طوق الصبابة والياسمين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

ذ . رشيد سكري

 

 

من بين الأشياء الجميلة ، التي تأسرني وتعلق بذهني ، وأنا أقرأ إبداعات واسيني الأعرج ، حضور تلك الصور التعبيرية ذات النبع الصافي كالحليب ؛ غايتها أن تقربنا أكثر فأكثر من نبض واقع فج يستعصي استضماره . فعلى المستوى اللغوي لا يتنازل واسيني ، في كثير من إبداعاته ، على معطفه الصوفي الشبيه بمعطف غوغول . الذي خبره جراء تجربته في الحياة واللغة والكتابة ؛ فهذه الروافد الثلاثة ، تأخذه خببا نحو ممارسة طقوس العشق والحنين والموت . إن في روايته ” طوق الياسمين ” محجة حقيقية نحو الصبابة والصب في اختراقهما الأزلي للأديان السماوية . ومن خلال الشوق نعبر نحو الكمال والتسامح ، الذي يضمن استمرارية الوجود البشري . غير أننا عندما نطل بكل هذا الزخم والحمولة العقائدية على الإبداع ، تكون رواية ” طوق الياسمين ” سباقة إلى إطلاق رصاصة الرحمة على فكرة الصراع بين الحب و الأديان .
بقايا بشر … أومن تلك القبور المنسية …

وقفت ” سلفيا “عاشقة الجمال والحب ، تنتظر عيد عشاب أن يبوح لها بكل أسرار العشق والحب . فكما ألفنا واسيني لا يستقيم عود حكيه ، إلا بالعزف على وتر التصوير ؛ الشبيه بلوحات فان كوخ البئيسة . وفي ذلك ، يجعل من الأدب أدبا حقيقيا ذا بعد تخييلي واسع الضفاف والأركان . يقول واسيني في رواية ” طوق الياسمين ” : ” هي هي لم تتغير كثيرا … واقفة على القبور المنسية ، مختبئة في المانطو الداكن الفضفاض ، وعلى رأسها قبعتها السوداء وشاش خفيف كان يغطي وجهها بالكامل ، مثلما تعودت أن تفعل كل جمعة منذ قرابة العشرين سنة “.

هذا الحاجز المتأصل في الذات ، بسبب غربة الأديان ، لم يثن عيد عشاب من البوح بأسرار الحب ، ووصف المكان الشاهد على اللقاءات المتكررة ، وفي ذلك إصرار على هذا الاختيار الصعب ، أو الموت في أحضان المحبوب . ففي القصتين عشق و قفز على المسـَلم والبديهي المألوف ، كأن يرفض السارد الارتباط الأبدي بعقد الزواج الذي سيربطه بمريم ، وهي التي منحته من الصبر ما يملأ الكون نورا وألوانا . فكان اختيارها ليس فعلا ؛ وإنما ردة فعل غالبا ما تكون بطعم الهزيمة والنكوص . فاستمرت العلاقة رغم زواج مريم ؛ مسك الخسارة .

ساروجا الحي الدمشقي الشقي القديم ؛ مهبط الوحي مهبط الأرزاء ، كانت تنزل فيه الوصايا العشر ، ولا شيء استطاع أن يقف أمام الطوفان الغادر … ” إياك ثم إياك أن تسلميه جسدك قبل أن يشتريه منك بعقد الزواج ” . لم تكن وصايا الأخت ” خيرة ” ، سوى طعنات في وجه الثقافة السائدة ، التي تنخر كالسوس ، المجتمعات العربية ، إنها علاقة غير متكافئة بين فاعل ومفعول به . الآخر ، هكذا كما قال جون بول سارتر ، الجحيم ؛ كوابيسُ أحلام متناثرة على حافة طريق الموت . عيد عشاب ، في طوق الياسمين ، لا تستقبله سيلفيا ، كما تستقبل مريم السارد ؛ فالابتسامة لا تفارق محياها طمعا في القادم الناشئ . تتركين الابتسامة ، أيتها المغرورة ، تتزحلق على وجهك كالموجة البحرية الهاربة ، في هذه العبارات يسكن العشق و النور ؛ لكن الموت يخطف العناصر ، ويحد من الوهم . إنه لحظة الحقيقة ، التي يواجهها المرء دون خوف أو وجل أو تردد ؛ هذا ناموس من نواميس سيد المتصوفة وقيصرها العملاق كالطود العظيم ؛ محي الدين بن عربي .

فالموت موتان ؛ موت ابن عربي و موت عيد عشاب ، إذا ما كان للعبور معنى يرتجيه نحو المعبر الآخر . يقول واسيني ” لا يتذكر أحدا إلا جده ، شيخ حي الزاوية وابن عربي ومأساة الحلاج و سيلفيا وبؤس الأديان ” ، هذه عناصر الكون يخلق منها أحلاما وكوابيس ، مارة عبر ما تفعله الفلسفة الوجودية بالمتفلسفين الجدد ، والأسئلة الحارقة التي تتناسل في عباءة دونكشوت ديلامنشا . إنها الخسارة التي ركبتها مريم ، ستتعلم من المطحنة ، ما تعلمه حنا مينه من مدرسة الحياة ، وهو في جوف الشارع يعب برد ديسمبر المطير . وأكيد أن مريم ستسدل ، على ركح أسودَ ، ستارها الأخير .
كان رُوَاء ” طوق الياسمين ” يطل عبر الأشـُنة و الغياض ؛ مساحات شاسعة من الصبابة والكلام . فمن أجل أن يحس القارئ بثقل المحكي ، وعبوره الآمن نحو الحقيقة المنسدلة على رقعة الفناء ، استعان واسيني بالفن السابع منتصف الستينيات من القرن الماضي . فما كان فيلم ” الصحراء الحمراء ” لبطلته الممثلة الإيطالية مونيكا فيتي ، إلا صورة لما يعيشه عيد عشاب و سيلفيا من اضطرابات الحياة الشخصية ، وصدامها مع واقع حرون وقاس .

من هذه الحدوس جميعها ، صور ساقها واسيني الأعرج ، عبارة عن تشبيهات واستعارات نحيا بها في حياتنا اليومية ، غير بعيدة عن المألوف والاعتيادي ، قريبة من أجسادنا ، خصوصا عندما نهتف بأعلى صوتنا في وجه هذا الظلم ، في وجه هذا الفساد . بحي الإطفائية مناضل غريب المظهر ، يقول واسيني ” تتدلى منه لحية حمراء كثة ، وشاربان طويلان مثل فلاح لبناني” ، في اللون كشف للهوية ، أهي إسلامية أم غير ذلك ؟ الهوية هي الهوية الله معك . نتدلى عبر مسارات منحدرة في الحكي ، نحو هذا العمق الأزلي ، بيد أننا نحس بالغبن والشماتة ، بلاد العرب أوطاني ، نشيد رددنا تفاصيله قديما ومنذ الصغر.

رواية ” طوق الياسمين ” لم تكن للصبابة والحب فقط ؛ وإنما تحفر فينا أخاديد ابن عربي والحلاج . وبها تنكشف الذات أمام ذاتها و الصورة أمام صورتها و الهوية المنسية أمام هويتها . إننا ، بذلك ، أمام التحول في العزلة والغربة ، وما ينتج عنهما من ظلم وحسرة وفراق وموت.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...