في الوقت المحدّد…فانتازيا أم حقيقة!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

زيد عيسى العتوم

 

 

لطالما ألهمنا الغموض, واستُدرج فضولُنا الفطريّ بحبال غريبة صوب تلك العوالم السرّية, تلك التي ربما حسبناها نوعاً من الأدب المنفلت أو سكرات من الخيال الأرعن, وكثيراً ما دغدغت الأساطيرُ أحلامنا المحلّقة , وهي تتراقص في سباتنا وتتبدى في يقظتنا, فنلتمس العزاء وتتملكنا الغبطة إن ظننا أن ما هو خارج الصندوق لا يتعدى كونه ضرب من السحر وسراب من الوهم, ونركع بعدها صاغرين على مسرح الحياة والموت, ونحن نتأمل الخيال يتسرّب الى الحقيقة, والأزلام المفترضة تتكتّل أصناماً نراها وترانا, والرهبة والسكينة يتصافحان عبر زجاجٍ نافذٍ ورقيق, وكبار الكون وصغاره يندفعون صوب وادٍ سحيق, ويرحل الليل ويستيقظ النهار, ونحن نتراكض في باحة الانتظار, والمضحك في عالمنا العتيد, أن المكان والزمان يُكنيان أبنائهما بالقريب والبعيد.

قبل ما يقرب العشر سنين صدر فلم الخيال الامريكي ” In Time” , والذي يصوّر مجتمعاً يتوقف فيه العمر في تعداده الخامس والعشرين وعندها يحلّ الموت, ويشخّص حالةً يُستخدم فيها الوقت للبيع والشراء بدل النقود التي لم تعد تنفع أو تضر حينئذ, وكل من يظهر في ذلك الفلم يحمل على إحدى يديه ساعة غريبة تشير الى ما تبقى من عمره, فينتهي كل شيء ويرحل من وصل عده التنازليّ الى نهايته بأن يصبح صفراً, وقد يُرى ذلك الفلم كجملةٍ من الظنون, تُدهشنا بأن تدخلنا في عالمٍ ما كان ولا يمكن أن يكون, عالم أطلق سراح الخيال وحرّر الأدب من شتى قيود المنطق والشكل والإخبار, بلا هوادة وبلا استئذانٍ وفي وضح النهار, ولكن لو خلعنا معطف الواقعية برهةً, وأبقينا على أشلاء قميص المألوف والمعقول, وتركنا الإلهام يقودنا كما يريد, وبدأنا بحتمية أننا وأننا جميعاً سوف نموت, وبأن موتنا لا يعني فناء عالمنا أو هكذا نظن, فندرك أننا لا نقوى على القفز من عربة اللا عودة, وما أن نبصر الدنيا حتى تبدأ أنفاسنا بالتساقط شيئاً فشيئاً من ساعاتنا الرملية الحزينة, فمنا من يغتني بطول العمر ورغد العيش فيتوهم حالة الخلود, ومنا من يستعجله الرحيل ويتنكّر له الوجود, ومنا أيضاً من يشعر بتكديس الوقت وهو يكدّس الراحة ويخزّن الأمان.

في ذلك الفلم المحيّر يستطيع الناس تبادل الوقت وتخزينه في “كبسولات” غريبة, حتى أنّ بعضهم قد سئم العيش من كثرة ما جمع وحشد, ترى لو كان هذا حالنا في عالمنا هذا, هل ستتوحش دواخلنا أكثر مما هي عليه الآن!, وهل سينبري اللا شعور للجم “الأنا” وقتل ” الأنا العليا” دون رحمة, فكم سيستأسد الأقوياء على كبسولات الضعفاء, وكم ستتحايل مخزونات النخب والصفوة وأولي الأمر على ساعات العامة والبسطاء وحتى السفهاء, وبالتأكيد سيغنم المنتصرون في الحروب بأعمار الخاسرين فيها عند الإجهاز عليهم, كم سيكون ذلك رهيباً!, لكنّ في الظلمة نور وفي القبح قد نتلمّس الطُهر, فماذا سيفعل الحب والأمومة والأبوة حينها!, أظنهم سيتبرعون بالكثير وسيفقدون أغلى ما لديهم, سيسلخون من أرواحهم ويهبون من أعمارهم بلا حساب, فهذه الأم التي استنفذت جميع وقتها باستثناء تسعين دقيقة لسداد دين, واطمأنت أن لديها أكثر من ستين دقيقة تلزمها أجرة للحافلة التي ستقلّها لرؤية ابنها قبل أن تموت, لكنّ أجرة الحافلة قد رُفعت عنوة من ساعة الى ساعتين, التفتت الى من حولها ترجوهم التكرّم بنصف ساعة تُسعدها قبل الموت, وتمنحها ابتسامة الرضى عند رؤية ابنها قبل الرحيل, تنكّر الجميع لها ودقّت ساعة الصفر في آخر لحظة, كم كان ذلك محزناً!, أظن أن ساعات من حولها كانت تتلهف لتلقّي الأمر, لكنّ الفاجعة قد حلّت وانتهى كل شيء.

لو كنّا جميعاً نحمل تلك الساعات فكم مرة سننظر اليها! وكم ستصرعنا أصوات تلك العقارب المميتة وهي تتقاطع وتتسابق!, فجهلنا بلحظة الموت ربما هو من يمنحنا طعم الحياة, واستحالة نقل أعمارنا ربما هي سرّ إنسانيتنا, ولكن يقيننا بأننا سنموت الا يكفينا لنصنع الخير ونحيي المحبّة!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...