*دكتور محمد براو
المحور الثاني:الحكامة الاقتصادية
سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأبعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
أولا: المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية
قبل الدخول في موضوعة الحكامة الاقتصادية على وجه الخصوص، من المناسب جدا أن نسجل من باب التأصيل العلمي أن الحكامة الاقتصادية تندرج ضمن براديغم حكماتي ملكي قائم على ناظمين تفاعليين اثنين وهما: التلازم بين الحكامة الديموقراطية والحكامةالتنموية (1) والترابط بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية (2). ولأهمية ذلك، فإن تسليط الضوء على هذين الناظمين يشكل قوام حلقتنا هذه.
1) في التلازم بين الحكامة الديموقراطية والحكامةالتنموية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي
إن الحكامة الديموقراطية ستظل هشة ما لم يتم تعزيزها بتنمية اقتصادية وتضامن اجتماعي؛ وإذا كان المغرب قد حقق عدة مكاسب سياسية، فإن الملك يستدرك ويقر : “إننا نعاني معضلة عدم الانتاج وخلق الثروات وسوء توزيعها اجتماعيا. وهذا ما يحتم علينا خوض معركة الإنتاج وحفز الاستثمار بهدف تأهيل اقتصادنا الوطني وتقوية إنتاجيته ومردوديته. كما يفرض علينا تأهيل مواردنا البشرية التي هي ثرواتنا الأساسية ضمن منظور يحرر طاقاتها الخلاقة لخوض أوراش الانتاج بتنافسية واقتدار. ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا اعتبرنا أن اقتصاد السوق ليس شرا والربح ليس عيبا والعولمة ليست خطرا. بل إن حسن تعاملنا معها من شأنه أن يجعل من هذه العوامل كلها مصدرا للثروة ومدخلا للعدالة الاجتماعية”.
وفي نفس المعنى فإن الديموقراطية صورية بدون اقترانها بالتنمية البشرية، ومهما كانت المكاسب في بناء الديمقراطية، “فإنها بدون اقترانها بالتنمية البشرية، ستظل مجرد هياكل صورية. لذلك نعتبر أن التنمية البشرية، بتوفيرها لوسائل العيش الكريم، هي خير دعامة لتحقيق الديمقراطية. كما أن الديمقراطية، بتعميقها للوعي بالالتزام الوطني، تعد تنمية سياسية فعلية تساهم في النهوض بالتنمية البشرية”.
وشبيه بهذا المعنى فإن توطيد البناء الديموقراطي لا يكتمل إلا عندما يتم جنبا إلى جنب مع إنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال الحفاظ على التوازنات الما كرو-اقتصادية والمالية وخلق أقطاب جهوية للتنمية، وتقوية القدرات على خلق فرص الشغل وتحسن المؤشرات الاجتماعية. وكل ذلك في نسق تقدمي متواز بين المجال السياسي والمجال الاقتصادي، وحتى يتمكن المغرب من حسن استثمار ما تحقق من تقدم في المجالين السياسي والاقتصادي يتعين التزام مبادئ الحكامة الجيدة كالفعالية والمردودية وترتيب الأولويات وفق جدول زمني محدد. وكل ذلك في نطاق التقيد بسياسة حسن تدبير الشأن العام التي اعتمدتها المملكة من أجل تحقيق التحديث الاقتصادي والتنمية المستدامة.
ويكرر الملك التأكيد على التلازم والترابط بين التطور الديموقراطي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية تفاديا للفجوة بين التطور الديمقراطي والواقع الاجتماعي ، مع الاعتراف بأن الأمر يتعلق بخوض امتحان غير يسير، بل ينطوي على معادلات صعبة ينبغي بمقتضاها على الحكومة ابتكار حلول جريئة ومسؤولة، للمعادلات الوطنية الصعبة. معادلات التوفيق بين الحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية، وبين إكراهات أعباء التسيير( = التشغيل) الاستهلاكية، ومستلزمات تمويل الاستثمار المنتج، تفاديا للفجوة بين التطور الديمقراطي والواقع الاجتماعي. والأمر كذلك لأن التقدم السياسي مهما بلغ من تطور يبقى ناقص الجدوى بدون تنمية تقوم على التوازن والتكامل: ما لم تتم مواكبته بالنهوض بالتنمية. وتقوم التنمية في منظورنا، على التكامل والتوازن، بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
2) في الترابط بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية
الهدف التنموي المنشود هو تحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنمية الاجتماعية على نحو متواز ، وهو مافتئ الملك منذ تحمل أمانة قيادة الحكم يتخذ المبادرات ويقود العمليات ويشحذ العزائم في سبيل تحقيقه و غايته المثلى “تشغيل الشباب والنهوض بالعالم القروي والفئات الاجتماعية والمناطق المعوزة ووسيلتنا العملية هي حفز الاستثمار العام والخاص وتفعيل التضامن الاجتماعي والاستثمار الأرشد لمواردنا الطبيعية الغنية والمتنوعة وتعبئة كل الطاقات لخوض ما دعوناه في خطاب العرش الأخير بالجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي”. أي أن التنمية الاقتصادية يجب أن تكون في خدمة التنمية الاجتماعية وهوما يقتضي أن يكافح المغرب على جبهتين. اقتصادية واجتماعية. فمحاربة الفقر والأمية هدف يحظى بالأولوية يقول الملك محمد السادس. والمهمة ليست بيسيرة لا بل إن الرهان الاقتصادي المرتبذ بالرهان الاجتماعي رهان أصعب من رهان بناء الصرح المؤسسي.
ويضرب الملك مثالا لذلك بالعلاقة بين العلاقة بين التنمية الاقتصادية والتشغيل والتعليم ويوضح ذلك قائلا: “لن نتمكن من تشغيل الفئات الواسعة من شبابنا إلا بتحقيق التنمية الاقتصادية التي تظل رهينة بحفز الاستثمار ثم الاستثمار ثم الاستثمار الذي سأظل أعمل من أجل إزاحة عوائقه حتى يصير المغرب إن شاء الله ورشا كبيرا للإنتاج وخلق الثروات ولن نحقق إقلاعا اقتصاديا أو نوفر شغلا منتجا إلا بالتفعيل الأمثل لإصلاح نظام التربية والتكوين .
وهكذا لاحظنا من متابعة ديناميات المشروع الإصلاحي التنموي بالمغرب أنه بناء على هذه المبادئ التوجيهية المتسمة بالتزام أسمى معايير الحكامة الرشيدة كان ولا يزال للبعدين الاقتصادي والاجتماعي في ارتباط متواز مكانة الصدارة في السياسات العامة للدولة وفي البرامج والمشاريع الحكومية من خلال نهج تنموي يسير على سكتين متكاملتين. فمن جهة، الحرص على إنجاز الأوراش التنموية الكبرى، وبموازاة ذلك، وعلما بأنها لا تعطي ثمارها في الأمد المنظور، يتم العمل على مواكبتها، بتحسين المعيش اليومي الملح للمواطن بالبرامج المحلية لمحاربة الفقر والهشاشة.
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





