اقتصاد الحق في الحصول على نسخة من المحضر الانتخابي أم اقتصاد الثقة بين الدولة والأحزاب: هل ما زلنا ندير انتخابات رقميّة بعقلية الورق؟
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
أعادت الدورية الأخيرة لوزير الداخليّة، عشية انتخابات 23 شتنبر 2026، إلى الواجهة حق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ من محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء، وهي نسخ لها الحجية نفسها التي للأصول. المسألة تبدو في ظاهرها إجرائية وقانونية بحتة، لكنها تفتح سؤالًا آخر لا يقل أهمية:
كم تكلف الدولة «ديمقراطية النسخ» عندما تتحول حماية حق قانوني إلى عملية مادية واسعة لإنتاج الورق ونسخه وترقيمه وتوقيعه وتسليمه وتوثيقه؟
نحن لا نتحدث عن ورقة واحدة. نحن أمام عملية تتكرر على نطاق وطني واسع، وفي آلاف مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء. وكل نسخة تعني ورقًا وحبرًا أو Toner وآلة نسخ أو طباعة ووقتًا وجهداً بشريًا ومطابقة للأصل وترقيمًا وتوقيعًا وتسليمًا مقابل إشهاد، ثم حفظًا وأرشفةً ونقلًا عند الاقتضاء. والقانون نفسه لا يفرض آلة بعينها، وإنما يتحدث عن النسخ «بأي وسيلة متوفرة»، وهو ما يجعل الكلفة مرتبطة بالوسيلة التي ستعتمدها الإدارة فعليًا.
ومن هنا يمكن الحديث عن «اقتصاد الحق في نسخة المحضر». فالتكلفة المباشرة هي كلفة الورق والحبر والصيانة واستهلاك آلات التصوير والطباعة. لكن الكلفة غير المرئية قد تكون أكبر: الزمن الذي سيقضيه أعضاء مكاتب التصويت في إنتاج النسخ وتوقيعها، والوقت الذي سيستهلكه ممثلو اللوائح في تسلمها، والموارد البشرية والإدارية اللازمة لضمان عدم وقوع خطأ بين الأصل والنسخة، ثم اللوجستيك المرتبط بحفظ هذه الوثائق وأرشفتها. وفي عملية انتخابية بهذا الحجم، لا تعود النسخة مجرد قطعة ورق؛ إنها وحدة إنتاج قانونية لها تكلفة مادية وبشرية وإدارية.
ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين الكلفة وبين العبء غير المبرر. فالنسخة هنا ليست ترفًا إداريًا، وإنما تؤدي وظيفة رقابية وقانونية حقيقية. عندما تكون لها الحجية نفسها للأصل، فإنها تمنح ممثل اللائحة أداة مستقلة لمراقبة النتيجة والاحتفاظ بأثر مادي يمكن الرجوع إليه عند النزاع. ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس: لماذا ننفق المال على النسخ؟ بل: ما القيمة التي تنتجها هذه النفقة بالنسبة إلى شفافية العملية الانتخابية وقابليتها للتحقق والمراجعة والطعن؟
لكن هنا تظهر المفارقة التي تستحق مساءلة الدولة الحديثة: ماذا تفعل الرقمنة في كل هذا؟
إذا كانت الدولة تتحدث عن التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية والإدارة الرقمية، وإذا كانت العملية الانتخابية نفسها تعتمد بصورة متزايدة على قواعد البيانات والمنصات والربط المعلوماتي، فهل يعقل أن تظل لحظة حاسمة من لحظات إنتاج الشرعية الانتخابية مرتبطة أساسًا بالورق وآلة النسخ وعبوة الـToner؟
لقد قطعت الإدارة المغربية بالفعل أشواطًا في رقمنة بعض الخدمات الانتخابية، من بينها المنصة الإلكترونية الخاصة بالوكالة الانتخابية، لكن ذلك شيء، ورقمنة المحضر الانتخابي ذي الحجية القانونية شيء آخر.
الرقمنة الجادة هنا لا تعني مجرد تحويل الورقة إلى ملف PDF. إنها تعني إعادة هندسة دورة المحضر بأكملها: إنشاء محضر رقمي مؤمّن، وربطه بمكتب التصويت المعني، وتوثيق هوية محرريه، وتسجيل التعديلات أو الملاحظات، واعتماد توقيع إلكتروني ذي حجية قانونية، وإنشاء بصمة رقمية للوثيقة تمنع العبث بها، ثم تمكين ممثل اللائحة من الحصول على نسخة إلكترونية موثقة فور انتهاء العملية، مع الاحتفاظ بالأصل وفق الضمانات القانونية اللازمة. عندها يصبح لكل محضر أصل رقمي قابل للتحقق ونسخ رقمية موثقة قابلة للتتبع بدل إنتاج عشرات أو مئات النسخ الورقية من الوثيقة نفسها.
والأهم أن الرقمنة يمكن أن تنقل مفهوم الرقابة من حق الحصول على نسخة إلى حق التحقق من صحة النسخة.
فالفرق جوهري. في النظام الورقي، يحصل ممثل اللائحة على نسخة موقعة ويحتفظ بها. أما في النظام الرقمي المتقدم، فيمكن أن يحصل على وثيقة تحمل معرفًا فريدًا وبصمة رقمية وتوقيعًا إلكترونيًا، يستطيع بواسطتها التحقق لاحقًا من أن الوثيقة التي بحوزته هي نفسها الوثيقة التي أُنشئت في المكتب ولم يطرأ عليها أي تغيير. هنا لا تصبح الرقمنة مجرد اقتصاد في الورق والحبر، بل تتحول إلى بنية تحتية للثقة الانتخابية.
وإذا كانت الدولة تريد فعلًا قياس كفاءة الإنفاق الانتخابي، فلماذا لا نعرف لأول التكلفة الكاملة للمحضر الواحد؟ كم ثمن الورق؟ كم ثمن الـToner؟ كم ساعة عمل تستهلكها عملية النسخ والترقيم والتوقيع والتسليم؟ كم تكلف صيانة آلات التصوير؟ كم يكلف نقل الوثائق وحفظها وأرشفتها؟ وكم ستكلف، في المقابل، منظومة رقمية مؤمنة تنتج المحضر نفسه وتحفظه وتتيح نسخه والتحقق منه؟ عند هذه النقطة فقط يمكن أن ننتقل من خطاب عام عن «الرقمنة» إلى حساب اقتصادي مؤسسي للرقمنة.
المفارقة إذن ليست في أن الدولة تنفق على حماية حق قانوني؛ فهذا الإنفاق له مبرره الديمقراطي. المفارقة في أن الحق نفسه يمكن أن يكون رقميًا في جوهره، بينما تظل وسيلة ممارسته ورقية في شكلها.
وإذا كان المحضر هو الذاكرة القانونية للعملية الانتخابية، فإن السؤال لم يعد فقط: كم نسخة سنطبع؟ بل: لماذا نطبع أصلًا كل هذه النسخ في زمن تستطيع فيه الدولة أن تجعل المحضر نفسه قابلًا للتحقق الرقمي، دون أن تنتقص من حجيته أو من حق ممثل اللائحة في مراقبة العملية؟
هنا تبدأ المسألة الحقيقية: ليست القضية اقتصاد الورق، بل اقتصاد الثقة. فالرقمنة التي تستحق اسمها ليست التي تستبدل الطابعة بالشاشة، وإنما التي تخفض كلفة إنتاج الوثيقة القانونية وتزيد في الوقت نفسه من قابليتها للتحقق والمراقبة والطعن. أما أن نمتلك الإدارة الرقمية والمنصات الرقمية وقواعد البيانات ثم نعود عند لحظة إنتاج النتيجة الانتخابية إلى الورق والـToner وآلة التصوير، فذلك يجعلنا أمام سؤال مشروع: هل رقمنّا الإدارة فعلًا، أم أننا فقط رقمنّا واجهتها؟
هذا، في تقديري، هو المفصل الفكري الأقوى للمقال: لا نجعل «ديمقراطية النسخ» مادة للسخرية من الإنفاق، بل نجعلها مدخلًا لمساءلة اقتصاد الثقة الانتخابية: ما الذي ندفعه اليوم لإنتاج نسخة ورقية ذات حجية قانونية، وما الذي يمكن أن توفره رقمنة المحضر دون المساس بالضمانات التي أرادها المشرّع؟
واللافت قانونيًا أن النص الحالي نفسه يفتح الباب لذلك؛ فهو لا يفرض «الفوطوكوبي» تحديدًا، بل يقول: «باستخدام أية وسيلة متوفرة». وهذه العبارة قد تكون مدخلًا تشريعيًا مهمًا للانتقال من حق في نسخة ورقية إلى حق في نسخة رقمية موثقة ذات حجية قانونية، إذا استُكملت المنظومة القانونية والتقنية اللازمة.
أمّا الكلفة المالية الدقيقة فلا أنصح بوضع رقم جزافي في المقال قبل معرفة متوسط عدد ممثلي اللوائح الحاضرين فعليًا في كل مكتب، وعدد صفحات المحضر، وأسعار الورق والـToner وكلفة التشغيل البشرية. الأفضل أن نبني لها نموذج تكلفة انتخابية بثلاثة سيناريوهات (منخفض، متوسط، مرتفع)، ثم نقارنها بتكلفة منظومة رقمية للمحاضر؛ عندها يصبح المقال أكثر قوة بكثير، لأننا سننتقل من الانطباع إلى اقتصاد قياس الثقة الانتخابية.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





