القدس والانتفاضة القادمة.. حقائق لابد من قولها.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*أمجد إسماعيل الآغا

 

 

من الجليّ، أنّ الممارسات الإسرائيلية تُجاه القدس والمقدسيين، إنما تنطلق من مرتكزات تسعى في مضمونها، إلى تغير واقع المسجد الأقصى خاصة، وفلسطين على وجه العموم، إذ لا يُمكن إنكار أن المحاولات الإسرائيلية، تتخذ من الواقع العربي المأزوم، ستارًا لتنفيذ أيديولوجيتها حيال مقدسات الفلسطينيين، وفي المقابل، فإن عموم الفلسطينيين، يُدركون أنّ مسار عملية السلام في فلسطين، قد انتهى، ولم يعد هناك أي أمل حقيقي في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وقابلة للحياة على الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، وعطفًا على ذلك، فقد تراكم لدى الفلسطينيين مخزون واسع من الإحساس العميق بالظلم والقهر، جراء سياسات الإذلال والاستيطان التي مارستها وتمارسها إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلًا عن السياسات العنصرية للاحتلال في القدس. كل ذلك يشي بأنّ هناك انتفاضة تُهندسها جُزئيات الغضب الشعبي الفلسطيني، الأمر الذي يُمكن اعتباره الركن الهام والأساسي لانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، وشرارتها قُدسية القدس.

المسجد الأقصى وما يُمثله من رمزية للفلسطينيين، أصبح هدفًا لجميع مكوّنات المجتمع الصهيوني، إذ تتضافر الجهود من أجل تهويده وإقامة ما يزعمون أنه “الهيكل الثالث”، الأمر الذي بلور الهبة الفلسطينية التي شهدتها القدس؛ ما سبق ترجمه مصدر عسكري إسرائيلي بالقول أنّ “الشيء الوحيد الذي لا تريده إسرائيل الآن هو انتفاضة فلسطينية ثالثة، وهي موجودة في التقديرات الأمنية في الأيام الأخيرة”. أما غادي أيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، فقال “نحن أمام تصعيد مختلف كليًا عن هبة أكتوبر 2015. الآن نتكلم عن دافع إضافي لما كان عليه الوضع حينذاك، وهو الدافع الديني”.

في جانب موازٍ، وإبان ما شهدته القدس، بلغ الارتباك الإسرائيلي أشده من خلال عقد اجتماع المجلس الوزاريّ الإسرائيليّ المصغّر “الكابينت”، الذي لم يستطع اتخاذ قرار نظرًا للخلافات المعقدة داخل أركانه، فضلًا عن أن كل الخيارات التي ستُتخذ في مرحلة لاحقة، ستكون سيئة وغير مضمونة النتائج، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تُحقق ما يريده المقدسيون، فكل الإجراءات التي من شأنها تهدئة المقدسيين، ستجعلهم يثقون بأهمية الانتفاضة لتحقيق أهدافهم، وبين هذا وذاك، فإن الساسة الإسرائيليين يدركون أن شرارة الانتفاضة في القدس لابد من تأطيرها، أو محاولة تأخير انطلاقتها، الأمر الذي وضعته التقديرات الإسرائيلية في خانة الترقب الحذر، وبذات الإطار، لابد من إجراءات مُسبقة من شأنها سحب فتيل انفجار انتفاضة ثالثة، خاصة أن كل الوقائع تشي صراحة، إلى أن مشروع إقامة دولة ما يُسمى ” إسرائيل اليهودية”، لم يكن يوماً في خطر كما هو الحال الآن، ما يعني أن التهديد الحقيقي، والزلزال الهادر الذي سيقوض أركان اسرائيل، لن ينطلق من قطاع غزة والضفة الغربية فحسب، بل في القدس والأراضي المحتلة عام 1948، حيث لا يوجد جدار أو حاجز تفتيش يحمي إسرائيل من عواقبه.

ضمن ذلك، سيكون المشهد الفلسطيني برمته، أمام واقع جديد تؤطره أركان قوية لاندلاع انتفاضة ثالثة، فما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدًا في القدس، يبشر بذلك. فـ الفلسطينيين الذين تخلى عنهم المجتمع الدولي، وأهمل الإعلام قضيتهم وتعرضوا للخيانة من قبل العديد من الدول العربية، ويعيشون في ظل قيادة تتجاهل قضاياهم ولا تلبي احتياجاتهم، قد أصبح مصيرهم الآن في أيديهم، وفي الشوارع التي خرجوا إليها كما هو دأبهم دائما.

المراقب للتطورات في القدس، يستشعر ولادة انتفاضة ثالثة، خاصة أن هناك أركان ترتكز عليها مُحددات الفلسطينيين، ولعل الانخراط الواسع من كل الأطياف الفلسطينية في التحركات الأخيرة، كانت الشرارة التي أربكت قوات الاحتلال والمستوطنين، عطفًا على ضرورة استمرارية هذه التحركات، ومما يمكن أن يساهم في مواصلة “الانتفاضة” أن القضية قضية حياة ووطن ودين، وحتى تتجسد الاستمرارية لا بد من امتداد الانتفاضة، من كونها انتفاضة القدس في القدس، لتغدو انتفاضة الشعب الفلسطيني بكامله.

في عمق ما يجري في القدس، لابد أن يكون هناك قيادة لأي انتفاضة قادمة، بمعنى ملئ فراغ التباين السياسي بين جُلّ الفصائل والحركات الفلسطينية، مع التركيز على إيجاد مرجعية سياسية وميدانية وقيادة وطنية موحدة تقود الانتفاضة، وبذات التوقيت لا ترتهن للقيادة الرسمية التي لا تريد الانتفاضة ولا تقدر على قيادتها حتى لو أرادت، لأنها أصبحت أسيرة الأوضاع والمصالح والرهانات والبنية التي أوجدتها منذ أوسلو وحتى الآن، والالتزامات المترتبة عليها التي تجعل السلطة مقيدة ورهينة وأقرب ما تكون إلى وكيل أمني للاحتلال.

في المقلب الأخر، وعطفًا على ما سبق، فإنه ثمة حقائق لابد من الإضاءة عليها، إذ أن الوضع الفلسطيني وما يُعانيه من ضعف وانقسام وشرذمة، إضافة إلى الصراع على السلطة ونمو المصالح الفردية، فإن كل هذه الأجواء لا تُهيئ لانتفاضة ثالثة شاملة قادرة على الانتصار؛ وعليه، لا يمكن إغفال أن القيادة الفلسطينية والقوى النافذة في فلسطين، لا ترغب ولا تؤمن بالانتفاضة الشعبية، بل وتتجنبها، وتعمل باستمرار على احتواء أي انتفاضة واجهاضها، تحت ذريعة أن الانتفاضات السابقة لم تُحقق غاياتها.

نتيجة لذلك، فأنه من الأفضل أن تأخذ النضالات القادمة شكل الموجات الانتفاضية، التي تأخذ بعين الاعتبار بأن المعركة طويلة، ويجب أن تسير الحياة جنبًا إلى جنب مع الصراع ضد الاحتلال، بحيث تندلع موجة انتفاضية بعد الأُخرى، ويكون لكل واحدة هدف، وتراكم الإنجازات، وتتبلور فيها شيئًا فشيئًا القيادة القادرة على قيادة انتفاضة شاملة بعيدة كليًا عن الأوهام السابقة والرهانات الخاسرة، وحينها سيكون هدفها ليس تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال، بل إنهاءه، وإنجاز العودة والحريّة والاستقلال والمساواة، فالحقيقة التي لا تحجبها الشمس، بأن القدس على شفا الانفجار، وهناك محور جديد يتشكل، وجيل جديد يُعيد اكتشاف الحاجة للنزول إلى شوارع القدس.

*إعلامي وكاتب من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...