أطلقت مجموعة سافران الفرنسية مرحلة جديدة من توسعها الصناعي في المغرب، بعدما أعطت، انطلاقة أشغال توسيع مصنعها التابع لـ”سافران إلكترونيكس آند ديفانس” بالنواصر، باستثمار يبلغ 350 مليون درهم في مشروع يضيف 17 ألف متر مربع إلى الطاقة الصناعية للموقع ويضم 15 خط إنتاج جديدا ويفتح الباب أمام إحداث 500 منصب شغل خلال السنوات الخمس المقبلة، في خطوة تعكس انتقال منصة الطيران المغربية من مرحلة الاستقطاب الصناعي إلى مرحلة تعميق القيمة التكنولوجية داخل سلاسل الإنتاج العالمية.
ويتعلق الأمر، باستثمار جديد داخل واحد من أكثر القطاعات الصناعية حساسية وتقدما إذ يرتبط الأمر بتجهيزات إلكترونية موجهة لصناعة الطيران، تشمل المشغلات، وحواسيب الطيران، وأنظمة القياس، وهي مكونات تدخل في صميم الطائرات الحديثة وتخضع لمعايير دقيقة في الجودة والسلامة والاعتمادية التقنية.
وقد تم الإعلان عن الأمر أمس الأربعاء، في حفل إطلاق الأشغال بحضور وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، ورئيس “سافران إلكترونيكس آند ديفانس”، فرانك سودو، والمدير العام للفرع المغربي، لوران فيغاري، وعامل إقليم النواصر، جلال بنحيون، وسفير فرنسا بالمغرب، فيليب لاليو، بما أعطى للمشروع بعدا يتجاوز الاستثمار الصناعي المباشر إلى تأكيد الثقة المتبادلة بين المغرب وإحدى أكبر المجموعات العالمية في صناعات الطيران والدفاع والإلكترونيات المتقدمة.
وقال وزير الصناعة والتجارة إن وضع الحجر الأساس لهذا المشروع يعكس التطور اللافت الذي يعرفه قطاع الطيران بالمغرب، ويؤكد نضج المنصة الصناعية المغربية وتنافسيتها وجاذبيتها بالنسبة للمجموعات الدولية الكبرى، معتبرا أن تعبئة 350 مليون درهم لهذا المشروع تجسد شراكة تاريخية ومتينة بين المملكة ومجموعة سافران، وتشكل في الوقت نفسه إشارة قوية إلى الثقة التي راكمتها المجموعة في البيئة الصناعية المغربية.
وتأتي هذه التوسعة في سياق يعرف فيه قطاع الطيران العالمي ضغطا متزايدا بسبب ارتفاع الطلب على الطائرات ومكوناتها وخدمات الصيانة، بعد عودة حركة النقل الجوي إلى مستويات قوية وتزايد حاجيات كبار المصنعين العالميين إلى توسيع سلاسل التوريد إذ تسعى سافران إلى تعزيز مواقع إنتاجها خارج فرنسا وأوروبا التقليدية ليس فقط بحثا عن الكلفة التنافسية، بل أيضا عن منظومات صناعية قادرة على احترام معايير الجودة والآجال والتكوين.
وسيستقبل المبنى الجديد بالنواصر 15 خط تصنيع، صممت وفق مبادئ “مصنع المستقبل”، بما يعني اعتماد تنظيم صناعي أكثر رقمنة ومرونة وقدرة على تتبع العمليات، مع إدماج حلول تهدف إلى تقليص استهلاك الموارد والحد من الأثر البيئي للأنشطة الصناعية وهذا المعطى مهم لأن صناعة الطيران لم تعد تركز فقط على الرفع من الإنتاج، بل أصبحت مطالبة أيضا بخفض البصمة الكربونية وتحسين كفاءة العمليات داخل المصانع وسلاسل التوريد.
ويعزز هذا المشروع موقع النواصر داخل الخريطة الصناعية لسافران، إذ أصبح منصة تستقبل برامج جديدة وتنتج معدات ذات قيمة تكنولوجية عالية لفائدة كبار المصنعين الدوليين فيما أكدت المجموعة الفرنسية أن هذا التوسع يروم مواكبة ارتفاع الطلبيات العالمية واستيعاب برامج جديدة ستسند إلى الموقع المغربي، ما يعني أن المغرب بات يدخل تدريجيا في حلقات أكثر تقدما من صناعة الطيران، تتجاوز الأسلاك والتركيب إلى الإلكترونيات والأنظمة المدمجة والمعدات الحساسة.
وقال فرانك سودو إن المشروع الجديد يأتي امتدادا لأكثر من 25 سنة من الحضور الصناعي لسافران في المغرب، وهي فترة سمحت لموقع النواصر باكتساب مكانة استراتيجية داخل الجهاز الصناعي للمجموعة، بفضل الكفاءات التي تم تكوينها محليا والثقة التي بنيت مع الشركاء الوطنيين ما يكشف أن رهان المجموعة على المغرب أصبح جزءا من هندستها الصناعية الدولية.
وأكدت أرقام سافران نفسها هذا التحول، فالمجموعة حاضرة في المغرب منذ سنة 1999، وتشغل اليوم أكثر من 4800 مستخدم موزعين على عشرة مواقع داخل المملكة، فيما تشكل النساء 70 في المائة من مجموع العاملين في فروعها المغربية وتقدم هذه الأرقام صورة عن وزن سافران داخل منظومة الطيران الوطنية باعتبارها مستثمرا أجنبيا كبيرا وبوصفها أحد الفاعلين الذين ساهموا في بناء قاعدة كفاءات مغربية متخصصة في مهن دقيقة وذات محتوى تكنولوجي مرتفع.
وبدأت سافران مسارها في المغرب من خلال “سافران إيركرافت إنجن سيرفيسز موروكو”، وهي شركة أحدثت بشراكة مع الخطوط الملكية المغربية لصيانة محركات الطائرات ومنذ ذلك الوقت، اتسعت أنشطة المجموعة لتشمل المحركات، والأسلاك وحاضنات المحركات والمعدات الإلكترونية وأنظمة الدفاع وخدمات الهندسة، بما جعل المغرب واحدا من أهم مواقعها الصناعية خارج أوروبا.
وتكتسب التوسعة الجديدة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد سلسلة إعلانات صناعية كبرى لسافران في المغرب، فقد أعلنت المجموعة في أكتوبر 2025 عن استثمار يفوق 350 مليون أورو في مشروعين مرتبطين بمحركات LEAP، يشملان ورشة للصيانة والإصلاح وموقعا لتجميع محركات LEAP-1A الخاصة بطائرات إيرباص، على أن تكون وحدة التجميع الوحيدة من نوعها خارج فرنسا كما جرى الإعلان في فبراير الماضي عن مشروع مصنع جديد لمعدات الهبوط باستثمار يناهز 280 مليون أورو قرب الدار البيضاء ما يعكس تسارع تموقع المغرب داخل الاستراتيجية الصناعية العالمية للمجموعة.
وهذه المشاريع المتتالية، تبرز كيف أن المغرب بات يتحول إلى قاعدة إنتاج متكاملة داخل منظومة سافران تشمل الصيانة والتجميع والمعدات والإلكترونيات والأنظمة التقنية بما يمنح المملكة موقعا أكثر تقدما داخل سلسلة القيمة الجوية العالمية، كما أن تزامن هذه المشاريع مع توسعة مصنع “سافران إلكترونيكس آند ديفانس” بالنواصر يبين أن المجموعة تراهن على المغرب ليس فقط في صناعة الطيران المدني، بل أيضا في المكونات ذات الصلة بالأنظمة الإلكترونية عالية الدقة.
وعلى مستوى التشغيل، يرتقب أن يحدث المشروع الجديد 500 منصب شغل خلال خمس سنوات، أساسا لفائدة المهندسين والتقنيين وأعوان الإنتاج وسترفع هذه التوظيفات حجم الموقع إلى أكثر من ضعف مستواه الحالي خاصة أن فرع “سافران إلكترونيكس آند ديفانس موروكو” انتقل وفق مديره العام لوران فيغاري، من 190 مستخدما إلى أكثر من 450 مستخدما، بينما تضاعف عدد ساعات الإنتاج بأكثر من الضعف خلال الفترة نفسها.
ولا يقتصر أثر هذه المناصب على العدد فقط، بل يتعلق بطبيعة الوظائف التي سيتم خلقها فالمشروع يستهدف مهن التصنيع والمراقبة والجودة والطرق الصناعية والهندسة والإشراف التقني، وهي وظائف تفرض مستويات تأهيل مرتفعة وتكوينات دقيقة، ما يجعل أثرها أعمق من مجرد خلق فرص عمل مباشرة، لأنها تساهم في بناء رأسمال بشري صناعي قابل للانتقال داخل منظومة الطيران المغربية.
ولهذا السبب، تعتمد الشركة على التعاون مع معهد مهن الطيران ومعهد مهن الطيران واللوجستيك المطاري، من أجل تكوين الموارد البشرية القادرة على مواكبة حاجيات الموقع، وتشمل هذه التكوينات الإلكترونيات المدمجة، والتجميع الدقيق، ومراقبة التجهيزات، وصيانة معدات الطيران، وهي تخصصات تعكس طبيعة التحول الجاري داخل الصناعة المغربية من عمليات تركيب كلاسيكية إلى مهن ذات محتوى تقني أعلى.
ويأتي هذا المشروع في لحظة يعرف فيها قطاع الطيران المغربي دينامية متقدمة فبحسب معطيات منشورة حول القطاع، أصبحت المنظومة الجوية المغربية تضم نحو 150 شركة وتحقق صادرات تقارب 2.6 مليار دولار مع آلاف الوظائف المباشرة بينما تشير معطيات أحدث إلى أن صادرات القطاع بلغت حوالي 26 مليار درهم سنة 2024 قبل أن ترتفع إلى نحو 29 مليار درهم سنة 2025 فيما ورغم اختلاف الأرقام بحسب تاريخ النشر ومصدر الإحصاء، فإن الاتجاه العام واضح أي أن قطاع الطيران المغربي تحول إلى أحد أعمدة الصناعة التصديرية في المملكة.
وتكمن قوة هذا القطاع في تمركزه داخل منظومات صناعية متخصصة، خصوصا في جهة الدار البيضاء-سطات ومحيط النواصر وميدبارك، حيث تتقاطع القرب من المطار والبنيات الصناعية المجهزة وحضور مؤسسات التكوين ووجود موردين ومناولين قادرين على تلبية حاجيات الشركات الكبرى، وهذه العوامل هي التي جعلت المغرب قادرا على جذب فاعلين من وزن سافران وبوينغ وإمبراير وكولينز إيروسبيس، في سياق منافسة دولية قوية على استقطاب الاستثمارات الجوية.
وتظهر أهمية هذا التوسع أيضا في كونه ينسجم مع الرهان المغربي على رفع نسبة الإدماج المحلي داخل الصناعات التصديرية، فكلما توسعت أنشطة شركات مثل سافران داخل المغرب زادت الحاجة إلى موردين محليين ومناولين متخصصين وشركات خدمات هندسية ولوجستية ما يسمح تدريجيا بتوسيع قاعدة القيمة المضافة المحلية، بدل الاكتفاء باستقبال مصانع معزولة مرتبطة كليا بسلاسل توريد خارجية.
كما أن توسيع مصنع النواصر يمنح المغرب ورقة إضافية في سباقه لتثبيت موقعه كأول منصة جوية في إفريقيا وواحدة من المنصات الصناعية الصاعدة جنوب المتوسط،فالمملكة تستفيد من قربها الجغرافي من أوروبا ومن شبكاتها اللوجستية، ومن اتفاقياتها التجارية ومن استقرار منظومتها الصناعية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مواصلة الاستثمار في التكوين والبحث والتطوير ورفع إنتاجية الموردين المحليين حتى تتحول هذه الدينامية إلى تفوق مستدام.
ومع ذلك، لا تخلو المرحلة المقبلة من تحديات، فتوسع صناعة الطيران يتطلب تكوين آلاف التقنيين والمهندسين بوتيرة أسرع وضمان قدرة المقاولات المحلية على الاندماج في سلاسل التوريد وتعزيز جودة الخدمات اللوجستية ومواكبة التحول البيئي الذي بات يفرض على الصناعات الجوية خفض انبعاثاتها وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والموارد، ولذلك، فإن نجاح مشروع سافران بالنواصر لن يقاس فقط بعدد خطوط الإنتاج أو حجم الاستثمار، بل بقدرته على تحفيز محيط صناعي أكثر عمقا حوله.
ويؤكد المشروع الجديد أن المغرب أصبح يحتل موقعا أكثر حساسية داخل سلاسل القيمة الدولية، حيث باتت الاستثمارات المعلنة تتجاوز الوحدات منخفضة القيمة لتشمل مكونات إلكترونية وأنظمة دقيقة وصيانة محركات وتجميع معدات متقدمة وهذا التحول يمنح الصناعة المغربية صورة مختلفة أمام المستثمرين الدوليين، لأنه يبرز قدرة البلاد على استيعاب صناعات عالية المتطلبات، بشرط استمرار الاستثمار في المهارات والبنيات التكنولوجية.
المصدر: الصحيفة





