*د. أسامة جادو
لا قيمة للحياة بغير شريعة، بل لا قيمة للإنسان بدونها، فهي مصدر القيميّة للحياة و للإنسان، بها يرتقي الإنسان عن حمأة الطين و الماء المهين الذي خلق منه، وبها يسمو و يرتفع شأنه بين الخلائق والأكوان، وإذا خرج عنها و انحرف وسلك غير سبيلها انتكس وارتدد إلى أسفل سافلين، وضربت عليه الذلة والمسكنة و عاش معيشة ضنكا.
ولست مبالغا إذا قلت إن قيمة البشرية بل قيمة الحياة تقدر بالقدر الذي تستقيم به الحياة على منهاج الشريعة، وإن قيمة الإنسان و قدره مرتبط بتمسكه بالشريعة و عمله بها ودعوته لها و دفاعه عنها
الشريعة روح الحياة و سر طيبتها و أساس عمرانها الحقيقي، و كل ما يحتاج إليه البشر ليحيوا حياة طيبة يجدونه كاملا كافيا وافيا في ظل الشريعة ورحابها الميمونة، قال الله تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” سورة النحل الآية (97) .
ورحم الله الإمام الشهيد وهو يذكر حاجة البشرية للإسلام و يعدد مزايا التوجه لشريعته و السير على منهاجه واتباع سبيله ويقول: “ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نُظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أمته الناهضة، ولقد امتلأ القرآن الكريم بتصوير هذه الناحية خاصة، وضرب الأمثال فيها بالإجمال تارة وبالتفصيل تارة أخرى، وعالج هذه النواحي علاجا دقيقا واضحا، لا تأخذ به أمة حتى تصل إلى ما تريد.” (رسالة نحو النور.)
– عظمة الشريعة تتبدى في هذه الحياة
الحياة مسرح تتجلى فيها قدرة الله الخالق من خلال آياته المنظورة في الكون، و تتجلى فيها عظمته وعلمه و حكمته من خلال آياته المسطورة في القرآن الكريم أصل أصول الشريعة و منبعها و مصدرها الأصيل.
الشريعة لتعمير الحياة و استدامة العمران بها، فالمقصد العام للشريعة تحقيق مصالح الخلق بجلب المنافع لهم و درء المفاسد عنهم، لهذا أقول و أقرر إن الشريعة وضعت من أجل الحياة ابتداء، والتكاليف الشريعية كلها في إطار الحياة ونطاقها الزمني، و من المقرر فقها و عقلا أن موت المكلف يسقط التكليف، وأن الخطاب التكليفي لا يوجه إلا للحي المكلف.
فتكاليف الشريعة وضعت للأحياء، والحياة شرط التكليف، ولا تكليف على فاقد الحياة، ولا يتعلق بذمته بعد موته تكليف ولا إلزام.
وليست مبالغة مني إذا قلت: “إن الشريعة هي الحياة، و لا تستقيم الحياة بدونها ولا بغيرها”.
الشريعة وضعت من أجل إسعاد الإنسان في الحياة الدنيا وتحقيق معاني العبودية الحقة لله تعالى، و تحقيق الخلافة عن الله تعالى في الأرض، كما أنها وضعت لسعادة الإنسان في الآخرة، قال تعالى: “قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ”. سورة طه الآية ١٢٣ .
قوله تعالى: فمن اتبع هداي يعني الرسل والكت. فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس رضى الله عنهما: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية .
أما في الدار الآخرة فلا تكليف و لا أمر ولا نهي للمكلفين، فهي دار الجزاء وليست دار عمل وتكليف، دار ترتفع فيها جميع التكاليف و العبادات التي كانت في الحياة الدنيا، ولا يبقى منها إلا الذكر، يبقى ذكر تعالى تنعما و تلذذا وليس تكليفا واجبا كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه “حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ” حيث كتب فصلا عن “ارتفاع العبادات في الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة” ذكر فيه ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ـرضي الله عنهماـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
” يَأْكُلُ أهْلُ الجَنَّةِ فيها ويَشْرَبُونَ، ولا يَتَغَوَّطُونَ ولا يَمْتَخِطُونَ ولا يَبُولونَ، ولَكِنْ طَعامُهُمْ ذلكَ جُشاءٌ كَرَشْحِ المِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والْحَمْدَ، كما تُلْهَمُونَ النَّفَسَ قالَ وفي حَديثِ حَجَّاجٍ طَعامُهُمْ ذلكَ. وفي رواية: عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، بمِثْلِهِ غَيْرَ، أنَّه قالَ: ويُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّكْبِيرَ كما تُلْهَمُونَ النَّفَسَ. والمعنى أن تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس كما تلهمون أنتم النفس.
و يتوقف القلم هنا، على أمل قريب أن يواصل قطف الثمار، دمتم بخير وعافية.
وصلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير .
*عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية “الزهراء” بغازي عنتاب سابقا.





