عبد الكريم سجار
لا تتوقف عجلة التاريخ عن الدوران كما لا تتوقف مسيرة العلم عن التطور.وإذا كانت حركة التاريخ قد أنتجت تطورا في العلم فإن تطور العلم قد دفع بعجلة التاريخ إلى التطور.وفي لحظات بعينها يبدو التاريخ وكأنه يعانق العلم على درب التقدم.حدث هذا في لحظات التحول الكبرى نحو الحداثة ليعرف العالم ولادة قيصرية خرجت من رحم التمرد على التقاليد الجاهزة والمنبنية على الجهل والتبعية العمياء المحتقرة للفكر والإنسان .فالحداثة تبلورت على الإنقلاب الفكري الذي حصل في أوروبا منذ القرن السادس عشر،وقد انطلقت مع النظام الفلكي الحديث المستند إلى مركزية الشمس حينما أثبت كوبرنيكوس(1543) وغاليليو (1642) أن الشمس هي مركز الكون،فأضحت الأرض مجرد سيارة من سيارات الشمس،وأيضا عندما اكتشف نيوتن قوانين الجاذبية،واستطاع من خلالها أن يرسم صورة للكون،فلقد استنتج أن حركة الأجسام تتسم بالوضوح والثبات،وبموجب تلك الخلاصات.
تم فتح كتاب الحقائق العلمية على مصراعيه أمام العقل الإنساني نحو الحداثة بواسطة تغييرات عديدة من خلال مركزية الإنسان وتقديسه للعقل البشري.فالفكر والعلم والعقل خلفوا لنا تحولات فكرية وعلمية وفنية ودينية.وقد اتخدت الحداثة من الإنسان محورا لتفكيرها،وبذلك تغيرت النظرة إلى الإنسان والعالم إذ سعى الفرد الأوربي إلى تجاوز التقليد والانفتاح على مجالات معرفية ستمكنه من التفوق والتقدم في القرون اللاحقة،وفي هذه الفترة ظهرت ثورة هدفت إلى التخلص من تبعية الكنيسة والأنظمة الثيوقراطية بالإضافة إلى الجهل المقدس والأوامر اللامحدودة من طرف البنية الفوقية(الكنيسة الكاثوليكية والأنظمة الملكية ثم النظام الإقطاعي)أما التحولات السياسية والاجتماعية،فعرفت حدوث تغيرات في البنية الاجتماعية بظهور نواة لطبقة بورجوازية عملت من قيود النظام الفيودالي،فطورت مجالات اهتماماتها الاقتصادية واستثماراتها مما سيمكنها من المساهمة في تقويض الدولة الفيودالية وميلاد الدولة الأمة على أنقاضها.
فعلم التاريخ سلط الضوء آنذاك على الحركات الدينية(الكنسية ) والسياسية(الأنظمة الملكية الثيوقراطية) والفكرية(الحركة الإنسية)ليربط العلاقة الجدلية بين تلك الأنماط السائدة خلال القرون الوسطى أو ما اصطلح عليه بعصر الظلمات؛ فما كان من المجتمعات الأوروبية إلا أن توضح أهدافها الكبرى والتي أدت فيما بعد إلى تحليل وتفسير تلك الحركات ومعرفة أسبابها وغاياتها الرئيسية.وهنا لا بد أن نتساءل: أليس الهدف الرئيسي من دراسة التاريخ هو معرفة الماضي بغية خدمة الحاضر واستشراف المستقبل ؟
وبهذه التحولات المتسارعة انعتقت أوربا من العصور الوسيطية وأطلت برأسها على عصر الحداثة، وهو ما انعكس أيضا على المستويات الاجتماعية والسياسية من خلال التحولات الاجتماعية التي عصفت بهرمية وتراتبية النظام الاجتماعي الذي طالما عانى الأوربيون من تبعاته .ولعل بداية الانعطاف الحقيقي من جمود العقل وسكونه بدأت مع الاختراعات العلمية والتساؤلات الفكرية من خلال روح رينيه ديكارت وفرانسيس بيكون وإديسون….وغيرهم وهذه هي الروح العلمية:
روح العلم الحديث التي تمثل جوهر الحداثة،ومن هنا نستنتج أن الحداثة مرت من تراكمات متنوعة دفعت تلك العلاقة الوثيقة بين العلم والتاريخ إلى ادعاء تيار في الوعي الغربي برؤية شاملة للوجود تدور حول مفهوم التقدم العلمي ،وتستند إلى مركزية الإنسان في الكون باعتباره سيدا أصيلا له،وتحل بديلا عن الرؤية “الإيمانية “للوجود. غير أن مفهوم التقدم لا يستطيع أن ينهض بمهمته هذه في تثبيت تلك الرؤية الشاملة للوجود؛إلا إذا كان هو نفسه شاملا ومطردا،شاملا ليضم كل جوانب النشاط البشري:الروحي،الفكري،والأخلاقي،والسياسي،والمعرفي.
أي قادرا على الاستمرار بلا توقف أو نهاية ،سواء لدى أمة من الأمم،أو في التاريخ العالمي كله؛ذلك أن تعثر حركته في التاريخ إنما تحول دون صيرورته التي تعتبر آلية التغيير ومرجعا للقياس ،وهما أمران ضروريان لا بد من توافرهما لكل رؤية حداثية شاملة.وعلاوة على ذلك فالحداثة أثرت بشكل ملحوظ على مسمّيات العصور التاريخيّة، فظهرَ كل من عصرالتنوير وعصر النهضة في أروبا كعصرين جديدين.للحداثة بصورة علمية،إذ انبثق جوهرها على الموقف العقلي تجاه مسألة المعرفة،وإزاء المناهج التي يستخدمها العقل في التوصل إلى المعرفة الملموسة .ويذهب جل المؤرخين والمفكرين على اعتبارها سيرورة تاريخية تعكس التحولات التي تعيشها المجتمعات البشرية بالانتقال من أنماط تقليدية إلى أخرى عصرية في الفكر(الحرية،المساواة،…) والتنظيم الاجتماعي(القانون الوضعي والعلاقات بين أركان المجتمع ،أي الانتقال من حالة الفوضى إلى المدنية) والسياسي (حقوق الانسان, الديمقراطية….)فالتاريخ وضع هذا المفهوم في سياقه العام .
ليخرج مشروع حضاري تقدمي يفرض نفسه دائما على المجتمعات ، مر التاريخ بمرور الاحداث الجوهرية بالفترة المذكورة سلفا ليصل إلى محطة التغيير الجذري في كل المجالات(فكرية،سياسية،اجتماعية..) فالتاريخ أمر حتمي طالما أن هذه المجتمعات في حالة تطور وتبدل مستمرين. أي أن الحداثة وفق هذا التصور هي مشروع أو نظام حياة بكل تجلياتها المادية والفكرية، تفرضه صيرورة تطور المجتمعات الحتمية، وبالتالي هي مشروع أو نظام لا يعرف السكون أو الثبات أو الإطلاق.





