العقبات التي تعترض البيجيدي خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ياسين جلوني

 

خلال كافة الاستحقاقات الانتخابية السابقة، إذا تساءل أحدنا عن أهم العقبات التي كانت تعيق حزب العدالة والتنمية عن الخوض فيها، كانت الأجوبة دائما تصب في منحى المواجهة والمهاجمة التي يتعرض لها الحزب من طرف خصومه السياسيين، وذلك باعتماد جميع الوسائل القذرة كالإعلام المغرض وترويج الأكاذيب والتهديد والابتزاز واختلاق الملفات…
أما في سياقنا الحالي فنرى أن الكثير من الأمور تغيرت، وأنه لم تعد تظهر أي قيمة وأي وزن لخصوم الحزب في مواجهتهم له خلال الاستحقاقات المقبلة، ورغم استمرار نفس الوسائل القذرة من كذب وبهتان، إلا أن هناك تحديات أكبر ومعيقات أكثر أثرا، وهي ما ارتبط بالوضع الداخلي للحزب أكثر مما ارتبط بخصومه الخارجيين.

إن أكبر عقبة سيواجهها مناضلو الحزب في احتكاكهم مع المواطنين هو أن قيادة الحزب الحالية ليست فاقدة للبوصلة فقط، وإنما فاقدة للمصداقية، والكل يعلم أن المصداقية هي أثمن ما قد يحظى به السياسي، وإن فقدت فقد كل شيء. فكيف للمواطن والمناضل أن يفكر في التصويت على حزب قيادته انقلبت على مبادئه من خلال تمريرها للعديد من القوانين والقرارات التي هي على النقيض من مبادئ الحزب كتمريرها لفرنسة التعليم وهرولة بعض القيادات للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وهرولة البعض للدفاع عن قانون الكيف، ناهيك عن التطبيع الكبير مع تغول السلطوية في بلادنا ومتابعة الصحفيين والحقوقيين.

أي مصداقية مازال يحتفظ بها العثماني وقد مرر طيلة ولايته العديد من القرارات دون أدنى مقاومة، وحتى دون الاعتراف بالأخطاء والخطايا المرتكبة، فالعثماني في نظر المغاربة هو من فرض عليهم الساعة الإضافية، وأصبح إزالة هذه الساعة المشؤومة حلما يراود أطيافا واسعة من الشعب المغربي، ناهيك عن مشهد توقيعه للاتفاق الثلاثي المشؤوم دون أن يعترف بخطئه أو يستقيل من الحزب على الأقل حفظا لماء الوجه. كيف أمكن أن تزال صورة “البيدق” التي رسخت في أذهان جزء من المغاربة عن العثماني، الذي أصبح كالخادم المطيع الذي يتم توجيهه كيفما يراد له ذلك، وهذا بكل افتخار وثقة في النفس يظهرها العثماني؟

كيف أمكن للشعب أن يصدق كلمة واحدة من كلمات التي يصرح بها الرباح، وهو فقط في الأشهر الماضية أعلن استعداده لزيارة الكيان الصهيوني، ثم قبل أسابيع صرح باستعداده لزيارة غزة؟ كيف أمكن للشعب المغربي أن تحذف من ذاكرته مشاهد الاعتقال المتكررة للصحفيين، واعتقال الأساتذة وتعنيفهم، ثم يجدون في المقابل أن وزير حقوق الإنسان يعلن استعداده للتناظر حول الكيف في حين أن آخر اهتمامه هو حقوق الإنسان؟ كيف أمكن للمغاربة أن ينسوا وعود الداودي حول تسقيف المحروقات، في حين غادر الداودي الحكومة ومازالت أسعار المحروقات تلهب جيوب المغاربة؟

كيف أمكن للمواطن أن يمنح المصداقية لأمكراز الذي كان بالأمس القريب يهاجم حكومة ما بعد البلوكاج التي شكلت عكس الارادة الشعبية، ثم في الأخير يقبل المشاركة في حكومة أقل ديمقراطية من حكومة ما بعد البلوكاج؟ وفي نفس الوقت احتفظ بمسؤوليته ككاتب وطني للشبيبة، وهو ما حال دون أن تكون للشبيبة كاتب وطني غير متأثر بالوضع الحكومي، فأمكراز قبل استوزاره كان يستطيع مهاجمة الخصوم السياسيين الذين عجزت قيادة الحزب عن مهاجمته كأخنوش، لكن بعد استوزاره عجز عن ذلك، فلماذا نحرم الشبيبة من كاتب وطني متحرر من الالتزامات الحكومية، ونرهن الشبيبة بمسؤول داخل الحكومة؟ أم أن استوزاره وبقاءه كاتبا وطنيا كانت وراؤه غايات أخرى؟

كيف لهذه القيادة الحزبية التي عجزت عن حماية منتخبيها ومناضليها من المتابعات السياسية المغرضة، أن تحمي المغاربة من تغول السلطوية؟ كيف سيتم إقناع المواطن المغربي بالتصويت على العدالة والتنمية الذي رفع قبل عشر سنوات شعار “محاربة الفساد والاستبداد” في حين استفحل الفساد والاستبداد بشكل كبير في ظل الولاية الثانية للعدالة والتنمية؟
وبالتالي فإن أبرز العقبات التي تحول دون انخراط قوي للبيجيدي في الاستحقاقات المقبلة هي فقدان قيادته للمصداقية، بالإضافة لأزمة الحزب الداخلية التي هي بالأساس أزمة قيادة، ومن المؤشرات الكبيرة على ذلك خروج بنكيران بموقفه من خمس قيادات من الحزب وإعلانه القطيعة معهم.

انقلاب قيادة البيجيدي على المبادئ المؤسسة للحزب، وعدم إبدائها أي مستوى من المقاومة تجاه تغول السلطوية هو ما أفقد للقيادة الحالية مصداقيتها، وهو ما أدى إلى ترهل تنظيمي وانسحابات تلو الانسحابات، فما لم تعالج هذه الأزمات وهذا الوضع الداخلي (أزمة المصداقية، أزمة القيادة، الترهل التنظيمي) فمشاركة مناضلي الحزب في الحملة الانتخابات ستكون أشبه بالمشاركة في سباق السيارات بسيارة تعاني الكثيرة من الأعطاب الميكانيكية، ومشاركتها فقط من باب “المهم هو المشاركة” ورفض منطق الكرسي الفارغ.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...