سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد نهج الحكامة في عهد محمد السادس(3)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

° دكتور محمد براو

 

 

المحور الأول: الحكامة السياسية

يتناول هذا المحور فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).

أولا: فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية

الديموقراطية وحقوق الإنسان وتحديث المؤسسات

مقاربة الملك محمد السادس للحكم مقاربة برغماتية، متأنية ومستقلة: في هذا الصدد يقول الملك بشكل واضح وصارم: ” لقد اخترت عن قصد نهجا غير استعراضي…إن مقاربتي هي في الآن نفسه أكثر براغماتية وأكثر عمقا. ووتيرتي في العمل هي وتيرة المغرب ككل وليست بالضرورة الوتيرة التي يريد أن يفرضها علينا، بعجرفة وعن جهل، بعض المراقبين الذين نصبوا أنفسهم مدعين عامين. إنهم يسعون، وانطلاقا من مجالسهم في المقاهي، إلى جعل المغرب وعاهله يسيران حسب هواهم. لكن ذلك الزمن قد ولى “.
والملكية من منظور الملك محمد السادس لا هي مطلقة ولا هي برلمانية، والمغاربة لا يتشبهون بأحد : فالمغاربة يريدون ملكية قوية وديموقراطية وتنفيذية، الملك لا يكتفي بأن يسود. إنه يمارس الحكم ويشتغل مع الحكومة في إطار دستوري واضح يحدد مسؤولية كل طرف. هذا النهج هو النهج الذي يريده المغاربة. ومن هنا فالحكم الفردي لا يتناسب مع فلسفة الملك ولا مع اختياراته وهو غير ممكن عمليا.

بناء عليه، فالنظام السياسي المغربي هو الملكية الدستورية الديموقراطية في سياق مغربي، والمشروع الملكي للحكامة السياسية يقوم على ركائز أهمها: توطيد دولة الحق والمؤسسات، والمواطنة المسؤولة، والتحديث الاقتصادي، وتفعيل روح التضامن، وإعطاء الديمقراطية بعدها الاجتماعي والإنساني. وغاية المشروع الملكي: تشييد دولة الحكامة الديمقراطية الفعالة، المحصنة من كل أشكال التكفير الديني أو الإقصاء السياسي، وبناء اقتصاد متحرر، منتج للثروات والتشغيل، ومجتمع متضامن، ونهضة فكرية، منفتحة على روح العصر، وملتزمة بالهوية المغربية.
والملك ما فتئ يعبر عن الإرادة السياسية في توطيد الصرح الديموقراطي في اتجاه يجعل من المغرب، نموذجا في مجال التطور الديموقراطي، يقول في هذا الصدد: “بفضل ما لنا من إرادة سياسية ثابتة، في توطيد صرحنا الديمقراطي، وما وفرناه من آليات مؤسسية، فقد حققنا عدة منجزات على درب تعزيز دولة الحق، من خلال إصلاحات سياسية عميقة. وهو ما جعل بلدنا نموذجا في مجال التطور الديمقراطي”.

وفي هندسة البناء الديموقراطي المغربي يقع الملك في منزلة خاصة تجعله فوق الجميع لا ينتمي لأي حزب؛ يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي: لا يشارك في أي انتخاب، ولا ينتمي لأي حزب. يقول في هذا الصدد “أنا ملك لجميع المغاربة مرشحين، وناخبين، وكذلك الذين لا يصوتون. كما أنني ملك لكل الهيئات السياسية دون تمييز أو استثناء. وكما قلت في خطاب سابق، فالحزب الوحيد الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغرب. ومن تم، فشخص الملك، يحظى بمكانة خاصة في نظامنا السياسي. وعلى جميع الفاعلين مرشحين وأحزابا تفادي استخدامه في أي صراعا ت انتخابية أو حزبية”. والملكية المغربية عند محمد السادس هي ملكية مواطنة بفضل الحكامة الجيدة وسياسة القرب: يقول الملك: “باعتبار الملكية قطب الرحى للثوابت الوطنية، فقد أضفينا عليها طابع المواطنة. وذلك بترسيخ دولة الحق والقانون، وديمقراطية المشاركة، وانتهاج الحكامة الجيدة، وسياسة القرب، …”.

صورة وكالة المغرب العربي للأنباء

وهي ملكية متسامية على النزاعات: يقول الملك: “كما كرسنا جوهرها كملكية ملتحمة بكل مكونات الأمة، متسامية عن النزعات والفئات، ملتزمة بالنهوض بالمسؤولية الريادية والقيادية للعرش، في الائتمان على القضايا العليا للوطن والمواطنين والانتصار للتقدم”.

ويؤسس الملك محمد السادس اختياراته في إدارة الحكم وبناء الصرح الديموقراطي على قاعدتي “المكتسبات والاستمرارية” ؛ أي أن المشروع الملكي يروم إتمام بناء الصرح الديموقراطي…. وليس إعادة بنائه من الصفر، وقد ظهر ذلك عمليا من خلال رسملة تجربة التناوب على السلطة التي أقامها الملك الراحل الحسن الثاني، حيث أخذ الملك على عاتقه رعاية التجربة حتى تتوافر أسباب النجاح كاملة لهذه المحطة الحاسمة من المسار السياسي للمغرب. وهذا ما جعل من التناوب خطوة هامة، على درب ترسيخ الديمقراطية اكتسبت فيها المعارضة السابقة ثقافة الحكم فيما مارست الأغلبية السالفة دور المعارضة البناءة.

ولعل إحدى ثمرات التطور الديموقراطي بالمغرب تمثلت في النجاح في تصحيح صورة المغرب في مجال حقوق الإنسان، من خلال تجربة الانصاف والمصالحة التي طوت صفحة سنوات الرصاص الأليمة. تمثل ذلك في إحداث هيئة مستقلة للتحكيم بجانب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لتعويض الضحايا وإعادة الاعتبار والإدماج الاجتماعي لذوي الحقوق نظرا لما لهذا التعويض من أهمية خاصة في الطي النهائي لهذا الملف وتضميد الجراح وفتح صفحة جديدة تكرس فيها كل الطاقات لبناء مستقبل مغرب ديمقراطي وعصري وقوي”. فقرر الملك إعادة النظر في الظهير الشريف المنظم للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما أصدر توجيهاته بخصوص ما ينتظره هذا المجلس من مهام في العقد الأول للقرن الحادي والعشرين. والتزم بالسهر على تجديد تركيبته وكذا اختصاصاته وطريقة عمله.

وعلى ارتباط وثيق بحقوق الإنسان أبدى الملك اهتماما مبكرا بتطوير الحريات العامة والإعلام: عندما دعا الحكومة إلى “الإسراع بوضع مشاريع قوانين لمراجعة مدونة الحريات العامة في اتجاه يوفق بين مقتضيات مبدأ الحرية ومتطلبات الحفاظ على النظام العام.. وذلك من خلال إحداث وتجديد المؤسسات ذات الصلة (المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وديوان المظالم)، والعمل على احترام القانون ومنع الاستفراد بالرأي باسم الديموقراطية”.

إن الحكامة السياسية في منظور الملك محمد السادس يلخصها “المشروع المجتمعي الديمقراطي” الذي يعتبر أن الديموقراطية ترتكز على بعد تنموي، وهذا المشروع المجتمعي الديموقراطي هو مشروع واضح المعالم، أخذه الملك التزاما على عاتقه. ولعل من الملامح الأولى للوجه الديموقراطي لنموذج الحكامة السياسية في عهد محمد السادس ، هو الإعلان منذ البداية عن نقلة ديموقراطية على المستوى المحلي، تمثلت في إعادة النظر جذريا في كل من ميثاق الجماعات المحلية والإقليمية والجهوية ومدونة الانتخابات، في اتجاه الإسراع بترسيخ اللامركزية واللاتمركز وإفراز مجالس محلية وإقليمية وجهوية تجمع بين ديمقراطية التكوين وعقلانية التقطيع ونجاعة وشفافية وسلامة التدبير وتتوفر على أوسع درجات الحكم الذاتي الإداري والمالي الذي من شأنه جعلها تنهض بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي سياق ترسيخ وتمتين وتحصين الصرح الديموقراطي انطلاقا من قاعدته الأساسية= الجماعات المحلية: جدد الملك “الحرص على ترسيخ الصرح الديمقراطي وتحصينه انطلاقا من قاعدته الأساسية المتمثلة في الجماعات المحلية. ولكي تنهض هذه الجماعات بدورها فقد حان الوقت لاستبدال تدبيرها الإداري البيروقراطي بتدبير ديمقراطي مسؤول محفز للاستثمار”. وفي هذا الصدد دعا الملك الحكومة والبرلمان الى الانكباب على وضع وإقرار النصوص الكفيلة بتمكين المجالس المحلية من القيام بما ينتظره منها من دور الشريك الفاعل في عملية التنمية.

والأمر كذلك لأن الديموقراطية المحلية: تجسيد لديمقراطية القرب والمشاركة والقاعدة الصلبة للغرفة الثانية للبرلمان (مجلس المستشارين). فقد حرص على الارتقاء بمشروع الديموقراطية المحلية في اتجاه أوسع وأكثر رسوخا وطموحا من خلال دمجه في سياق الانتقال السياسي والاصلاح الدستوري الذي عرفته سنة 2011، وعنوانه مشروع الجهوية المتقدمة: يقول الملك: : “أخاطبك اليوم، بشأن الشروع في المرحلة الموالية، من مسار الجهوية المتقدمة، بما تنطوي عليه من تطوير لنموذجنا الديمقراطي التنموي المتميز، وما تقتضيه من مراجعة دستورية عميقة، نعتبرها عمادا لما نعتزم إطلاقه من إصلاحات جديدة شاملة”.
ومن ثم كانت دسترة الجهوية المتقدمة تعبيرا عن نضج التطور الديموقراطي: والأمر كذلك لأن الملك اعتبر أن المغرب، بما حققه من تطور ديمقراطي، مؤهل للشروع في تكريسها دستوريا.

وإذا كان توطيد البناء الديموقراطي بالتوازي مع إنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقد تجلى ذلك، في مواصلة المغرب لتقدمه بخطى ثابتة لتوطيد البناء الديمقراطي وإنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال الحفاظ على توازناته الما كرو-اقتصادية والمالية وخلق أقطاب جهوية للتنمية، وتقوية القدرات على خلق فرص الشغل وتحسن المؤشرات الاجتماعية؛ فإن الإصلاح التنموي محدود الأثر إذا لم يعزز بالتأهيل السياسي الشامل والمشاركة المواطنة في إنجازه: يقول الملك: “مهما تكن شمولية وأهمية أي إصلاح تنموي عميق، فإنه سيظل محدود الأ ثر إذا لم يعزز بمواصلة التأهيل السياسي الشامل والمشاركة المواطنة في إنجازه الجماعي…
(يتبع)

حصريا جميع حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد

[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...