أهل الفترة ليسوا كفارا ولا مسلمين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

أحمد براو

 

 

أثارت فتوى سابقة لشيخ الأزهر، سنة 2016 جدلا واسعا، حيث اعتبر فيها أن “الأوروبيين أهل فترة لن يعذبهم الله؛ لأن الدعوة إلى الإسلام لم تبلغهم بطريقة صحيحة” وتجدد هذا النقاش حاليا بحيث بلغ أشده جدلا، بعد نشر الداعية والإعلامي الإسلامي الدكتور طارق السويدان تغريدة يتفكر فيها ويتساءل “هل هناك فرق بين قول الله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا، و من يتخذ غير الإسلام دينا”، وهو ما دفعه للرد على منتقديه وعلى بعض العلماء والمشايخ الذين كفّروه وأخرجوه من الملة بسبب هذا الكلام واتهموه بالزندقة واتّباع الديانة الإبراهيمية! فأعلن في تعقيب له أن ما يسمى حديثا بالديانة الإبراهيمية يعتبرها كفرا بواحا، وشرح أنه كان يقصد من كلامه التفكر والتدبر واستخدام مادة العقل، وأكد على عدم تكفير من لم تصلهم الدعوة الإسلامية صحيحة. وفي هذا السياق اعتبر الشيخ أحمد الطيب أن المسلمين “مقصرّون في تبليغ رسالة الدين الإسلامي السمح إلى غير المسلمين” وختم قائلا “ماذا ينتظر من علماء يكفر بعضهم بعضا وكل منهم يقاتل الآخر”.

وهذه السجالات امتلأت بها صفحات النت ووسائل التواصل الإجتماعي وعرفت مئات التعاليق والردود المختلفة بين ما هو مؤيد ومعارض، ومنتقد ومكفّر، فيما تبدو الحيرة والدهشة على عموم المسلمين وهم يتابعون هذه المشاحنات والنقاشات التي تزيد من شكوكهم وتنتقص من علمائهم بحيث يجدون أنفسهم بين دفتي صراع عقيم ليس له جدوى وفي الغالب يفتقد لأدب الحوار ويرسخ الفجوة والفرقة بين العلماء وأتباعهم ومحبيهم، في الوقت الذي يحتاج فيه المسلمون لمن يلم الشمل ويوحد الكلمة ويجمع الروابط.

لايشك احد في أنه “لا شخصَ أحبُّ إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين” – كما جاء في الحديث عن غيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه – ومن أجل ذلك إنزل الكتب وأرسل الرسل. فالله سبحانه لا يعاجل عباده بالعقوبة حتى ينذرهم ويرهبهم ويحذرهم ويمهلهم، ومع أنه لو عاجلهم بالعذاب لكان عدلا منه وهو لايسأل عما يغعل وهم يسألون.
وقد اختلف العلماء على ما يصطلح عليهم أهل الفترة رغم إجماعهم على أن الله لا يعذبهم في الآخرة وأنهم يمتحنون فيها، فمن لم تبلغه الرسالة، ولم تقم عليه الحجة، فهو يعذر في عدم إيمانه. وهؤلاء هم الذين لم تصلهم الرسالة أو وصلتهم مشوهة، كمن تربى في الغرب وهو صغير السن على سماع قصص مشوهة عن الإسلام ونبي الإسلام ويصدق ذلك ما يراه في وسائل الإعلام عما يفعله المسلمون من جرائم وحروب وتفجيرات وغيرها كمعاملة النساء ومعاداة غير المسلمين، فهؤلاء ثبت في عقولهم فساد عقيدة الإسلام ودين المسلمين، وإذا لم يتمكن أحد من دعوتهم وإيصال الحقيقة إليهم فهم معذورون ولو يعتبرون كفرة في الدنيا، ولكن أمرهم إلى الله في الآخرة لأنهم جهلة بالحقيقة، ويلحقون بأهل الفترة.

وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: “الله يقضى بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله عز وجل وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم”.اه

وقد قسم الغزالي أمثال هؤلاء في الآخرة إلى ثلاثة أقسام، فقال في كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة): أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة -إن شاء الله تعالى- أعني: الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:

-صنف لم يبلغهم اسم محمد -صلى الله عليه وسلم- أصلًا، فهم معذورون.
-وصنف بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.
وصنف ثالث بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد “صلى الله عليه وسلم” ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضًا منذ الصبا أن كذابًا ملبسًا اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذابًا يقال له: المقفع، ادعى أن الله بعثه وتحدَّى بالنبوة كاذبًا. فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإن أولئك مع أنهم لم يسمعوا اسمه لم يسمعوا ضد أوصافه، وهؤلاء سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب”.اه

الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، ويؤمرون، فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، وجاء في هذا عدة أحاديث عن أبي هريرة وعن جماعة، كلها تدل على أنهم يمتحنون يوم القيامة، ويخرج لهم عنق من النار، ويؤمرون بالدخول فيه، فمن أجاب صار عليه برداً وسلاماً، ومن أبى التف عليه وأخذه وصار إلى النار، نعوذ بالله من ذلك، فالمقصود أنهم يمتحنون، فمن أجاب وقبل ما طُلب منه وامتثل دخل الجنة، ومن أبى دخل النار، هذا هو أحسن ما قيل في أهل الفترة،
وفي الدنيا يجري عليهم مجرى الكفار فلا يغسلوا ولا يكفنوا ولا يصلى عليهم ولا يدفنوا في مقابر المسلمين ولا يدعى لهم ولا يستغفر لهم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...