ذ.أحمد براو
الإعتكاف لغة هو: هو لزوم الشيء والإقبال عليه والإحتباس فيه، مِن كعف على الشيء: أي إذا أقبل عليه مواظبا لا يَصرِف وجهه عنه.
اصطلاحا هو: المكث والإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله عز وجل.
وأما الحكمة والغاية من هذا التشريع هو التفرغ لعبادة الله وذلك بتفريغ القلب من شواغل الدنيا لأجل تنقيته، وتزكية النفس وتهذيب الروح وذلك بالإكثار من الصلوات والدعوات والذكر بما فيه من التسبيحات والتحميدات والإستغفار وتلاوة القرآن. فما فتح الله على عبد إلا باتباع الأوامر وإخلاص النوايا ولزوم المحاريب.
وأما حكمه فهو سنة باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، وذكر في القرآن الكريم في قوله تعالى “والعاكفين الركع السجود..” وقوله عز وجل: ” ولا تباشروهن وأنم عاكفون في المساجد” ويرى جمهور العلماء أنه سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان و ينتقل حكمه من السنة إلى الوجوب عند النذر.
وأما وجه الدلالة من السنة فقد فهو الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما”.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية سدتها حصير. ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: إني اعتكفت العشر الأول، ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف، فليعتكف، فاعتكف الناس معه”.
وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتكفت معه زوجاته أمهات المؤمنين. واعتكفن بعده رضي الله عنهن، وكذلك اعتكف أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وشروط صحته أن يكون المعتكف مسلما عاقلا بالغا ذكرا أو أنثى، ويجب أن يكون طاهرا من الجنابة ويشترط أن يكون في المسجد الذي تقام فيه الصلاة حتى لا تفوته الجمع والجماعات، وأفضله إذا كان في المساجد التي يشرع شد الرحال لها، وهي مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف.
ويستحب للمعتكف الإنشغال بما يتقرب به إلى الله تعالى كالصلاة والذكر وقراءة القرآن وتعليمه والحديث النبوي ومدارسة العلم وكذلك اجتناب ما لا يعنيه من قول أو فعل يشغله عن اعتكافه.
أخرج ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف: “هو يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها”.
وروى البيهقي عن علي بن الحسين عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من اعتكف عشرا في رمضان كان كحجتين وعمرتين”.
وروى البزار والطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة.
ويجوز للمعتكف الخروج من المسجد الذي يعتكف فيه للضرورة والحاجة، على أن يرجع فورا إلى المسجد بعد قضاء حاجته وانتهاء العذر، فإن خرج من المعتكف دون حاجة بطل اعتكافه وإذا خرج ودخل وجب عليه تجديد النية.
ويُسن أن للمعتكف أن يدخل المسجد قبل غروب شمس يوم الحادي والعشرين من رمضان كما قال الأئمة الأربعة وجاز غيرهم كالأوزاعي َالثوري أن يدخل المعتكف بعد صلاة الصبح.
ويخرج من المعتكف بعد غروب شمس أخر يوم من رمضان ليلة الفطر. أما الإمام مالك فيرى الخروج يوم العيد.
وللمعتكف أن يستحضر اجتهاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في العبادة حتى تتشقق قدماه، وقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل كله وأيقظ أهله وجدّ وشدّ المئزر” وهو كناية على تشميره للعبادة أكثر من غيرها في الأيام الأخر، وفي رواية “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لم يجتهد في غيره”.
فالإعتكاف في حقيقته قطع مؤقت لجميع العلائق مع الخلائق للتشرف والتجرد لخدمة الخالق عز وجل.





