بقلم : د. ربيع العايدي.
إن الحديث عن التراث والتجديد ، وأسباب التقدم وكيفيته؟ والتخلف والتطور ؟ كيفيته وأسبابه ؟ والعلاقة بين الشرق والغرب؟ هذه الإشكالات وغيرها كانت حافزا لدى كثير من المفكرين والمثقفين لمحاولة الجواب عن ذلك ، وكانت الدراسات من جميع المذاهب والتيارات الفكرية ،وكانت تتفاوت رؤاهم ونظراتهم في الجواب عن هذه الأسئلة والأطروحات المهمة . ولا ينكر أحد أنه ومنذ زمن وما زالت هناك حلقات تحتاج إلى مراجعة ومناقشة وحوار ، مع أن قسما كبيرا من العلماء اتفقت كلمتهم على لزوم تنقيح التراث من حيث الشكل والمضمون ، مع التأكيد على الفرق بين الأصول والفروع ، وكانت لهم جهود محترمة سواء في مجال الحديث وتنقيح الأحاديث رواية ودراية، ونفي الإسرائيليات التي وردت في كتب التفسير ، وفي الفقه بمراجعة كثير من أبوابه ، وفي العقيدة بتنقيح أدلتها ، ومراجعة كتابات المتقدمين ، والمتأخرين ، والعمل على إيجاد خطاب عقدي علمي معاصر ، وقد يكون من أشهر هؤلاء العلماء ( الشيخ الكوثري، والشيخ الغماري، والشيخ الطاهر ابن عاشور) ،وما زالت الجهود بتنقيح التراث حاضرة إلى يومنا هذا .
لا نزعم بأن عمليات التنقيح وصلت إلى درجة مرضية ،فهي دعوة أن ينهض العلماء في كل وقت بإعادة التنقيح والمراجعة .
لقد تحمل مسؤولية الجواب عن هذه الإشكالات أصحاب مشروع “التراث والتجديد “، وكلامي اليوم سيكون ( ضمن عدة مقالات) مع واحد ممن أخذ على نفسه الجواب عن هذه الجدليات الصعبة ، وهو د. حسن حنفي،
معتبرا أن “التراث الإسلامي” وبجميع مكوناته ” العقيدة ،وعلم الكلام ،واصول الفقه ،والفقه ، والتفسير ،..” سبب في المشكلة والتخلف والانحطاط الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية بجميع مكوناتها .
التراث عنده لا يختلف عن مفهوم التراث الشعبي، أوالفني، وكذلك يقابله التراث الديني ،فالتراث الديني في نظرياتهم مجرد معطى تاريخي يقبل التهميش أو التغيير برمته . !!
فالتراث يعبر عن الواقع الذي كان فيه ، لا يمثل اهتماما ولا قدسية ابدا بكل ما يحويه من فقه واصول فقه وأصول العقيدة وعلم الكلام وغيرها …. !
فمفهوم التراث عندهم يعكس الواقع المعاش في زمنه ،كغيره من أشكال التراث ،وعليه لا ثبوت في التراث إذ هو يتغير بتغير الواقع ، واي تغيير سيكون هو لصالح الواقع لا التراث . فالتراث لا يستمد اي قيمة الا من الواقع .
لقد عمل د. حسن حنفي على التركيز على فكرة الواقع في جميع كتبه لانها مسألة أصلية بالنسبة لديه .
فيستدل لتأكيد أن التراث الديني صاغه زمنه، ووقته، وليس له أي بعد آخر كأن يكون له في ذاته قدسية أو ارتباط ببعد إلهي. فيمثل لنا بأمثلة كثيرة منها :
الناسخ والمنسوخ ، والمكي والمدني ، وأسباب النزول وأن القرآن الكريم كان ينزل بما يتوافق مع الواقع ويتكيف معه .
والواقع عند د.حسن حنفي ، ليس العلم الإلهي ولا اللوح المحفوظ ، وإنما التجربة الإنسانية من الحياة والتاريخ .
وكثيرا ما يؤكد على قضية أسباب النزول حتى أنهم يصور للقارئ وكأن القرآن الكريم كله كان نتيجة الحوادث .
وكلام أصحاب ( التراث والتجديد ) وعلى الخصوص د. حسن حنفي ،يخلو من الدقة والموضوعية في كثير من الأحيان .
لأن الإنسان يتوجه إلى الواقع لإصلاحه ،ولا يمكن الانسياق خلف الواقع بالعمل على تطويع كل المبادئ والقيم لخدمة الواقع ولو على حساب تغييرها أو العبث بها ، لأننا نعلم أن الواقع نفسه قد يكون فاسدا ، وإلا ما فائدة النهضة والأخلاق التي ينادي بها أصحاب مشروع التراث والتجديد .
والصحيح أن نقبل بأن الشريعة تنظر لإقامة الحياة ،وليس للتماشي مع الواقع ، وفرق بين حفظ الحياة والتماشي مع الواقع ، لأن الحياة كمفهوم مقدسة في الشرائع كلها لذا كانت الشرائع السماوية تحافظ على الحياة بمنهج وأخلاق ومبادئ ، أما الواقع فقد يكون وبالا وسخطا على الحياة .!
وأما إظهارهم وكأن القران كله أو غالبه كان ينزل للحوادث ، فهذا توهم باطل تنبه له ابن عاشور فقال : ” وبئس هذا الوهم ،فإن القرآن جاء هاديا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح ، فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام ” فالوحي عند د. حسن حنفي ، يرتبط بالواقع أن اشتد الواقع زاد نزول الوحي ! ويتصور أن الوحي جاء يخدم الواقع .
والصواب : بأن تصويب الواقع يكون على حسب الوحي ،ان الوحي ( القرآن) مؤثر في الواقع حاكم عليه ، وليس العكس ،لذا كان القرآن بنزل لتغيير الواقع .
وتناول د. حنفي ، العقيدة الإسلامية ، وعلم الكلام بالطعن عبر كتابه الموسوم ” من العقيدة إلى الثورة ” وخلال خمسة أجزاء ، وكان الاولى تسمية كتابه ( بالثورة على العقيدة ) .
ففي حديثه عن الذات الإلهية وفي الجزء الأول من كتابه يرى أن الذات الإلهية لا يمكن التحقق منها لأنها فوق الإدراك بكل أنواعه ، فيقول مصرحا : ” وبعبارة منطقية نقول إن ذات الله مفهوم بلا ما صدق ” ويرى في نفس الصفحة لا يمكن لذات الله تعالى أن تكون موضوعا لأنها غير متصورة ،والله مطلق ، والعلم مهما كان هو نسبي .
ويزيد في التفصيل ليقول بما حاصله إن ذات الله تعالى التي لا يمكن تصورها ، لا يمكن أيضا التعبير عنها ،لأن اللغة الإنسانية لا تعبر الا عما هو انساني ومدرك ومتصور ؟!
وكلام د.حسن حنفي ، حول الذات الإلهية خطير جدا خاصة إذا أضفنا إليه عباراته التي تصرح بأن أصول العقيدة ليس لها صدق في ذاتها وانما صدقها مستمد من انعكاسها على الواقع .
نعود إلى كلام الدكتور حنفي عن الذات الإلهية ، ويمكن أن نجيبه :
بأن ذات الله تعالى له ماصدق خارج الذهن ، لأن الخارج كما هو معلوم قد يكون ماديا أو غير مادي ،هذا اولا ، ثانيا : إن لله تعالى وجودا حقيقيا ووجوده موضوع للعلم ، والمقصود من العلم به هنا العلم العقلي لا الحسي .
وأما القضية الثانية التي طرحها د. حنفي ، فإن لفظ الله محدود الدلالة لغة ، بينما مدلوله مطلق .
نكتفي بهذا القدر .
الاردن، عمان .





