على مقربة من الشيطان!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

زيد عيسى العتوم

 

 

أدرك أن النفس تأنس لما تهواه, وأنا قد أنست ذلك الكتاب الذي تمسمرت صفحاته بكلتا يديّ منذ أن شاءت الأقدار أن يلتقيا, لم أعرف إن كنت أقلّب صفحاته أم كان يقلّب طبقات روحي وزوايا نوازعي المبعثرة في هذا الكون, أحسست أن أوراقه لن تنتهي وستبقى تتوالى ما دمت حياً. وأعرف أن النفس تعشق ما حسِبَته الحق, وما توسّمت أنه الحقيقة, الحقيقة التي تستنشق جزءاً من أنفاسنا الحالمة, فقد نمتهن الكذب ونتوارى ونغرق في غياهب الخطايا, وبمجرد أن يُسدل الستار على أعيننا نستسلم طائعين ونستجدي الحقيقة وليس سواها, كنت جالساً لا أسمع غير نفسي تتحدث مع نفسي, فحتى تلك الأشجار الملتفّة حولي كانت خرساء, كان كلّ شيء صامتاً وراكعاً في فسحة عريضة من الفراغ, كنت أمسك بكتاب فريدريك نيتشه “شيطان الفلسفة الأكبر” وأرجوحة السحر والغموض تتسارع بين المأساة والملهاة, وبحيرة الفضول تتعاظم بعد أن صبّت فيها روافد كثيرة, وبعد بضع ساعات أغلقت الكتاب طمعاً في استراحة مغامر, أرجعت أكتافي صوب مقعدي المنحني كثيراً الى الخلف, بينما لم أجرؤ على الامتناع عن احتضان ذلك الكتاب, أو ربما لم يرغب هو بفراقي فأذنت له, كنت أرى أجفاني تتهاوى شيئاً فشيئاً, وأرجلي لا تقوى على الحراك, وقبل مغيب اليقظة رأيت نفسي تلميذاً يتكئ برأسه على راحة يده اليسرى, وإبهام يده اليمنى يحتكّ عبثاً بمنضدة شاحبة ومشققة, كنت أستمع لرجلٍ جاحض العينين حليق الرأس, لا يقطع طريق كلماته غير تلك العصى التي يحركها بمنتهى الرشاقة نحوي ونحو من حولي, ويشتدّ في مخارج حروفه بإرهاق ثنايا وجهه, كان يخبرنا عن ذلك الصراع الأبديّ بين الإنسان والشيطان, لم اكن وقتها لأعرف معنى الأبدية, وكان يحذّرنا من الانصياع له في اقتراف الموبقات والانسياق وراء الشهوات, ولم اكن وقتها لأعرف ما معنى الشهوات, وفجأة أخفض صوته وأخذ يُسرّ لنا خلسة بأن الشيطان يحيط بنا دائماً وأبداً, حتى لو لم نره او نستشعر وجوده, فرأيت نفسي أتلفّت حولي ربما لأحاول رؤيته أو للاطمئنان بعدم رؤيته, ثم ابتسم كمن أكمل مهمته او أنهى وجبته, وغادَرَنا وهو يطبق على عصاه تحت ابطه الأيمن, ومعالم الرضى تسبق أقدامه وتتراكض أمامه, بعد ذلك أظنني قد استسلمت للنوم, وكنت كمن يفترش السحاب وتأبى خيوط الشمس أن تقترب من فناء ستائر عينيه المغمضتين, ثم وعلى حين غرة يهزّني صوت غليظ يغشاه الصدى, ويتعاظم ما دام لم يحقق غايته, كان هادراً وغاضباً أشد الغضب, سمعته يقول بأنه الشيطان وبأنني لا بدّ وأن أمثُل أمامه, صَمَت برهة ثم عاود ضجيجه يشتعل من جديد, وأنبأني بعد ذلك بضرورة الوقوف أمام مرآة لامعة وعميقة تقف وحدها بقربي, وقفت أمامها خائفاً وأمعنت النظر فيها, لم أرَ غير نفسي تتقابل مع نفسي!

الشيطان: لا تخف ايها الفتى, أقول لك هذا رغم أنه ينبغي عليك الا تثق بي, صحيح أنني قد أكون اقوى منك, لكنك قد تغلبني أحياناً, وقد ترامى الى مسامعي أنك ترغب بلقائي, لا أظن ذلك غريباً, فأنتم البشر لا تتوقفوا عن محاولة فهم أنفسكم من أجل تحريرها من قبضة المخاوف والأحزان.

الفتى: لقد بحثت عنك, لكنني بنفس الوقت لم أرغب برؤيتك, إنني لا اراك الآن, أين أنت؟

الشيطان: مساكين أنتم أيها البشر, فلربما تعانون في مخيلتكم أكثر مما تكابدون في واقعكم, صدقني رغم امتعاضي من كلمة الصدق, إنك تراني الآن جيداً ماثلاً أمامك في تلك المرآة, ولو أغمضت عينيك ايضاً فستراني في باطنك الخفي.

الفتى: أنا لا افهم شيئاً مما تقوله, ما أعرفه يقيناً هو أنك رمزٌ بغيضٌ للجانب الشرير في عالمنا.

الشيطان: رغم أنك تكرهني, فأنا الآن في منتهى السعادة, صدقني, فهذه أول مرة أجرب فيها تبرئة نفسي, أنت تعلم أنني لست قاتلاً فأنا لا اقبض الأرواح, وأنا جليسك الصبور الذي لا يملّ مرافقتك, ولا يكلّ من ملاسنتك, ولا أبرح عالمك حتى تنتهي مهمتي برحيلك, هل تدرك ما أقول؟

الفتى: ربما ستسعد إن أجبتك زوراً, لكنني لا أتفهمك ولا أملك بذرة الحماسة لتلك المحاولة.

الشيطان: أنت الآن أمامي أول مرة, وأنا أتخيل ظنونك, لكن الا تراني بعقلك ذراعاً وركيزةً في ميزان الوجود, فلو لم أوصل الليل بالنهار في عملي المضني, فهل سيصبح للخير بالنسبة لكم طعم وألق!, وما جدوى ذلك العالم الممل بلون واحد وتملأه الفضيلة وحدها قلباً وقالباً!, فحتى مفهوم الحرية الذي تتغنون به, كيف ستحيونه من دوني, فأنتم تتلذذون بممارسة الاختيار بيني وبين الآخر, مهما كان الآخر.

الفتى: إن كنت تهوى التفسير وترغب بالتبرير, فهيّا تبدّى أمامي, وعندئذٍ قل ما تريد.

الشيطان: هههه (يضحك), إن طلبك رؤيتي هو جزء من نجاحي وثمرة لانتصاري, وهو نتاج ما أغرسه بكم من الظنون والهلوسات المتشابكة, ولكنني سأخبرك شيئاً مهماً, لقد اعتدتم تخيلي كما أردتم, بوجهٍ صادم وذقن مدببة وأنف معقوف وقرون حادة, أنا لست كذلك, انظر الى المرآة مرة أخرى, فقد تراني جزء من لسانك الذي يخاطب غيرك, وقطعة من عينيك اللتين تبصر فيهما حولك, وقطرات من دمك التي تتزاحم في عروقك, ولمحاتٍ من أحلامك التي تراود غدك, ولمسات ترافق أصابعك وأظافرك التي ترسم وتكتب قصة عمرك, الا زلت لا تراني!, حسناً اقترب بهدوء والمس تلك المرآة المتصلبة أمامك, هيّا المسها لا تخف, المسها بقوة.

أخذت أقرّب يدي اليسرى صوب تلك المرآة, كنت حينها خائفاً لكنني لم استطع التوقف, وكنت أرقب خيال يدي المقابل وهو يقترب من يدي شيئاً فشيئاً, كنت أتفحصه ولا أستبعد سوء نيته, وما أن لامست يدي توأمها الرهيب, وتطابقت مع ظلها العجيب, حتى سقطت المرآة برمتها, وتكسّرت بمنتهى القسوة, أحسست حينها أن السماء تتكدس بشظاياها المنهمرة, ثم علا صوت سقوطها المزلزل, صوت يملأ مكاني ويصرع مسمعي, كان قلبي مرتجفاً وأطرافي متوترة, حدّقت أمامي فجأة, فإذا بكتاب فريدريك نيتشه قد تسلل من راحتي يديّ وسقط على الارض, نظرت حولي بسرعة, ثم قلت في نفسي ” لا زلت لا أثق بك”!     

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...