قبل أسابيع قليلة من انطلاق المهمة التاريخية “أرتميس-2” (Artemis 2)، خطرت للمصور الفلكي الشهير “أندرو مكارثي” فكرة جريئة مفادها: ماذا لو تمكن رواد الفضاء من تصوير القمر بنفس التقنية الاحترافية التي يستخدمها من الأرض؟
لم يتردد مكارثي في إرسال رسالة مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى قائد المهمة رائد الفضاء “ريد وايزمان”، ورغم ضيق الوقت، جاء الرد سريعا بالموافقة؛ ليبدأ تعاون هو الأول من نوعه بين ناسا وفنان هاو متخصص في تصوير الأجرام السماوية.
فقد انطلقت مهمة “أرتميس-2” في الأول من أبريل/نيسان 2026، حاملة أربعة رواد فضاء في رحلة استمرت عشرة أيام حول الجانب البعيد من القمر. ووصف رواد الفضاء، ومنهم “كريستينا كوخ” هذا الجانب بأنه “أكثر الأشياء مهابة ورعبا مما أحببتُه يوما”.
يكمن سر هذا التعاون في رغبة مكارثي في تقديم صور لا تحاكي الرؤية البشرية المحدودة، بل تعتمد على تقنية “المطيافية القمرية”. يقول مكارثي: “أريد أن أريك القمر كما لو كنت تملك رؤية خارقة أو عيونا سيبرانية، حيث يمكن للكاميرا أن تلتقط فروق الألوان الدقيقة التي تعجز خلايا أعيننا عن تمييزها”.
تقنية التكديس.. سلاح المصور في مواجهة “الضجيج”
تعتمد منهجية مكارثي على تقنية “التكديس” (Stacking)، وهي دمج مئات أو آلاف الصور لنفس المشهد فوق بعضها البعض. والفائدة العلمية والفنية من هذه العملية هي زيادة “نسبة الإشارة إلى الضجيج”.
وبما أن “الضجيج” في الصور هو تشويه عشوائي، فإن عملية دمج الصور تؤدي إلى تلافي هذا التشويه وظهور تفاصيل ناعمة وعميقة.
وعلى عكس ما يعتقده البعض بأن هذه الألوان هي “تلوين فني”، أكد مكارثي أن هذه الألوان حقيقية وتعكس التركيب الجيولوجي لسطح القمر؛ فالبازلت الغني بالتيتانيوم يميل للون الأزرق، بينما تظهر التربة الغنية بالحديد أو المواد المعرضة لعوامل التعرية الفضائية بظلال من اللون البني والأحمر.
الجانب البعيد في أنقى صورة عرفها التاريخ
خلال الرحلة، اتبع القائد “وايزمان” خطة وضعها مكارثي بالتعاون مع فريق التصوير في “ناسا”، حيث التقط رشقات من الصور بتعريضات ضوئية مختلفة خلال التحليق القريب. وما أدهش مكارثي عند معالجة البيانات هو “نقاء” الصور بشكل يفوق كل ما عمل عليه سابقا من الأرض.
ففي كوكبنا، يسبب الغلاف الجوي تشتتا للألوان ويضيف مسحة لونية غريبة، مما يضطره لالتقاط آلاف الصور للحصول على نتيجة مقبولة. أما في الفضاء، وبسبب انعدام الغلاف الجوي، كان تكديس 10 إلى 15 صورة فقط كافيا لإنتاج صورة تفوق في جودتها فسيفساء مكونة من آلاف الصور الأرضية.
وقد وصف مكارثي هذه البيانات بأنها “الأنقى والأفضل في مسيرتي المهنية على الإطلاق”.
إرث “أرتميس” العلمي وتحدي المستقبل
منذ هبوط الكبسولة “أوريون” (Orion) يوم 10 أبريل/نيسان 2026، أصدرت ناسا أكثر من 12 ألف صورة التقطها الرواد. ولا يزال مكارثي يغوص في هذه الكنوز البصرية، واعدا بنشر صور أكثر تفصيلا للمرتفعات القمرية في القريب العاجل.
هذا التعاون يثبت أن الاستكشاف البشري للفضاء لا يهدف فقط لجمع الصخور، بل لإعادة صياغة علاقتنا البصرية مع الكون، فصور “أرتميس-2” ليست مجرد توثيق لرحلة، بل هي جسر علمي يربط بين احترافية التصوير الفوتوغرافي وبين أحدث تقنيات التحليل الجيولوجي عن بُعد، مما يفتح آفاقا جديدة لهواة الفلك والعلماء على حد سواء لفهم كوكبنا التابع برؤية “سيبرانية” لم تكن ممكنة من قبل.
المصدر: الجزيرة





