سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (42)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.

2 – مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
تفكيك العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة

تحديد معنى المسؤولية: تعني المسؤولية الالتزام أو الواجب أو المهمة المسندة لمنصب معين. فهي تستمد من مفهوم الصلاحية أو الاختصاص وتتفرع عنه، فالشخص المكلف بمنصب معين عليه أن يؤدي المهمة التي عين من أجلها. فهي مسؤوليته. عموما في التنظيم الإداري تشير إلى واجب القيام بالمهام والأنشطة الني يكلف بها المرؤوس والتي عليه أن يؤديها حسب توجيهات أو تعليمات محددة من المستوى الرئاسي.

خصائصها: في الأغلب الأعم تمتح المسؤولية مرجعيتها من العلاقة الهرمية (رئيس-مرؤوس)؛ تأخذ المسؤولية شكل التزام مستمر؛ المسؤولية لا تفوض، ككتلة عامة؛ الشخص الذي يقبل المسؤولية يخضع للمحاسبة على مدى أدائه للمهام المسندة إليه؛ من الصعب تصور المسؤولية في غياب السلطة أو بدونها.
علاقتها بالسلطة: السلطة هي الحق والقدرة المخولة لمسؤول تنفيذي أو إداري من أجل تحقيق الأهداف المرسومة بموجب التفويض الإداري. وتتمثل في إصدار تعليمات أو أوامر أو توجيهات لشخص آخر (مرؤوس) من أجل تنفيذها. فالسلطة تفوض من أعلى إلى أسفل، لكن ينبغي قبولها من أسفل (أي من المرؤوسين)، بينما المسؤولية تتحرك صعودا من أسفل إلى أعلى. ولا يمكن تفويضها. ككتلة عامة.
تكمن أهمية السلطة في علاقتها بالمسؤولية في استحالة تصور تنظيم إداري أو تدبير برنامج أو مشروع عمومي إلا إذا كان هناك شخص أو أشخاص في وضعية أو مركز يسمح له (م) بإلزام آخر(ين) على القيام بأعمال معينة. (النموذج العملي المثالي: الأمر أو التكليف بمهمة) .

أما المحاسبة: وبما هي واجب تقديم الجواب عن مدى أداء المهمة أو المهام الموكولة، فإنها تستهدف إخلاء المسؤولية. بهذا المعنى فكل من يتولى مسؤولية هو في وضعية محاسبة أو مساءلة مفترضة. فالمحاسبة هي العبء الملقى على عاتق كل من يتولى السلطة، ويستعملها في شكل مسؤوليات تنفيذية. والأشخاص الذين يتولون المسؤوليات بناء على تكليف من صاحب السلطة لا يمكن لأدائهم الضعيف أن يخلي مسؤولية من كلفهم بتلك المسؤوليات. فالمسؤولية هي الالتزام بأداء المهمة المفوضة ومن ناحية أخرى تقديم الجواب (أي الحساب) على نتائج أداء المهمة المفوضة. والمسؤولية يتم إسنادها بتكليف بينما المحاسبة لا يتم إسنادها بتكليف بل يتم قبولها. وإذا كان مصدر المسؤولية هي السلطة فإن مصدر المحاسبة هي المسؤولية. والمسؤولية كما أومأنا سابقا لا تفوض ككتلة عامة لكن يمكن تفويضها جزئيا فقط، بينما المحاسبة لا تفوض إطلاقا. إن أداء الشخص (أي أعماله وإنجازاته) ليس بالضرورة خاضعا للقياس أو التقدير عندما يكون مسؤولا، بينما تنطوي المحاسبة بالضرورة والتعريف على قياس الأداء. (المقولة الملكية: حان الوقت لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة تستبطن ضمنيا إقرارا ملكيا بوجود مسؤولين لا يخضعون للمحاسبة وحان وقت إخضاعهم لها). وأخيرا فإن المسؤولية تنشأ قبل أو بعد القيام بالمهمة بينما المحاسبة لا تنشأ إلا بعد القيام بالمهمة أو عدم القيام بها.

إن المحاسبة هي خضوع الشخص للسؤال عن عواقب أفعاله أو قراراته، بينما هذه العواقب ليست مرتبطة بالضرورة بالمسؤولية؛ والمحاسبة تتطلب من الشخص أن يكون مسؤولا عن تقديم جواب عن الأعمال التي قام بها، بينما المسؤولية تتطلب من الشخص أن يكون مسؤولا عن القيام بالمهمة التي تم تكليفه بها؛ لا مسؤولية بدون محاسبة: ارتباط شرطي (لا): فرضية خاطئة؛ لا خضوع للمحاسبة إلا بالتوازي مع ممارسة المسؤولية أو بعد ممارستها: تعالق عملي موازي أو بعدي أو علاقة ارتباط متوازي (نعم): فرضية سليمة.

مستلزمات التفعيل

الشفافية معناها وفائدتها وعلاقتها بالمحاسبة: يمكن أن نعرف الشفافية بالمخالفة، أي بالنقيض، فالشفافية بهذا المعنى هي نقيض السرية والغموض والكولسة (من الكواليس)، فهي تشير إلى الضوء نقيض الظلام وإلى الوضوح نقيض الإبهام، وإلى البساطة نقيض التعقيد، وإلى الانفتاح نقيض الانغلاق. ينصرف معنى الشفافية إلى: تقاسم المعلومات والمكاشفة، فهي تضمن التدفق الحر والشامل والموصول للمعلومات بحيث تصبح متاحة للجميع، وتوفر قنوات وإجراءات واضحة لذلك فيما بين أصحاب الشأن والمسؤولين. وفائدة الشفافية تكمن في كونها تلعب دورا استباقيا وقائيا من الأخطاء الحكومية، ومن سوء تقدير الموارد، ومن الفساد، وترتبط نوعية عملية صنع القرار والمخاطر والتكاليف المترتبة عليها بطبيعة المعلومات التي يتم تزويدها لصناع القرار. ومن مقتضيات الشفافية الكشف عن مختلف القواعد والأنظمة والتعليمات واللوائح المعتمدة في وضع وتنفيذ السياسات واتخاذ القرارات بحيث تسمح فيما بعد بالمحاسبة والمساءلة والتصويب والتقويم. ومن أهم مقتضيات الشفافية أنها تسمح بتحديد الأدوار والمسؤوليات، باعتبارها فاتحة مسلسل الربط العملي بين المسؤولية والمحاسبة.

تحديد الأدوار والمسؤوليات

– أهمية التحديد الدقيق للأدوار والمسؤوليات تكمن في مواجهة إشكالية رسم حدود المسؤولية وتبديد غموضها من خلال التمييز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المشتركة؛ بين المسؤولية الشخصية أو المالية أو الإدارية؛ تداخل المسؤوليات وتعويم المسؤولية.
– مسألة التفويض ووجوب رسم حدود المسؤولية: نقطة الانطلاقة أو الأساس المرجعي هو التفويض من أعلى إلى أسفل، تفويض السلطة، ثم التكليف بمسؤولية القيام بمهمة أو نشاط معين لشخص آخر يكون عموما في وضعية مرؤوسية. التفويض في منصب، التفويض في وظيفة، التفويض في مهمة؛
– تفويض السلطة وتفويض التوقيع: شرعية ونطاق المحاسبة مستمدان من شرعية ونطاق التفويض. لكن التفويض لا يخلي مسؤولية المفوض.
– وعاء المسؤولية: الالتزام بأداء الواجبات المحددة بمقتضى المنصب أو الوظيفة أو المهمة؛
– دعامة المسؤولية: السلطة؛ إذ لا مسؤولية بدون سلطة، قدر من السلطة، في اتخاذ القرار وتنفيذه ؛
– وسائل التفعيل العملي للمسؤولية: الموارد؛ الموارد التقليدية: المادية والمالية والبشرية؛ والموارد غير التقليدية: القانونية والمعلوماتية والزمنية. تنفيذ مقتضيات المسؤولية صعب في غياب أو محدودية وسائل التفعيل.
المراقبة
المراقبة بمختلف أشكالها وإيقاعاتها ومناهجها ومستوياتها، ذلك أن المحاسبة رهينة بالمراقبة والمسؤول غير المراقب يكون بعيدا عن المحاسبة وأبعد عن المساءلة وبالتالي محصنا من المعاقبة، ظاهرة الإفلات من العقاب. (لا رقيب ولا حسيب: مثال الجزر المحصنة: مؤسسات أو أشخاص أو مشاريع، والجنان الضريبية، الإفلات من المراقبة المالية الضريبية).
أنواع المراقبة
مراقبة المشروعية والنظامية: مدى احترام القوانين والأنظمة واللوائح والإجراءات والتعليمات والالتزامات التعاقدية في الإدارة العامة ؛
مراقبة الأداء: مدى احترام مبادئ الفعالية والنجاعة والاقتصاد في تدبير الشأن العام والمال العام؛
المراقبة التقييمية: مدى تحقيق البرامج والمشاريع العمومية والمؤسسات ذات الطابع الاستراتيجي لأهدافها ومدى تحقيق هذه الأهداف للآثار الملموسة بالنسبة للمواطنين.

مثلث الرقابة والمحاسبة

الجهاز الأعلى للرقابة والمحاسبة: يراقب أداء المرافق العمومية ويقيم السياسات والبرامج العمومية؛ ويصدر تقارير. ثم يحيلها إلى رئيس الدولة والبرلمان والحكومة؛
رئيس الدولة والبرلمان: يحاسب أعضاء الحكومة وكبار ذوي المسؤوليات العمومية؛ استنادا إلى التقارير الصادرة عن الجهاز الأعلى للرقابة والمحاسبة؛
الحكومة تنفذ ملاحظات وتوصيات الجهاز الأعلى للرقابة، وملاحظات وتوصيات البرلمان المستندة لتقارير الجهاز الأعلى للرقابة والمحاسبة؛
في وسط المثلث هناك لاعب آخر مهم وفعال: الجمهور من خلال الإعلام والمجتمع المدني والمواطنين الملتزمين بحقوقهم وواجباتهم.

تقديم الحساب

– الحساب الفردي: حصيلة الأنشطة الفردية وحصيلة الإنجازات الفردية (شهريا ودوريا وسنويا وانتدابيا)
– الحساب المؤسسي الدوري: المراقبة الداخلية للتسيير؛ التتبع والتدقيق الداخلي: التقارير الدورية؛
– تقديم الحساب السنوي: التقرير السنوي؛ لكن أي تقرير سنوي؟ تقرير الأنشطة أم تقرير الإنجازات؟ التقرير المالي أم التقرير الأدبي؟ تقرير الحسابات أم تقرير الأداء؟
– التدقيق الخارجي المستقل للحسابات وللأداء السنوي؛ تقرير مراقب الحسابات وتقرير المجلس الأعلى للحسابات أو أية هيئة خارجية للرقابة؛
– التقييم الخارجي المستقل للنتائج والمنجزات؛ المحاسبة على البرامج (قارن: مستجدات القانون التنظيمي الجديد لقوانين المالية)؛ تقييم الهياكل والبرامج والمشاريع العمومية من قبل البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات؛ أو أية هيئة خارجية للتقييم.

حكم القانون

– القانون فوق الجميع: القانون هو الحكم الفيصل في جميع المنازعات: مبدأ سيادة القانون.
– قانون سهل المقروئية وعصري ونافذ؛ (ضرورة دراسة الأثر المتوقع للقانون)
– قانون عادل ومنصف: تقليص حالات الحصانات والتمييزات في الأوضاع والمراكز القانونية
– قضاء مستقل: المعيار العملي يتمثل في القدرة على تطبيق مبدأ المساواة أمام القاعدة القانونية
– قضاء فعال (حكامة قضائية رشيدة وإدارة قضائية حديثة): تفعيل شعار القضاء في خدمة المواطن المعلن من طرف الملك والمعلق في الواجهة الأمامية للمحاكم.
– قضاء مسؤول: بمعنى قابل للنقد والتقييم خارج طرق الطعن القانونية المعتادة، (تجنب حكومة القضاة).

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...