في التفكير النقدي وبناء الحجج

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*معتز الخطيب

 

لا يمكن لأي تفكير نقديّ أو نقاش فكري أن يزهد في بناء أو استخدام حجج تقود أو تؤسس لخلاصات محددة، فالحجج هي ما يميز التفكير المرسل أو غير النقدي عن التفكير النقدي، وهي أداة مهمة لاكتشاف الحقيقة من أجل النفس أولا، ولمشاركة الأفكار والخلاصات أو لإقناع الطرف الآخر بصواب فكرة ما أو خطئها ثانيا. فالحِجاج ضروري لأي بحث عن حقيقة ما يجري أو يقال، كما أنه ضروري للعقل النقدي الذي لا يُسَلِّم بما يُلقى إليه لمجرد ثقته بالقائل أو لمجرد أن المقول وافق رغبة لديه. والحِجاج هو ما يميز عملية التفكير النقدي عن الدعوة والوعظ. فإذا كان التفكير النقدي يقوم على حِجاج وبرهنة، فإن الدعوة والوعظ يقومان على التبشير والترغيب والترهيب أو إثارة الانفعال والعاطفة، ولا يؤسسان لمقولات؛ بقدر ما ينطلقان من إيمانيات أو مسلّمات أو مطلقات.

والحجج هي عبارة عن إيراد مجموعة من الأسباب التي تنهض مسوِّغًا لتشكيل قناعة معينة، أو لإقناع شخص ما بها. وعادة ما يتم التفريق بين الحجج (arguments) وبين التفسير (explanation). فالحجج مهمة لإثبات أن شيئًا ما صحيح، في حين أن التفسير مهم لفهم لماذا هذا الشيء صحيح، أي إن الحجج تقوم بدور الإثبات، بينما يقوم التفسير بدور البيان والإفهام.

ولأجل ما سبق، فإن الحجج هي إحدى الأدوات المهمة في النقاش الفلسفي، كما أنها ضرورية كذلك في التعليل الأخلاقي لإثبات أخلاقية أو لا أخلاقية فعل أو تصرف ما من خلال إيراد التسويغات اللازمة التي توضح لماذا هو حسن أو قبيح، وما المصادر التي على أساسها تم اعتباره حسنًا أو قبيحًا.

ويمكن التمييز بين أنواع من الحجج بحسب المجالات التي تستعمل فيها، كالحجج الكلامية والقانونية والأخلاقية وغيرها؛ فلكل حقل طبيعته الخاصة التي تفرض نفسها على شكل وبناء الحجج المستخدمة. وقد كان الفيلسوف اليوناني سقراط (469-399 قبل الميلاد) أحد الشخصيات المؤسِّسة في الفلسفة اليونانية والغربية عامة، وكان يستخدم أسلوب الحجاج لتثقيف زملائه في أثينا واستثارة تفكيرهم، وكان يحادث الناس في الشارع ويسألهم عن الشجاعة أو المعرفة أو العدالة أو غير ذلك، ثم يقدم حججه لإظهار أن تصوراتهم حول هذه الموضوعات مشوشة أو غير صحيحة.

أحاول في مقالاتي أن أؤسس لمقولات أو أنقد مقولات عبر التأسيس لحجج ونقد حجج مضادة بطريقة مكثفة ومركبة عبر النظر إلى الملابسات والتفاصيل ذات الصلة بالقضية المبحوثة لتكوين رؤية كلية، وهو التصور الذي أراه جديرًا بمقالات الرأي، بمعنى أن تؤسس لمقولات وتنقد أخرى عبر الحجاج المتماسك أولا، وبناء على معلومات صلبة ثانيًا. فالرأي بهذا المعنى ليس مجرد خواطر أو تأملات أو وجهات نظر شخصية.

وإذا ما تتبعنا كثيرًا من الحوارات المتصلة بمسائل فكرية وسياسية، وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نجد عجبًا، وكان يمكن أن نكتفي بذلك فيما لو اقتصر الأمر على “فشة خلق” أو “الثرثرة” أو الاكتفاء بانطباعات هنا وهناك، ولكن أن يتم التعليق على حجاج عقلي بمثل تلك التعليقات التي لا تقوم على حِجاج مضاد أو تستنكف عن النقاش بمحاولات التسخيف أو ادعاء الوضوح، فهذه مشكلة تستدعي التجاهل التام، ولكن ما يهمني هنا تأمل أشكال مغلوطة أو زائفة من الحجاج المضاد التي تستدعي التوضيح من أجل تطوير النقاش والتقدم به خطوة.

وفيما يأتي سأتناول 6 أمثلة لفتت نظري من خلال وقائع ومناقشات استوقفتني مؤخرًا، ويمكن أن نستخلص منها نماذج متعددة لما يسمى بـ”الحجة غير الصالحة” (invalid argument) ويمكن تطبيق هذه النماذج على أمثلة أخرى ومتكررة في نقاشاتنا.

الأول: الشخصنة وهي التحول من مناقشة الفكرة إلى مناقشة قائلها أو التعريض به من أجل إبطال حجته أو التشويش على فكرته، فحين تعجز الحجة تُسعف الشخصنة. فكثيرًا ما يتكرر في التعليقات والسجالات السياسية الاتهام بالارتزاق مثلا، في محاولة للطعن بمصداقية الفكرة؛ عبر اتهام قائلها لمجرد أنه يعمل في الجهة أو البلد التي يتقاطع معها في فكرة أو سياسة ما. فالارتزاق مفهوم يمكن أن يطلق على كل شخص يمتهن مهنة يعيش من خلالها، ولا يمكن لأي إنسان مسؤول ألا يرتزق؛ بأن يكون له مورد مالي يعيش منه ويلبي من خلاله احتياجاته ومَن يعول. فالارتزاق لا يعدو أن يكون محاولة للشتم بما ليس هو شتيمة، خصوصًا إن كانت الوظيفة أو المهنة التي يقوم بها الشخص معلنة وواضحة. نعم يختلف الأمر فيما لو كان الشخص يعيش بمواقفه السياسية التي يتم استثمارها من قبل طرف آخر؛ بحيث تصبح مهنته أنه معارض فحينها يكون ذلك شبهة أو تهمة؛ تستلزم إثبات وجه الصلة بين معارضته وبين سياسات الدولة التي تنفق عليه للتمييز بين قناعاته الشخصية وبين سياسات تلك الدولة، لأن هذه العلاقة لا تخلو من توافق سياسي ومن إكراهات واستثمار كذلك، ولذلك يمكن القول إن ثمة فرقًا بين الشبهة والحجة للتعبير عن هذا الوضع المعقد.

الثاني: بناء تعميمات على معلومة جزئية. فعلى سبيل المثال، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times‎‏) –أواخر الشهر الماضي (مايو/أيار)- إعلانًا دعائيًّا عبر صفحة كاملة، يتضمن صور 3 شخصيات مؤثرة ساندت الفلسطينيين أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وفي العنوان العريض “حماس تدعو إلى هولوكوست ثانية”، وعلى يمين الصفحة بالخط العريض أيضًا حديث “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود …”، فاندفع بعضهم إلى استنتاج أن الصحيفة متواطئة مع اللوبي الصهيوني في أميركا، ولكن الصحيفة نفسها نشرت بعد أيام صفحة أخرى تجمع صور الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل في غزة أثناء الحرب المذكورة، وهي وإن لم تذكر المسؤول عن ذلك فإن هذا الفعل غير مسبوق وله دلالة رمزية مهمة؛ إذ إنه تمت أنسنة ضحايا الفلسطينيين فلم يعودوا مجرد أرقام. فالجمع بين الصورتين يعطي رؤية أوضح لمن يريد أن يقوّم عمل الصحيفة، في حين أن الاستنتاج الأول بنى على معلومة صحيحة ولكنها جزئية ولا تكفي للخروج بمثل ذلك التعميم.

مثال آخر يتصل هذه المرة برفض الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس لجائزة الشيخ زايد للكتاب، فقد نشر موقع قنطرة الألماني مقالا لشتيفان فايدنر ينتقد فيه رفض هابرماس للجائزة؛ بحجة أنه لا يقدّر سياسة الإصلاح التي تقوم بها الإمارات، وأنها حتى لو كانت صادرة عن حكَّام سلطويين يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي على الثقافة والقيم الحديثة التي يدافع عنها هابرماس، إذ إن الحوار أكثر أهمية من ثقافة الإلغاء الغربية التي تدَّعي الاستقامة ولا تتقبَّل الانتقاد. وقد اندفع بعضهم إلى الاستنتاج من نشر هذا المقال بأن الموقع يميل إلى الإمارات، ولكن الموقع نفسه نشر بعد ذلك بأيام مقالا آخر لراينهارد شولتسه يقوم على حجة مضادة للمقال الأول، ويرى فيه كاتبه أن رفض هابرماس ليس استعلاء غربيًّا؛ لأن هابرماس انطلق في تقييمه للجائزة من ضرورة خلق فضاءات ثقافية مطالبة بحقوق الإنسان معتمدًا في موقفه على قوة الكلمة، وقد انطوى هذا المقال على تقريع للإمارات. كلا المقالين يوضحان أن الموقع ليس له موقف محدد من موضوع الجائزة على الأقل، بعيدًا عن تقييم أدائه في موضوعات وقضايا أخرى الذي هو الآخر بحاجة إلى دراسة وتحليل لبناء حجة كافية وملائمة وقابلة للتعميم.

مثل هذه الاستنتاجات والتعميمات هي أقرب إلى الانطباعات منها إلى بناء حجج متماسكة، وتتنوع أسباب التعجل؛ فقد يقع بسبب قصور في الرؤية أو انتقائية أو بدافع سياسي تفرضه الخصومة واستثمار الفرصة للنيل من الخصم، ومثل هذا يقع من بعض القنوات الإعلامية في سياق السجال؛ فهي تنقل معلومة صحيحة، ولكنها غير مكتملة وقد تثير انطباعات مضرة بالحقيقة؛ رغم أنها لم تقل كذبًا.

الثالث: الانطلاق من افتراضات مسبقة أو خاطئة، فمثلا لم يستطع بعض المدافعين عن الدور الإيراني الإيجابي في المقاومة، فهم موقفي النقدي من العلاقة بين حركات المقاومة الفلسطينية وإيران إلا من زاوية ثنائية (قضية سوريا مقابل قضية فلسطين)، أو الزعم بأن المسألة ترجع إلى نظرة ذاتية من قبل السوريين (كذا!) في مقابل نظرة موضوعية من قبل غيرهم في النظر إلى شكر حماس لإيران.

فهذه الافتراضات المتحيزة حالت دون فهم صاحبها لمقال الأسبوع الماضي الذي أشار إلى الدول العربية المختلفة التي تدخلت فيها إيران بشكل مباشر وعبر مليشياتها، وما أسفر عنه ذلك من تمزيق لوحدتها السياسية ومن جرائم تم ارتكابها في سبيل الهيمنة ورعاية مصالحها القومية. ثم إن جوهر نقاشي هو رفض استثنائية القضية الفلسطينية في مقابل الإلحاح على العودة إلى المبدأ الأخلاقي الكلي الذي يجمع القضايا المتشابهة كافة، فالمسألة ليست فلسطينية، ولا سورية ولا عراقية ولا لبنانية، بل قيمة العدل ورفض الظلم؛ سواء صدر من احتلال أم من استبداد؛ نتيجة التلازم بين الاحتلال والاستبداد.

ثم إن إقحام ثنائية الموضوعية والذاتية هنا أجنبي عن الموضوع كلية، فلا مجال للذاتية في قضية فلسطين أو سورية أو باقي دول التدخل الإيراني؛ إذ إن المسألة تقوم على معلومات ووقائع، وأسئلة وحجج. فإذا افترضنا أن السوريين ينطلقون من موقف ذاتي فيلزم أن نقول إن الفلسطينيين أيضًا ينطلقون من موقف ذاتي، وفي الواقع لا معنى لمثل هذا الحجاج كله؛ لأنه يفتقر إلى خصائص الحجة الصالحة وهي 3 هنا:

أولها: أنه لا يعكس الواقع، فموضوع النقاش مختلف كليًّا كما سبق.

وثانيها: أنه غير صالح للتعميم؛ فنقد موقف حماس لم يكن موقف سوريين فقط مقابل غير سوريين؛ إذ شارك فيه جنسيات أخرى بعضهم فلسطينيون، فضلا عن أن النقد ليس موقف جميع السوريين أيضًا فالنظام وجماعته مع شكر إيران.

وثالثها: أنه غير ملائم لموضوع النقاش؛ لأن الموضوع مبني على وقائع وحقائق على الأرض وليس تصورات ذاتية.

أحيانا يتم الانطلاق من فرضيات مسبقة تحبس التفكير وتحجب الواقع، ومن ثم يكون الحجاج فاسدًا؛ كافتراض التحيز المسبق في الآخر ثم انتقاء وقائع تساعد على هذا التفسير أو تأكيده (الانتقائية)، كالزعم مثلا أن كل من تدعمه إيران يتحول إلى ذراع لها، فإيران تدعم حماس، إذن حماس ذراع إيرانية. وهذه حجة فاسدة؛ لأنها انبنت على فرضية خاطئة، وقد أوضحت في مقال الأسبوع الماضي الفارق بين حماس كحركة مقاومة فلسطينية تملك رؤيتها وقرارها الفلسطيني، وبين حزب الله والمليشيات الشيعية التي تقوم على أيديولوجيا طائفية أولا، وتنفذ أجندات إيرانية تتبع الولي الفقيه ثانيًا. ومثل هذا الحجاج الفاسد يؤدي وظائف سياسية في الواقع، فهو يريد أن يختزل القضية الفلسطينية في حماس؛ لتسويغ تقاعسه عن نصرة الفلسطينيين أولا، ولتبرير التطبيع ثانيا، وللنيل من حماس كحركة مقاومة ثالثا؛ رغم أن فلسطين ليست حماس، وأن القضية هي مقاومة الاحتلال الصهيوني وليس حماس ولا إيران ولا الإخوان المسلمين.

الرابع: اللجوء إلى تسويغات مستهلكة هي نفسها بحاجة إلى إثبات وبرهنة، كادعاء الاضطرار مثلا، في حين أن الضرورة ليست حجة مكتفية بذاتها؛ إذ لا بد من إثبات أن هناك ضرورة متحققة حتى يتم البناء عليها وترتيب أحكام الضرورة عليها من دون تزيد (بلا شبع ولا تلذذ، أي بالحد الأدنى)، فثمة استسهال شديد في استعمال منطق الضرورة لتبرير أي فعل سياسي يقوم به “جماعتنا”، في حين أن ما يصلح ضرورة للإسلاميّين مثلا يصلح تمامًا لخصومهم من الأنظمة الحاكمة، وليس اضطرار أحد الطرفين بأولى من اضطرار الطرف الآخر، وإلا فستبدو المشكلة في “من يحكم أو يمارس السياسة” لا في “شكل الحكم وممارسة السياسة”؛ ما دام الإسلاميّ حين يأتي لممارسة السلطة أو السياسة يتعلل بالضرورات -بمعناها المرن- لتسويغ ممارساته التي لا تنسجم مع مرجعيته أو مع أيديولوجيته. ثم إن استعمال الضرورة بهذا المعنى الواسع وغير المنضبط يضع الإسلاميّ خاصة أمام تحد مهم، وهو أن يُثبت لنا وجه تميزه -في حقل الممارسة- عن خصومه.

فعلى سبيل المثال، قيل في تسويغ شكر إيران مؤخرا إنها ضرورة، وهي لا شك ليست ضرورة تتصل “بضرورة حفظ النفس”؛ بل هي ضرورة بالمعنى السياسي والإستراتيجي الذي يتصل بتحالفات المقاومة ودعمها لأداء مهامها، ولا أريد هنا العودة إلى مناقشة سياسة الشكر التي ناقشتها بتوسع في مقال الأسبوع الماضي؛ وإنما أريد فقط التمثيل لفكرة الضرورة. دعنا نسلم -جدلا- بأن ثمة ضرورة سياسية لهذا الفعل، بمعنى أنه من دون شكر سيتوقف الدعم، وأن هذا الدعم الإيراني لن تقوم للمقاومة من دونه قائمة، فهذه -على فرض التسليم بها- تعد حقيقة جزئية؛ لأن المقاومة لا تقوم فقط بالدعم، بل تتأسس على مشروعية مبدئية وأخلاقية، وعلى حاضنة شعبية فلسطينية وعربية وإسلامية وإنسانية، وهو ما يفرض على المقاومة أن توازن بين حاجتها لهذه الأطراف كلها معًا، وألا تشق صف حاضنتها الشعبية بخصوصية لإيران مثلا، فالحفاظ على الأمة لا يكون بكبت انتقاد استثمار إيران في المقاومة، بل في الاتكاء على وحدة القضايا ومبدئيتها التي تعكس الشعور الأممي العام للقضية الفلسطينية؛ فالجسد الواحد يؤلمه شكوى أي عضو من أعضائه. يوضح هذا أن الحجة القائلة بأن نقد سلوك إيران يشوش على فكرة “وحدة الأمة” -خصوصًا بعد نصر غزة- هي حجة زائفة؛ لأن النقاش هنا ليس حول مبدأ رعاية وحدة الأمة، بل حول تصوراتنا المختلفة لتطبيقاته.

الخامس: استخدام قياس خاطئ بهدف الإفحام في النقاش، ومثال هذا أن بعضهم قاس مسألة الدعاء للكافر -كما أوضحته في مقالات سابقة- على شكر إيران والدعاء لخامنئي، ورأى أن ذلك يُلزمني. وهذا القياس البعيد جدًّا لا يقوم على أساس؛ مع بُعده الذي سأتجاهله الآن للتركيز على وجه المغالطة فيه، فالمسألة ليست مجرد شكر -كما أوضحت في مقال الأسبوع الماضي- بل هي استثمار سياسي وحملة علاقات عامة لغسيل السمعة، ثم هي ليست مرتبطة بأشخاص معينين، فنحن نتحدث عن سياسة دولة هنا، والأمر المركزي هنا لإيضاح حجم المغالطة هو أنني أوضحت في مقال الأسبوع الماضي أن الشهيد نفسه لا يُغفر له الجنايات التي ارتكبها مما يتعلق بحقوق العباد، فكيف بالحاكم الظالم أو المجرم في حق شعبه أو شعوب دول أخرى، فإقحام مسألة الدعاء وخلطها بالشكر وتجاوز أننا نبحث في نقاش سياسي أخلاقي، هو مغالطة أو حِجاج فاسد، ويتم ارتكاب مثل هذه المغالطات بهدف التحريش أو لتشويش على الأفكار أو لإفساد الحجاج من أصله بحيث يغدو لا معنى له.

السادس: الفصل بين النظري والعملي عبر المطالبة بتقديم بدائل عملية، وربما قيل إن التنظير سهل، رغم أنه ليس كذلك لمن تعاطاه. فهذا الشكل من الحجاج ينطوي على جملة من الإشكالات؛ أولها أنه حَرف للنقاش عن مساره؛ إذ إن السؤال العملي لا يلغي السؤال النظري؛ فهما سؤالان مختلفان. وثانيها أنه رفض لمناقشة المبدأ أو الأساس النظري للمسألة المبحوثة؛ بهدف إسكات الأصوات الناقدة هنا، أو هو -في أدنى الأحوال- إثبات أن ثمة أولوية للعملي على النظري، وهذا يعكس موقفًا براغماتيًّا محضًا. والواقع أن ثمة تلازمًا بين النظري والعملي، فالنظري من دون تطبيقات عملية يغرق في المثالية والتجريد، والعملي من دون أساس نظري يغرق في البراغماتية المحضة والمتلونة بحسب المصالح الآنية والضيقة؛ في ظل غياب معيار كلي يُحتَكم إليه. ومن هنا ثمة حاجة إلى التنظير لأي سلوك أو سياسة أو حركة ليضبط عملها ويقدم المسوغات اللازمة له بحيث لا يكون عملها رهينَ التفكير الآني والارتجالي، ووفق كل حدث بمفرده وبحسب التجليات. وغياب التنظير سبب رئيس لشيوع نزعة التبرير والتكويع (بمعنى الاعوجاج وهو لفظ فصيح) عند أي منعطف؛ بحجة الضرورة تارة، والمصلحة تارة أخرى، وغير ذلك.

وفي الختام، لا بد من القول إن الحجاج أداة من أدوات التفكير النقدي والفلسفي، وهي إذا ما صارت ملكةً أمكن استخدامها بطرق شتى، وقد يغيب عنها الضمير الأخلاقي؛ فيلجأ صاحبها إلى بناء حجج للفكرة وضدها بحسب المصلحة، ويتمكن بذلك من إقناع جمهوره ومخاطبيه أو تسويغ سياسات الحزب أو الحركة؛ وهذا مبرر آخر لضرورة وجود التنظير ووضع المعايير التي تضيّق هامش المناورة والتلاعب، وتضبط حدود ممارسة السلطة أيضًا بحيث يكون مرجعها خارج حدود تفكير القائمين عليها، وتضمن نوعًا من الشفافية والنقاش الصحي بين جمهورها أيضًا.

ثمة حديث نبوي مشهور، يوضح أن ملكة الحجاج قابلة للتوظيف، وفيه يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- “إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار” (رواه البخاري ومسلم).

*أستاذ فلسفة الأخلاق في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...