*دكتور محمد براو
المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية
يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.
1- المفهوم الجديد للسلطة (تابع)
تعيين نخب مؤهلة وتعميم المراقبة
يتعلق الأمر بتعيين ولاة وعمال (محافظون) في سياق المفهوم الجديد والمتجدد للسلطة الذي أسس له الملك محمد السادس والقاضي بتعزيز الحكامة الترابية (الإقليمية) القائمة على سياسة القرب والعمل الميداني والإصغاء إلى المواطنين والعمل على التجاوب مع انشغالاتهم والانكباب على أوراش التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية. إنه ترسيم للحظة انتقال مفصلية من مفهوم “رجل السلطة ” بالمعنى التقليدي المنغلق إلى مفهوم “رجل الحكامة التنموية الجيدة” بالمعنى العصري المنفتح. ثم إجراء حركة تغيير واسعة في مختلف الأجهزة الإدارية والاستشارية بغية توفير الموارد البشرية المتجددة والتي ينتظر منها الملك التشبع الكامل بالفلسفة السامية للمفهوم المتجدد للسلطة. كما تم إطلاق عملية واسعة للمراقبة والتدقيق والتفتيش والزجر في ظل سيادة القانون والشرعية على مستوى الجماعات المحلية والمؤسسات الحكومية.
تخليق الحياة السياسية والإدارية
بمقتضى القانون المتعلق بالأحزاب السياسية الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006، ولا سيما المادة 37 منه، يتولى المجلس الأعلى للحسابات (أعلى هيئة رقابة مالية حكومية في الدولة) تدقيق نفقات الأحزاب السياسية بخصوص الدعم السنوي الممنوح لها من طرف الدولة لتغطية نفقات تسييرها وكذا افتحاص حساباتها السنوية. ويتوجب على الأحزاب السياسية، في هذا الإطار، أن توجه إلى المجلس الأعلى للحسابات، وفي أجل أقصاه 31 مارس من كل سنة، بيانا مصحوبا بالوثائق المثبتة للنفقات المنجزة برسم السنة المالية الفارطة والوثائق المتعلقة بالحسابات السنوية مشهودا عليها من طرف خبير محاسب مسجل بهيئة الخبراء المحاسبين. وإذا تبين للمجلس أن المستندات المدلى بها لا تبرر جزئيا أو كليا استعمال المبالغ الممنوحة لكل حزب وجه له (في شخص مسؤوله الوطني) الرئيس الأول إنذارا من أجل إرجاع المبلغ المذكور إلى الخزينة أو تسوية وضعية الحزب داخل أجل 30 يوما من تاريخ الإنذار. وإذا لم يستجب الحزب المعني للإنذار داخل الأجل القانوني، يفقد الحزب الحق في الاستفادة من الدعم السنوي إلى حين تسوية وضعيته دون الإخلال باتخاذ التدابير والمتابعات المقررة قانونا فيما يتعلق باختلاس المال العام.
كما يدقق المجلس الأعلى للحسابات مستندات النفقات المتعلقة بمعونة الدولة لمترشحي الانتخابات التي حدد سقفها المرسوم الصادر بتاريخ 19 أكتوبر 2011 ، في 350.000 درهم لكل مترشح ومترشحة. وفي حالة عدم احترام المقتضيات المنصوص عليها في المواد من 94 إلى 96 يوجه للنائب الفائز إعذار للإدلاء بالوثائق المطلوبة داخل أجل 90 يوما تحت طائلة التجريد من العضوية.
وقد كان المجلس الأعلى للحسابات فيما قبل يقول إنه قد فحص البيانات والوثائق المثبتة التي تلقاها، وأدرج نتائج أشغاله في تقرير خاص يرفعه إلى السلطات المختصة (وزارة الداخلية)، لكن في تطور إيجابي جديد لوحظ أن المجلس الأعلى للحسابات بات ينشر تقارير خاصة بمالية الأحزاب السياسية ، تضمنت عدة ملاحظات وتوصيات بخصوص مدى التزامها بقواعد القانون ومعايير الشفافية والمحاسبة في تدبير ماليتها ونفقات مرشحيها، وهو ما شكل فرصة ذهبية من أجل ترسيخ الحكامة السياسية الجيدة وترشيد العمل الحزبي وإشاعة روح التخليق في الحياة العامة، انسجاما مع المعايير والممارسات الدولية الفضلى.
التصريح الإجباري بالممتلكات وتتبعها
تخضع عملية التصريح الإجباري بالممتلكات وتتبعها التي تعتبر تجسيدا عمليا لسؤال : “من أين لك هذا؟” لمجموعة متعددة ومتنوعة من النصوص التشريعية والتنظيمية، على رأسها القانون المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات الصادر بتاريخ 3 نونبر 2008. وتستند هذه النصوص الأساسية إلى مجموعة من النصوص القطاعية الخاصة بكل فئة من الفئات الملزمة بالتصريح بالممتلكات.
وتعميما للفائدة فيما يلي أهم ما جاء في القانون المغربي المتعلق بالتصريح بالممتلكات :
المملتكات التي يتوجب التصريح بها
فيما يخص الأنشطة المهنية (والانتخابية عند الاقتضاء).
– الممتلكات التي يملكها الملزم أو يملكها أولاده القاصرون أو يقوم بتدبيرها والمتمثلة فيما يلي :
• جميع العقارات؛
• الممتلكات المشتركة مع الأغيار؛
• الممتلكات التي يديرها لحساب الأغيار؛
• جميع الأموال المنقولة التي تساوي قيمتها ثلاثمائة ألف درهم أو أكثر؛
• الأصول التجارية؛
• الودائع في حسابات بنكية؛
• السندات؛
• الحصص والأسهم في الشركات؛
• القيم المنقولة؛
• الممتلكات المتحصل عليها عن طريق الإرث؛
• العربات ذات محرك؛
• الاقتراضات؛
• التحف الفنية والأثرية؛
• الحلي والمجوهرات؛
– المداخيل التي استلمها خلال السنة السابقة للسنة التي تم تعيينه فيها أو انتدابه.
التصريح التكميلي وتجديد التصريح
• كل ثلاث سنوات في شهر فبراير لجميع الفئات ما عدا منتخبي المجالس المحلية والفرق المهنية؛
• كل سنتين في شهر فبراير بالنسبة لبعض منتخبي المجالس المحلية والفرق المهنية؛
التصريح الموالي للتعيين
• داخل أجل التسعين يوما الموالية للتعيين؛
• داخل أجل أقصاه ثلاثة أشهر الموالية لمباشرة المهام بالنسبة للموظفين والأعوان العموميين المنصوص عليهم في الباب الثاني (المادة 2) من القانون.
التصريح عند انتهاء المهمة لأي سبب غير الوفاة
• داخل أجل التسعين يوما ابتداء من تاريخ انتهاء المهمة أو الانتداب؛
• داخل أجل ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ انتهاء المهمة بالنسبة لقضاة المحاكم المالية ولبعض منتخبي المجالس المحلية والفرق المهنية؛
• داخل أجل أقصاه شهران ابتداء من تاريخ انتهاء المهمة بالنسبة للموظفين والأعوان العموميين المنصوص عليهم في الباب الثاني (المادة 2) من القانون.
التصريح بالنسبة للمنتخبين
• داخل أجل ثلاثة أشهر الموالية للإعلان عن انتخاب المعني بالأمر بالنسبة:
• لبعض منتخبي المجالس المحلية.
• لبعض منتخبي الغرف المهنية.
* داخل أجل 90 يوما الموالية لافتتاح الولاية التشريعية أو لاكتسابه الصفة خلال الولاية بالنسبة :
• لأعضاء مجلس النواب.
• لأعضاء مجلس المستشارين.
التقرير
* يتم إعداد تقرير بالنسبة لجميع الفئات ابتداء من تاريخ عرض القضية على المستشار المقرر داخل أجل 60 يوما، ماعدا قضاة المحاكم المالية.
* تقوم اللجنة التي يرأسها الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات بالفحص المنتظم لتطور التصريحات بالممتلكات والمداخيل.
* يقدم مقرر مجلس قضاء المحاكم المالية تقريرا عن أعمال اللجنة أمام المجلس المذكور خلال كل دورة لاتخاذ الإجراءات اللازمة في حق المخالف.
ملحوظة هامة: رغم التفعيل المحدود لقانون التصريح الإجباري بالممتلكات، لاحظنا تطورا في تحريك المساءلة على الأقل، على عدم التصريح بالممتلكات، ومن أمثلة ذلك، فقد تم تطبيق الجانب العقابي من هذا القانون بشكل صارم في شهر يونيو 2020 على حوالي 26 منتخبا جماعيا صدرت في حقهم قرارات عزل بمبادرة من وزارة الداخلية، وتم تأكيدها بمرسوم صادر عن رئيس الحكومة.
على صعيد ذي صلة، فالبرلمان المغربي يوشك على المصادقة على قانون جامع جديد (مدونة) ومضبوط وفعال للتصريح بالممتلكات، تفاديا لعيوب القانون الحالي، نأمل أن يتم إرفاقه بالتسريع في المصادقة على قانون تجريم الإثراء غير المشروع الذي مازال ينتظر التوافق الحزبي بشأن مدى جدية العقوبات المترتبة عن مخالفته…
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





