سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (32)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا: المنظور الملكي للحكامة الإدارية
نستعرض في هذا المبحث كلا من المفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في سياق الحكامة الإدارية وفقا للمنظور الملكي.
1- المفهوم الجديد والمتجدد للسلطة

مستلزمات تنفيذ المفهوم الجديد والمتجدد للسلطة

تحسين الحكامة الإدارية: إن السياسة التنموية المحفزة على الاستثمار رهينة بنجاعة الأجهزة الإدارية، ومهما تكن وجاهة أي سياسة تنموية محفزة على الاستثمار فإنها تظل رهينة بنجاعة الأجهزة الإدارية على النهوض بها. وإن فعالية الأجهزة الإدارية مرتبطة بالعنصر البشري المؤهل لإصلاح الإدارة من الداخل وجعل سيرها مطبوعا بروح التدبير الفعال وخدمة المواطن والتنمية، فإننا عازمون على متابعة تأهيل الموارد البشرية في جميع مرافق الإدارة والقطاع العامين وامدادهما بكفاءات جديدة كما فعلنا عند تعييننا لمجموعة من الولاة ومسؤولي المقاولات والمؤسسات العمومية حتى نجعل من الإدارة والقطاع العام الفاعل الاقتصادي الأول المحفز للاستثمار والمندمج في حركة التنمية الشاملة.

الحكامة المحلية الجيدة: وذلك من خلال تحسين نظام ووضعية المنتخب وايجاد أحسن نسق للتدبير المحلي.. وذلك على سبيل المثال لا الحصر من خلال تحديد تحمل المهام التنفيذية في المرشحين المتوفرين على حد أدنى من المؤهلات والتكوين ومنع تعدد الانتدابات المحلية. ثانيا.. تعزيز آيات حماية المصالح العمومية. عن طريق الفصل الواضح بين الوظيفتين التداولية والتنفيذية ومنع المنتخب من إقامة علاقات مصلحية وخاصة مع الجماعة التى هو عضو فيها وتقوية المراقبة الخارجية بواسطة الافتحاص والمجالس الجهوية للحسابات. وتوسيع مجال التدبير المحلي.. من خلال توسيع اختصاصات المجالس المحلية وصلاحيات رئيسها وتحويل الاختصاصات والاعتمادات ضمن منظور متقدم للامركزية واللاتمركز وعبر التخفيف من الوصاية بترجيح المراقبة البعدية على المصادقة القبلية والمراقبة القريبة على الوصاية المركزية والتقليص من آجال المصادقة على مقررات المجالس المحلية والإقرار بحق الاستشارة المسبقة والتوقيع بالعطف على قرارات ممثلي الدولة وصلاحية الطعن في القرارات غير المطابقة لمداولات المجلس. وإحداث نظام جديد لإدارة المدن.. يكرس مبدأ وحدة المدينة المسيرة من قبل مجلس المدينة الذي يمارس كافة المسؤوليات البلدية وإلى جانبه مجالس للمقاطعات بمثابة وحدات فرعية غير متمتعة بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي مكلفة بتدبير الشؤون التى تتطلب القرب من المواطنين.

دور السلطات العمومية في مراقبة الجماعات المحلية تفاديا للإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير: في هذا الصدد يؤكد الملك على وجوب التزام هذه السلطات باليقظة والحزم والمراقبة الدائمة لنهوض المجالس المنتخبة على الوجه الأكمل بصلاحياتها الواسعة طبقا للقانون. ومع تحذيره من الإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير ولو كان صادرا عن منتخب بأغلبية واسعة، وفي هذا السياق، يتعين إعطاء نفس جديد لمسار اللامركزية والجهوية، والعمل على أن يصبح التدبير اللامتمركز، بوصفه لازمة لخيار اللامركزية، قاعدة أساسية في جميع القطاعات العمومية، ومقوما ضروريا للحكامة الترابية الجيدة. ومن أجل ترسيخ للحكامة الترابية، دعا الملك إلى وجوب تلازم الجهوية الناجعة مع تفعيل نظام اللاتمركز الواسع والملموس، في إطار أقطاب محددة، تفوض لها السلطات المركزية الصلاحيات والموارد اللازمة، من خلال مقـاربة جهوية مندمجة. وفي هذا الصدد، نؤكد من جديد، توجهنا الراسخ، لإقامة جهوية متدرجة ومتطورة. جهوية متضامنة تشمل كل مناطق المملكة، على أساس تقسيم جديد وصلاحيات موسعة. ضمن مسار مغربي-مغربي، بإرادة وطنية خالصة، مراعاة لخصوصيات كل جهة، بما فيها أقاليمنا الجنوبية. والكل في نطاق السيادة والوحدة الوطنية والترابية.

الإصلاحات المكملة للحكامة الترابية الجيدة: ولدعم قرب السلطات العمومية من الحاجيات الحقيقية للمواطن، وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها له الإدارة والمجالس المنتخبة، شدد الملك الحكومة إجراء إصلاحات هيكلية أو مكملة، ترفع من قوتنا الاقتصادية والاجتماعية، بالنهوض بالقطاعات الأساسية للتعليم والفلاحة والطاقة والماء والنمو الصناعي. ويظل نجاح الاصلاحات رهينا بتوافر النخب المؤهلة. لذا، دعا الملك المنتخبين المحليين، إلى تحمل مسؤوليتهم، في الاستجابة للحاجيات اليومية الملحة للمواطنين، من خلال برامج واقعية. من خلال سياسة القرب وحسن التدبير، وإيثار الصالح العام، وتضافر الجهود مع الفعاليات الإنتاجية والجمعوية، والسلطات العمومية). وطل ذلك في ظل سيادة القانون، والحزم الدائم في ردع أي إخلال به.

الجهوية المتقدمة نقلة نوعية في مسار الديموقراطية المحلية: وفي هذا السياق دعا الملك للتفكير المعمق، في جعل أقاليمنا الجنوبية، نموذجا للجهوية المتقدمة، بما يعزز تدبيرها الديمقراطي لشؤونها المحلية، ويؤهلها لممارسة صلاحيات أوسع. والغاية المثلى للجهوية المتقدمة المترافقة مع لاتمركز واسع، هو إعطاء دفعة قوية لنموذجنا التنموي والمؤسسي المتميز، من خلال أوراش تنموية وبشرية ومستدامة، ومخططات قطاعية، وطنية طموحة، ذات بعد جهوي، ووضع حد نهائي للمقولة الاستعمارية للمغرب النافع وغير النافع، ويظل الهدف الأسمى إرساء دعائم جهوية مغربية، بكافة مناطق المملكة، قائمة على حكامة جيدة، تكفل توزيعا منصفا وجديدا، ليس فقط للاختصاصات، وإنما أيضا للإمكانات بين المركز والجهات. ذلك أن الملك يرفض جهوية بسرعتين: جهات محظوظة، تتوفر على الموارد الكافية لتقدمها، وجهات محتاجة، تفتقر لشروط التنمية..

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...