قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أحمد براو

 

 

مع قدوم فصل الصيف واشتداد الحرارة تكثر مظاهر العري والتبرج والسفور وكشف العورات سواء للنساء أو الرجال وحتى المحارم والصغار ويصعب على الإنسان أن يحفظ بصره ويغض طرفه عن النظرة المحرمة حتى أصبح هذا المنكر معروفا ومألوفا، وتطبع معه الجمّ الغفير من الناس إلا من رحم ربي، خصوصا في الحواضر والمدن والشواطئ، ولم يعد يرى مضاضة في إطلاق البصر والتحدق إلى ما يهز القلوب ويستلذ به من الأحاسيس المقيتة والعواطف الخبيثة ويبعث عن ارتكاب الفواحش واقتراف المعصية، بل النظرة في حد ذاتها زنا ولو أنها من مقدمات الزنا كما جاء في الأثر: “زنا العينان النظر”

والواجب على المسلم في كل حال تجنب النظر إلى المتبرجات، وغض البصر ولا يجوز لمسلم أن يشاهد صور النساء غير متحجبات ولا شبه العاريات ولا صور الرجال الذين قد كشفوا أفخاذهم.. لأن الله أمر بذلك كما قال سبحانه: “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ”، فالمؤمن يغض بصره، ويتقي ربه ويسأل الله العافية.

إعلم أن أقصر الطرق لسيطرة هواك أو شيطانك على نفسك، إنما هو طريق البصر، وفي ذلك يقول الإمام القرطبي رحمه الله: «البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله، ونقصد بغض البصر أن يغمض المسلم بصره عما حرم عليه ولا ينظر إلا لما هو مباح له النظر إليه ، وإن وقع نظر المسلم على مُحرم من غير قصد فليصرف بصره سريعا ولا يتمادى في النظر»اه. وهذا ما يسمى نظرة الفجأة فهنا يجب أن يصرف بصره بسرعة ويستغفر ربه. لأن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ( النظرة سهم من سهام ابليس من تركها مخافة الله أبدله الله ايمانا يجد حلاوته في قلبه..)

في زمان مضى كان الإنسان إذا أراد أن ينظر إلى ما يفتتن به قلبه يذهب فيطلبه أين يتوقعه ويجده، فتكثر العراقيل نحو مطلوبه، فإذا ما وصله يكون بعد العناء والخوف ممن يرقبه. ثم قد صرنا إلى ما نحن فيه؛ إذ تلاحق الصور الإنسان في مسكنه وعمله، ومسعاه، وحين يخرج إلى قضاء الحاجات أو في المتنزهات، بل وصل الأمر أن تأتيه وهو في بيته! ومما يُخشى على متصفحي الهواتف والمواقع والتلفاز أنهم معرضون للنظرة المحرمة بل والاعتياد على النظر للصور الفاضحة، والانزلاق في مهاوي تلك القبائح. ولذا فكلما كان التحرز من المحرم أكثر صعوبة، كان الأجر عليه أكبر، فمن يغض بصره في زماننا أعظم أجرا ممن يغض بصره في زمن غابر؛ لكثرة الدواعي والمغريات.

كلنا نعلم أن اللسان من أول ما يؤاخذ به الإنسان هو اللسان، وأن حصائد الألسنة من أكثر ما يكب ابن آدم في جهنم، ومع ذلك ذهب حبر الأمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على أن: «حفظ البصر أشد من حفظ اللسان».

وقد ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله- ست فوائد لغض البصر، وهي:

غض البصر يُعطي الشخص نورًا في قلبه ينعكس على جوارحه ويُشرق وجهه، والنظر الحرام يُعطي سوادًا في القلب ينعكس على وجه المرء وجوارحه.
غض البصر يُكسب المؤمن ملكة الفراسة، وهي نور يضعه الله تعالى في قلب من شاء من عباده، فيُطلق الله تعالى بصيرة عبده إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة، فالله تعالى يجزي بالإحسان إحسانًا.
غض البصر يُخلّص قلب المسلم من الحسرة، فإذا أطلق المرء بصره أصبح يشتهي ما لا يملك، وهو بذلك يؤذي قلبه ويفعل به ما يفعله السهم بالرميّة.
غض البصر يُخلص المرء من استعباد الشيطان واتباع الشهوات المحرمة، فيعطي القلب قوةً وشجاعةً وثباتًا يُعطيه سلطانًا للحجة والبرهان، وقد ورد في الأثر أن من يخالف هواه يهرب الشيطان من ظله.
غض البصر يُعطي العبد شعورًا بالراحة والسكينة والسرور، فهو لم ينظر لما في أيدي الناس ولم يشتهِ ما لن يستطيع الحصول عليه، فإن كبح جماح شهوته وتمكَّن من حفظ بصره جازاه الله تعالى بسرور يُلازم قلبه.
غض البصر يُقرب العبد من الجنة، ويسد عنه بابًا من أبواب جهنم، فإطلاق البصر بوابة لإطلاق الجوارح للحرام، الذي يُردي صاحبه في نار جهنم.

فكل هذه الفوائد كفيلة بأن يستجمع العبد قواه الإيمانية وبواعث الورع والتقوى لكي يتغلب على وساوس النفس ونفوث الشياطين ويستحضر كل هذه الفضائل ليحتسب مجاهدته لغض البصر فيزداد إيمانا ونورا، بدل أن يسقط في لوثات المحرمات ومصائد خطوات إبليس، وتظهر علامات المعصية في محياه وتكسب القلب ظلمة ووحشة، بل وحتى اضطرابا في حياته ومعاملاته ومعاشراته، ما قد تجر عليه من علاقات محرمة ومشاكل واختلالات أسرية وعائلية وفضائح تهتك أستاره وتفضح أسراره.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...