سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (33)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا: المنظور الملكي للحكامة الإدارية
نستعرض في هذا المبحث كلا من المفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في سياق الحكامة الإدارية وفقا للمنظور الملكي.

1- المفهوم الجديد للسلطة

المفهوم المتجدد للسلطة لا يستثني شخصا أو مؤسسة أو سلطة

يقول الملك: “مفهومنا للسلطة هو مذهب في الحكم، لا يقتصر، كما يعتقد البعض، على الولاة والعمال والإدارة الترابية. وإنما يهم كل من له سلطة، سواء كان منتخبا، أو يمارس مسؤولية عمومية، كيفما كان نوعها. والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون. وبالنسبة للمنتخبين فإن ذلك يتم أيضا، عن طريق الانتخاب، وكسب ثقة المواطنين. ومحاربة الفساد بكل أنواعه”. كما أنه أوضح في مناسبة أخرى أن المفهوم المتجدد يهم كل السلطات وليس فقط السلطات المحلية (التي ركز عليها في خطاب الاعلان التاريخي عن المفهوم الجديد لسلطة سنة 1999)، وذكر بالاسم السلطة القضائية والسلطة التشريعية، فكل السلطات معنية بالانخراط في مفهوم وروح المفهوم المتجدد للسلطة بإعادة النظر في حكامتها التدبيرية وفي نهجها السلوكي وفي علاقاتها مع محيطها.

ترسيخ المفهوم المتجدد للسلطة يقتضي إصلاح الإدارة والقضاء على حد سواء

وإدراكا من الملك بأن فعالية الأجهزة الإدارية مرتبطة بالعنصر البشري المؤهل لإصلاح الإدارة من الداخل وجعل سيرها مطبوعا بروح التدبير الفعال وخدمة المواطن والتنمية، فإنه قد عبر عن عزمه على متابعة تأهيل الموارد البشرية في جميع مرافق الإدارة والقطاع العامين وامدادهما بكفاءات جديدة كما فعل عند تعيينه لمجموعة من الولاة ومسؤولي المقاولات والمؤسسات العمومية حتى يجعل من الإدارة والقطاع العام الفاعل الاقتصادي الأول المحفز للاستثمار والمندمج في حركة التنمية الشاملة.كما عبر عن تصميمه على السهر على مواصلة إصلاح القضاء الذي يتعين عليه أن يطور موارده البشرية وأجهزته ومساطره ليستجيب لمتطلبات العدل والتنمية عن طريق ترسيخ سيادة القانون والشفافية والنزاهة والإنصاف والسرعة في الإنجاز على مستوى إصدار الأحكام وتنفيذها، مشيعا بذلك روح الثقة المحفزة على الاستثمار.

ولأن ممارسة الشأن العام لا تقتصر على المنتخبین، بل تشمل الجھاز الإداري الذي یجب أن یكون في خدمة المواطن والتنمیة؛ فإننا نلح على ضرورة إجراء إصلاح إداري عمیق، وفق منھجیة متدرجة، متأنیة ومتواصلة، تتوخى تبسیط المساطر، وجعلھا شفافة، سریعة، مجدیة، ومحفزة على الاستثمار. وسعیا وراء الحفاظ على ثقافة المرفق العام وأخلاقیاته، من قبل نخبة إداریة متشبعة بقیم الكفایة والنزاھة والاستحقاق والتفاني في خدمة الشأن العام وفي مأمن من كل أشكال الضغوطات وشبكات المحسوبیة والمنسوبیة، والارتشاء واستغلال النفوذ؛ فلن يقبل الملك استغلال أي مركز سیاسي أو موقع إداري من أجل الحصول على مصلحة شخصیة أو فئویة؛ منتظرین من السلطات العمومیة أن تكون صارمة في ھذا المجال، وأن تلجأ علاوة على ما تتوفر علیه من وسائل للمراقبة الإداریة والقضائیة إلى اعتماد أدوات وأجھزة جدیدة لتقویم السیاسات العمومیة، فضلا عن إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والمنتخبین في إعداد المشاریع وتنفیذھا .

المؤسسات عديمة الجدوى بدون خدمة المواطنين والحكامة الإدارية الجيدة أساسها وغايتها تحسين علاقة المواطن بالإدارة:

ويقصد الملك هنا علاقة المواطن بالإدارة، سواء تعلق الأمر بالمصالح المركزية، والإدارة الترابية، أو بالمجالس المنتخبة، والمصالح الجهوية للقطاعات الوزارية. كما يقصد أيضا، مختلف المرافق المعنية بالاستثمار وتشجيع المقاولات، وحتى قضاء الحاجيات البسيطة للمواطن، كيفما كان نوعها. فالغاية منها واحدة، هي تمكين المواطن من قضاء مصالحه، في أحسن الظروف والآجال، وتبسيط المساطر، وتقريب المرافق والخدمات الأساسية منه.
والأمر كذلك لأن النجاعة الإدارية معيار لتقدم الأمم، وما دامت علاقة الإدارة بالمواطن لم تتحسن، فإن تصنيف المغرب في هذا الميدان، سيبقى ضمن دول العالم الثالث.
وإلى متى يتدخل الملك بدل الإدارة ؟ فإذا كان البعض لا يفهم توجه عدد من المواطنين إلى ملكهم من أجل حل مشاكل وقضايا بسيطة، فهذا يعني أن هناك خللا في مكان ما.

فضائل النجاعة (الكفاءة) الإدارية:

تتمثل في جلب الاستثمار الوطني والأجنبي، وتعزيز الثقة التي يحظى بها المغرب، لذا، دعا غير ما مرة إلى بلورة حلول حقيقية للارتقاء بعمل المرافق الإدارية، والرفع من جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين. إن إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكات والعقليات، وجودة التشريعات، من أجل مرفق إداري عمومي فعال، في خدمة المواطن. فالوضع الحالي، يتطلب إعطاء عناية خاصة، لتكوين وتأهيل الموظفين، الحلقة الأساسية في علاقة المواطن بالإدارة، وتمكينهم من فضاء ملائم للعمل، مع استعمال آليات التحفيز والمحاسبة والعقاب. كما يتعين تعميم الإدارة الإلكترونية بطريقة مندمجة، تتيح الولوج المشترك للمعلومات بين مختلف القطاعات والمرافق.

المفهوم المتجدد للسلطة يهم القضاء:

وحتى يأخذ تسريع النهج الاصلاحي القضائي وتيرته القصوى، فانه ينبغي تعزيز الموارد المالية والبشرية المرصودة لقطاع القضاء بشكل يمكن من مواصلة اعادة الاعتبار للعدالة وتحديثها وتأهيلها لكي تنهض على الوجه المطلوب بالمهام النبيلة الجسيمة والمتزايدة المنوطة بها.

ويأتي القضاء في طليعـة القطاعات، ذات الأسبقية لأن العدل بقدر ما هو أساس للملك، فهو قوام دولة الحق، وسيادة القانون والمساواة أمامه. ودعامة للتنمية وتشجيع الاستثمار. لذا يتعين على الجميع التجند لتحقيق إصلاح شمولي للقضاء، لتعزيز استقلاله الذي نحن له ضامنون. هدفنا ترسيخ الثقة في العدالة، وضمان الأمن القضائي، الذي يمر عبر الأهلية المهنية، والنزاهة والاستقامة. وسيلتنا صيانة حرمة القضاء وأخلاقياته، ومواصلة تحديثه.

والأمر كذلك لأن إصلاح القضاء من مقومات ترسيخ الحكامة الجيدة، كما يتعين ترسيخ الحكامة الجيدة بإصلاح العدل وتحديثه وتأهيله، دعما لاستقلاله، وللأمن القضائي، ولسيادة القانون والتنمية. وعلى هذا الأساس، فقد قرر الملك أن يؤسس لمفهوم جديد لإصلاح العدالة، ألا وهو “القضاء في خدمة المواطن”. ويتوخى من جعل “القضاء في خدمة المواطن”، قيام عدالة متميزة بقربها من المتقاضين، وببساطة مساطرها وسرعتها، ونزاهة أحكامها، وحداثة هياكلها، وكفاءة وتجرد قضاتها، وتحفيزها للتنمية.

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

في الحلقة المقبلة : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...