سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس/8

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الأول: الحكامة السياسية

يتناول هذا المحور فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).

أولا: فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية

آليات تنزيل الحكامة السياسية (تابع)

إن الالتزام بقواعد ومعايير الحكامة السياسية الجيدة يقع في صلب النهج الملكي للحكامة السياسيية ، من أجل إعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل، والارتقاء بأداء المؤسسات الوطنية إلى مستوى مكانتها الدستورية المتقدمة، والهدف المتوخى هو “إرساء ممارسة سياسية جديدة، قوامها النجاعة والتناسق والاستقرار المؤسسي، ونهوض كل سلطة بمسؤوليتها كاملة، في إطار فصل السلط وتوازنها وتعاونها”.
وفي هذا الصدد يحث على استحضار دور هيئات الحكامة الجيدة، التي بلغت نضجها، وبالتالي حان الوقت لتطويرها قانونيا ومؤسساتيا، كي تكون في مستوى القيم والأهداف التي أنشئت من أجلها، وذلك طبقا لمقتضيات النصوص الدستورية. حيث دعا لاستفادة البرلمان مثلا من هيئات الحكامة الجيدة ولا سيما المجلس الاقتصادي والاجتماعي، حرصا منه على إغناء مساهمة البرلمان في المجهود التنموي؛ عن طريق الإفادة المثلى من الآراء الاستشارية الوجيهة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي.

وفي إدارته للحكم يحذر الملك محمد السادس من الصراع بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي “لأن معركة المغرب الأساسية ليست بين مجتمع مدني وآخر سياسي، ولا بين أفراد وأحزاب”. كما يحذر جميع الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة، للكف عن الركوب على الوطن، لتصفية حسابات شخصية، أو لتحقيق أغراض حزبية ضيقة.
وبدلا من الصراع والتطاحن لا يجد حرجا من التشجيع على المعارضة والنقد على أن يكون النقد السياسي بناء لا هداما ، يقول في هذا الصدد: “إننا لسنا ضد حرية التعبير، والنقد البناء، وإنما ضد العدمية والتنكر للوطن”. ولعل من أهم مرتكزات الحكامة السياسية الملكية الدعوة لترشيد الخطاب السياسي وعقلنة العمل السياسي بعيدا عن المهاترات الكلامية والمزايدات الديماغوجية، وبدلا من ذلك يحث على خطاب سياسي من مواصفاته: “الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة”.
ولمعالجة بعض التصرفات والسلوكات المنسوبة لبعض السياسيين، والتي تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي، بمعناه النبيل. دعا الملك إلى “اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي بشكل عام”.

ومن أجل ترشيد العمل السياسي وتحسين أداء المؤسسات الحاكمة، يشدد الملك محمد السادس على أهمية “التعاون بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية”، لأن المسؤولية مشتركة بين الحكومة والبرلمان.ولأن “مسلسل التحديث الذي نريده ليحتم علينا الشروع في تشخيص قضايا واقعنا ومشكلاته الحالية والانكباب عليها بما يلزم من جد وحزم لإيجاد الحلول الناجعة والمناسبة لها” .
وفي سياق الدعوة للتعاون بين الجهازين التشريعي والتنفيذي، يتعين ترسيخ علاقات تعاون إيجابي، بين الجهازين التشريعي والتنفيذي، وبين أغلبية متضامنة، ومعارضة بناءة، في نطاق الاحترام المتبادل، والالتزام المشترك بأحكام الدستور، وبالقيم الديمقراطية، وحرمة المؤسسات، والمصالح العليا للوطن.

وبعد دستور 2011 الذي اعتبر بمثابة دستور للحكامة الجيدة ما فتئ الملك يشدد على التفعيل الأمثل للدستور باعتباره “منطلقا لمسار العمل السياسي الهادف للنهوض بالتنمية، في مناخ من الالتزام الجماعي بالقانون، والتعبئة والثقة اللازمة”.
والعقلنة والترشيد يجب أن ينسحبا أيضا على المشهد السياسي في ضوء العمليات الانتخابية: بعيدا عن البلقنة، وانتصارا للحكم القويم.
وفي سياق المقاربة الملكية لإدارة الحكم لاحظناأن الملك يكرر التأكيد على وظيفة الأحزاب السياسية،التي منها أن تجعل من الفترة الفاصلة، بيننا وبين هذا التاريخ، فرصة لبلورة برامج للتنمية المحلية المندمجة، ولانتقاء النخب المؤهلة للنهوض بها بكل كفاءة وأمانة، والعمل على إزالة العوائق وليس فقط تعزيز المكاسب: وإنما بالأساس من الانكباب الجاد على إزاحة ما يعترضه جريئة وعميقة.

ومن أبرز التحديات التي أكد عليها الملك بصدد الأحزاب: التأهيل الذاتي للأحزاب، التي لا ديمقراطية حقة بدونها؛ وذلك من أجل انبثاق مشهد سياسي معقلن وفعال.
ذلك لأن ترسيخ الديمقراطية لن يكتمل إلا بوجود أحزاب سياسية قوية ومؤهلة، من هنا حرص الملك على إصدار قانون جديد للأحزاب مدني ويتوخى تقوية دور الأحزاب في تأطير وتمثيل المواطنين، بمنع تكوينها على أساس ديني أو عرقي أو لغوي أو جهوي، وينص على تمكينها من التمويل العمومي لأنشطتها بكل شفافية بما يكفل قربها من الانشغالات الحقيقية للمواطنين واقتراح البرامج الواقعية والحلول الملموسة لمشاكلهم وتعبئتهم في كل القضايا محلية كانت أو وطنية في تكامل وانسجام مع منظمات المجتمع المدني.

لكن ماذا عسى أن تكون قوة الأحزاب إذا لم تنهض بدورها الفاعل في تأطير المواطنين وتمثيلهم وفي مقدمتهم شباب الأمة والعمل على تعزيز سلطة الدولة وتوفير مناخ الثقة في المؤسسات؟ يتساءل الملك، وكيف السبيل إلى تحصين مشهدنا السياسي من وجود هيئات قائمة على تقسيم المجتمع إلى طوائف دينية أو عرقية وأخرى لا هم لها الا الأغراض الانتخابوية بدل التنافس على البرامج الملموسة وتكوين النخب الواعية المسؤولة؟ يتساءل ثانية بنبرة من الانتقاد والملامة غير خفية.
ويستمر الملك في حض الأحزاب على النهوض بدورها من خلال استجلاب وجوه جديدة وتجديد آليات عملها وتجويد حكامتها الداخلية، والتفاعل الواقعي مع الأحداث، فهي إن كانت في الواقع تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها، إلا أن الملك يستدرك قائلا: “يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم. كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها. فالمنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية، التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات، التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم، وكأنها غير معنية بما يحدث”.

وبما أن خدمة الوطن متاحة في جميع المواقع وليس فقط من خلال مقاعد البرلمان مثلا، فكيفما كانت نتائج الاقتراع ….فالذين لن يحالفهم الحظ للفوز بانتداب نيابي جديد يدعوهم الملك “لاستثمار ما اكتسبوه من خبرة في تدبير الشأن العام من أجل مواصلة خدمة وطنهم التي لا يعد البرلمان إلا إحدى مجالاته”. من أجل تدعيم المشاركة الديمقراطية، وخدمة الصالح العام، وحتى يكون الناشطون الحزبيون صلة وصل قوية بين الدولة والمواطن، في تكامل مع المبادرات الميدانية للمجتمع المدني، ولا سيما فيما يتعلق بالنهوض بالتنمية المحلية اللصيقة بالمعيش اليومي للمواطنين.

وأخيرا لن تكتمل صورة الحكامة السياسية الرشيدة في منظور الملك محمد السادس، إلا من خلال المشاركة المواطنة، التي تمر عبر تعزيز انخراط الفاعلين الجدد، من مواطنين وهيئات المجتمع المدني، ونقابات وقوى منتجة، ووسائل الإعلام، كشريك بناء، في بلورة وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية، والمشاريع التنموية، والاقتراحات التشريعية…

الحلقة المقبلة: آليات تنزيل الحكامة السياسية (تتمة)

حصريا جميع حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...