*دكتور محمد براو
مقدمات مفاهيمية لابد منها
الديموقراطية
في النموذج الديموقراطي المثالي: الشعب صاحب القرار يحكم نفسه بنفسه أي يمارس السلطة بطريقة مباشرة من خلال الديموقراطية المباشرة؛ لكن محك الممارسة الديموقراطية على امتداد الأحقاب والعصور، أفرز ظهور نماذج جديدة وطرائق مستحدثة، بعضها مندمج: بدءا بالطريقة شبه المباشرة من خلال الديموقراطية نصف المباشرة؛ ومرورا بالطريقة غير المباشرة من خلال الديموقراطية التمثيلية؛ وانتهاء بالطريقة التشاورية من خلال الديموقراطية التشاركية. في الحالة الأخيرة الشعب ليس صاحب القرار بل يكتفي بالمشاركة في عملية اتخاذ القرار وقد تكون المشاركة استشارية كما قد تكون أحيانا تقريرية. فإذا كانت الانتخابات تعطي الفرصة لمحاسبة المسؤولين الفاسدين أو المقصرين، فإن هناك وسائط أخرى لا تنفصل عن الممارسات الديموقراطية، تفتح المجال لمشاركة المواطنين في مسار اتخاذ القرارات ذات الصلة بإعداد وتنفيذ السياسات الحكومية ومراقبتها وتقييمها بواسطة طرق غير الطرق الانتخابية كالجمعيات والحركات التعبوية وأنشطة المرافعة والعرائض وغيرها. وبالنتيجة، يستفيد المسؤولون الحكوميون من حيث ترسيخ الشرعية، ذلك أن مفهوم الشرعية بالمعنى السوسيو-سياسي والفلسفي العميق ليس سوى مرادف للانخراط الإيجابي للمجتمع في شؤون الحكم وإدارة الشأن العام والرضا الطوعي بأسلوب هذه الإدارة. ومن هنا نفهم مصطلح التفويض الديموقراطي أو التفويض الشعبي أي الحكم باسم الشعب ومن أجله. لكن إدارة الشأن العام، تحيل على البعد التدبيري للحكم أي ما يسمى إدارة الحكم: والوصف الآخر لإدارة الحكم هو “الحكامة”، أو الحوكمة حسب المتعارف عليه في التداول المشرقي.
الحكامة
ما الحكامة؟ الحكامة وسيلة وليست غاية: هي عبارة عن مسار أو مسلسل Process من خلاله تمارس السلطة بدون تحديد معلن للأهداف المنشودة، أي أن الحكامة منهاج وأسلوب “حياديان”؛ هي تقنية في التنسيق والتنظيم والحوار والتشاور ثم في صنع القرار واتخاذه؛ وليست غاية بحد ذاتها، ينصرف موضوعها إلى الطرق والآليات وليس إلى الأهداف والغايات. وإذا كانت الحكامة كذلك فإن الحكامة الجيدة (=الرشيدة)، أي بإضافة نعت الجودة أو الرشد، تنطوي على تعاريف برغماتية متعددة ومتفاوتة الدرجة والأبعاد، تنهل من عدة مصادر وترتبط بمجالات أو أغراض أو سياقات قطاعية أو تدبيرية متنوعة: الاقتصاد، المال، الإدارة؛ التراب، الأمن… إلخ. وتروج لها عدة مؤسسات دولية كل حسب أغراضه وأولوياته. وينصرف وصف الرشد أو الجودة (الحكامة الرشيدة أو الجيدة) الذي يقترن بمصطلح الحكامة بحسب زاوية نظر ومصلحة كل جهة من الجهات المذكورة.
العلاقة المرتبكة بين الديموقراطية والحكامة عندما تريد هذه الأخيرة أن تكون جيدة أو رشيدة
المشكلة في العلاقة بين الحكامة والديموقراطية أن هناك ما يشبه عدم التجانس أو التوافق بين المفهومين. ففي البلدان السائرة في طريق النمو كالمغرب، ينظر للحكامة، أو هكذا يجب أن يكون، باعتبارها ذلك النهج المتبع في إدارة الشأن العام من خلال السير وفق إيقاع يتوافق موضوعيا وزمنيا، مع هدف إصلاح الدولة، بحيث يكون واحد من نتائج هذا التوجه هو “تسريع أو ترسيخ المسار الديموقراطي “. تقدم إيزابيل روسو مرافعة مقنعة في هذا الصدد قوامها خلاصة مثيرة للانتباه ومؤداها وجود نوع من التناقض في الأوصاف والمعاني بين الحكامة ( عندما تريد أن تكون رشيدة) من جهة والمسار الديموقراطي من جهة أخرى؛ بحيث يبدو من وجهة نظرها أن أهم هدف للحكامة -بوصفها جيدة – هو التوفيق بين نوعين من المتطلبات المتناقضة: فمن جهة تحاول الحكامة التحفيز على الاستشارة التعددية من أجل تقوية وتحسين العمل السياسي للدولة، بينما من الجهة الأخرى يبدو وكأنها تخفض أو تحد من نطاق هذه التعددية من خلال تقليص جوانبها غير المفيدة بالنسبة لبلوغ هدف النجاعة (=الكفاءة)؛ ولعل من شأن هذه العلاقة المتوترة بين الديناميتين المذكورتين أن تنطوي على “علاقة جديدة بالسلطة “؛ أي بعبارة أخرى فإن تبني وتطبيق نهج “جيد” للحكامة في تدبير السياسات العمومية يؤدي حتما إلى ضبط إيقاع المسار الديموقراطي، بمعنى أن المشاركة الديموقراطية الواسعة في إدارة الشأن العام وفي النقاش العمومي، بخصوص السياسات العمومية المتعلقة بتنظيم الاقتصاد وتوزيع الثروة وتنظيم العمل، لن تكون ممكنة وعملية من وجهة نظر برغماتية.
الحكامة والحكامة الجيدة
الحكامة هي إذن وفي المحصلة ذلك المسلسل أو المسار المتبع في اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام وفي تطبيق هذه القرارات أو تعديلها أو التراجع عنها.
والحكامة الجيدة هي مصطلح غير محدد المعنى يستعمل في أدبيات التنمية الدولية لوصف كيف تتولى مؤسسات الدولة ومرافقها العمومية البحث عن أفضل السبل وأقلها كلفة في تدبير الشؤون العامة وإدارة الموارد الاقتصادية والمالية للبلد في سبيل التنمية المستدامة.
والجدير بالتذكير فإن التعريفات تختلف باختلاف الرؤى وتتضمن معاني متقاطعة أحيانا ومتمايزة أحيانا أخرى، حسب الجهة ذات العلاقة، إن كانت مؤسسة مالية أو تنموية، دولية أو وطنية ذات آفاق دولية، تنتمي لدول بعينها كأمريكا أو بريطانيا أو فرنسا مثلا أو جهة فكرية من قبيل رواد فكر الحكامة ذوي الآراء التي تعج بها أدبيات التنمية الدولية.
الحكامة الديموقراطية الجيدة
مبدئيا، الديموقراطية لا تنمو وتزدهر إلا في ظل حكامة “رشيدة” أو “جيدة”، وتعتبر الحكامة الجيدة وفق توصيات الأمم المتحدة من مقتضيات تدعيم وتقوية النهج الديموقراطي، ولكي تتصف الحكامة بصفة الجودة أو”الرشد” وهذه الصفة الأخيرة، من وجهة نظرنا، أدق وأعمق وأوسع وأنبل من صفة “الجودة” ذات البعد المادي الكمي، فعليها أن تخضع للمعايير والمتطلبات الأربعة التالية على الأقل:
1- صياغة منظور بعيد المدى لتطوير المجتمع والنهوض بموارده، مع ضمان وضوح الرؤية في تحديد الخطط ورسم البدائل والقدرة على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية، الحالية والمستقبلية: إنها الرؤية الاستراتيجية، التي إذا نحن حددنا توجهاتها بدقة ووضوح فيجب أن يحصل توافق واسع حول الإجراءات العملية المتخذة من أجل تنفيذ هذه التوجهات؛ من خلال آلية المشاركة المقننة والمجدية، بعيدا عن المهاترات والتناحرات الحزبية أو القبلية أوالجهوية أو المصالحية والبحث عن أفضل الصيغ لتصريف المنازعات في أفق تنعيم تضارب الأجندات وتنافسها.
2- ضمان التدفق والتبادل الحر للمعلومات، بحيث تصبح المؤسسات الحكومية ومعاملاتها وحساباتها متاحة بصورة مباشرة لكل المعنيين بها بمن فيهم المواطنون: إنها الشفافية، وما تقتضيه من تقليص لأثر الأنظمة الموازية والتوافقات الباطنية وممارسات الظل.
3- وجود نظام متكامل للرقابة والمحاسبة والمساءلة وإمكانية تطبيق هذا النظام على جميع متخذي القرار: إنها المحاسبة ودورها في محاصرة آفة التهرب من الحساب والإفلات من العقاب.
4- ضمان أن تكون المنظومة القانونية عادلة وفوق الجميع وأن يتم تطبيقها بنزاهة؛ أي حكم القانون: بعيدا عن الحكم الفردي في السياسة، واحتكار الثروة في الاقتصاد، والتدبير البيروقراطي (بالمعنى السلبي وليس بالمعنى العقلاني الفيبري، نسبة إلى ماكس فيبر) في الإدارة؛ فضلا عن استقلال وفعالية القضاء.
أية حكامة جيدة مناسبة؟
لكن أية حكامة جيدة تناسب الدول السائرة في طريق النمو؟ إنها الحكامة الجيدة المرتبطة بمفهوم التنمية، والتنمية البشرية على الخصوص، فهي التي تلائم – حسب إجماع أدبيات التنمية الدولية- خصوصيات دول العالم الثالث السائرة في طريق النمو ومنها المغرب، وهي التي تتبناها مؤسسة دولية محترمة اسمها: البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، تعني الحكامة وفق هذا المنظور: “كيفية ممارسة السلطة” (أو إدارة الحكم)؛ أي أنها لا تنصرف إلى نموذج تكوين السلطة للبحث عن مصادر شرعيتها، وهو باب عالجته نظريات الفكر السياسي والفلسفة السياسية، وفي كليات الحقوق يشكل موضوعا لعلم القانون الدستوري وعلم السياسة وعلم الاجتماع السياسي؛ بل الممارسة العملية للسلطة بأبعادها السياسية العملية، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في تدبير شؤون البلد على كافة المستويات وتسمى “جيدة” عندما تتقمص مجموعة من المعايير الآئلة إلى تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة؛ وهذا الموضوع ينتمي لمبحث “الحكامة التنموية”.
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والدولية،
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
حصريا جميع حقوق النشر محفوظة





