسهم للريح العاتية التي تضرب تونس، ويسلمون بقوة الضغوط والإشاعات المسلطة عليهم من الداخل والخارج؟ أم يصمدون للآخر في صراع كسر العظم؟

أليس ذلك باختصار هو الجزء الظاهر الآن من مشاغل الإسلاميين المغاربيين، وجانبا من الخيارات المتاحة أمام بعض أحزابهم وحركاتهم، التي قد تكون حُسمت أو هي على وشك أن تحسم فيها، إما بالسلب أو بالإيجاب؟ لكن أليس هناك بالمقابل قضايا أخرى قد تكون أهم وأكبر، لا تزال على العكس موضوعة على الرف بانتظار الحسم الجماعي لا الفردي فيها؟ لطالما ردّد معظم هؤلاء أن ما جمعهم ويجمعهم أقوى بكثير مما قد يقسمهم أو يشغلهم، عما يفترض أن يكون جوهر اهتماماتهم، لكن هل كان الأمر دائما على ذلك النحو؟

إن الانطباع الذي تخلفه بعض قراراتهم ومواقفهم، على الأقل، لا يوحي في الغالب بذلك، والدليل الأقوى الذي قد يقدمه خصومهم، حين يريدون تثبيت ذلك وتقديمه كحقيقة لا تقبل النقض، هو طريقة تعاملهم مع الملف الصحراوي، بالنظر لارتباطه الوثيق بمصير الإقليم المغاربي، وما يظهر في مواقفهم منه، من تباعد وانقسام حاد في المفاهيم والتصورات، بشكل يجعل كثيرين يعتبرون تلك المسألة بالذات، هي المحك الحقيقي لاختبار مدى نجاح طروحاتهم في الشمال الافريقي، في الاستجابة للتطلعات الكبرى للشعوب المغاربية، إن لم يكن في الوحدة الفورية، فعلى الأقل في حد معقول من التقارب والتكامل بينها. ومع أن انتسابهم لأصل فكري واحد، لا يعني بالضرورة تماثلهم وتطابقهم في كل الجزئيات والتفاصيل والملامح، فإنه لم يسبق أيضا أن شكّلوا، يوما ما، كتلة واحدة لها هدف أو برنامج مشترك في الدول المغاربية الخمس، أمام وجود خصوصيات وظرفيات متباينة، أو ما عرف بشكل عام بفقه الواقع، جعلت لكل حركة أو حزب إسلامي مغاربي في تلك الأقطار، حرية ضبط برامجه وتوجهاته المستقلة نوعا ما، لكن واحدة من الأسئلة العالقة، التي ظلت حاضرة، هي معرفة الدوافع التي جعلتهم حين يتعلق الأمر بمعضلة إقليمية في حجم المشكل الصحراوي، الذي لا يزال يقف حجر عثرة أمام المغرب الكبير، يبدون على قدر صارخ من التعارض والتناقض، في ما بينهم في المواقف والخيارات، بشكل قد يفوق أحيانا حتى ما يبدو من تناقضاتهم واختلافاتهم العميقة مع بعض خصومهم المحليين، في بعض الخيارات والمواقف السياسية الأخرى. فحتى إن قبلنا جدلا أنه يوجد من بينهم من يقول على هذا الجانب مثلا، إن تلك الصحراء كانت وستبقى مغربية، وأن يوجد على الجانب الآخر من ينكر ذلك، فإنه سيكون من الصعب أن يقتنع أحد بصمت الباقين، وتسابقهم لدفن رؤوسهم في التراب، معتبرين أنفسهم غير معنيين بالمشكل. فأين هو الحد الأدنى إذن من الثوابت؟ وأين الالتقاء المفترض على المشتركات؟

إن انقسام الأنظمة المغاربية حول ملف الصحراء، قد يبدو أمام تلك الاختلافات مفهوما، وحتى مبررا لحد ما. أما التناقض بين وجهات نظر الإسلاميين، وبغض النظر ما إذا كانوا في الحكم، أم في المعارضة حول تلك القضية بالذات، فإنه يستعصي على التبرير، بل لعله قد يكون مؤشرا على وجود خلل منهجي وفكري داخلهم. فالثابت أن ما يجمع تلك الحركات هو أنها تعتبر أن الروابط الروحية والدينية هي أسمى الروابط، التي يمكن أن تشد شعوب المنطقة بعضها لبعض، مع أن ذلك لا يعني بالطبع نفيها أو إنكارها وفي المطلق لوجود روابط أخرى وطنية أو قطرية، قد ترجح كفتها هي أيضا في حالات.

علة ظهور معظم الحركات الإسلامية في المنطقة المغاربية، لم تكن الثورة على الأنظمة، بل محاولة إصلاحها بالتدريج

والسؤال المحدد هنا هو، أي مكانة تحتلها الأزمة الصحراوية في ترتيب سلم أولويات تلك الحركات؟ وهل إنها تعتبرها مشكلة ذات طابع ديني بحت، تتطلب مرجعيات شرعية للحل والعقد؟ أم أنها تراها معضلة سياسية، تتيح لها قدرا واضحا من المبادرة والمناورة مع سلطات الحكم؟ إن الرسالة المفتوحة التي بعثها حزب العدالة والتنمية المغربي في الخامس من الشهر الجاري، إلى رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية، قد تدل على وجود مأزق معياري، لا مناص من الإقرار به. فبعد أن نبه الحزب المغربي مما وصفه بـ»المنزلق الذي يسير فيه إسلاميو الجزائر، والذي يتنافي مع مبادئ وحدة الأمة والمصالح المشتركة والأخوة وحسن الجوار» شدد على أن «الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، أو القومية لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تؤيد أي حركة انفصالية في العالم العربي، أو الإسلامي، أو في غيره» ليضيف أن «سياسة الأطراف المناوئة للوحدة الترابية للمغرب معروفة عند الجميع، ولها دوافع تاريخية وجيوسياسية». ويستدرك بأن الحزب كان يتمنى «أن تبقى القوى الحية والأحزاب السياسية في منأى عن هذه السياسة التصعيدية العدائية، التي تؤدي إلى التفرقة بين أبناء الأمة الواحدة». والتعارض الواضح هنا هو بين منطقين يبدوان وكأنهما بالفعل على طرفي نقيض، وهما وحدة الأقطار وحقوق الشعوب، أي حاجة الدول أو الأمم للبقاء ككتلة وككيان متماسك من جانب، وتطلع الأفراد المشروع والطبيعي للتحرر والانعتاق من الجانب الآخر. ومن حيث المبدأ، فإن علة ظهور معظم الحركات الإسلامية في المنطقة المغاربية، إن لم يكن كلها، وحسب المعلن في برامجها على الأقل لم تكن الثورة على الأنظمة، بل محاولة إصلاحها بالتدريج. وبهذا المعنى فإن أي إخلال أو انحراف قد يحصل في باب الحريات الفردية أو الجماعية، داخل تلك الدول لا يجعل شعبا أو مكونا من المكونات في حِلٍّ من الالتزام بالحفاظ على وحدة الدولة، على اعتبار أن وحدتها هي جزء من وحدة إقليمية أكبر وأوسع.

والمفارقة الأكبر هي ليست فقط في تحول ذلك التجاذب بين الإسلاميين المغاربة والجزائريين إلى تراشق بيزنطي لا مخرج نهائي له، بل في اكتفاء باقي الإسلاميين المغاربيين في تونس وليبيا وموريتانيا، بمراقبته عن بعد، ومتابعة تطورات الملف من فوق الربوة، أي من دون أن يبذلوا جهدا للتقريب بين الأطراف، أو لحمل جهة على الإقرار بما يرونه الحل الشرعي والسياسي والقانوني العادل والمنصف للجميع. إن سلبيتهم تلك وإن كانت لا تصنع تشدد الطرفين المغربي والجزائري، وتمسك كل واحد منهما بأطروحاته، إلا أنها تزيد وبلا شك من تعميق الفجوة بينهما. وما يحرك ذلك للأسف الشديد، هو انخراطهم في منطق الحسابات، ورغبتهم في التماهي مع مواقف حكوماتهم بأي ثمن. أما متى يتوقف ذلك؟ فببساطة عندما يصوب الإسلاميون المغاربيون معا بوصلتهم نحو المشاغل الحقيقية لمنطقتهم، بدلا من أن يصوبها كل واحد منهم على انفراد، كما يحصل الآن نحو المسائل التي تعنيه فحسب.

*كاتب وصحافي من تونس

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...