سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (الأخيرة)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية (تتمة)

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات (تتمة)

نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.

2 – مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
الإجابة على ثلاث استشكالات

لقد كانت الإجراءات الملكية ودور الأطراف المتدخلة في هذا المسلسل موضوعا لأحاديث ونقاشات وملاحظات تم التعبير عن أغلبها على أعمدة الصحف الوطنية وساهم فيها أساتذة جامعيون وخبراء منهم كاتب هذه السطور، وفي هذا الصدد يمكن التوقف قصد الإجابة على الاستشكالات الثلاثة التالية التي نرى أنها تتسم بنوع من الجدية:
الاستشكال الأول: مدى شرعية إحالة مثل هذه الملفات على المجلس الأعلى للحسابات: مضافا إليها الملاحظة حول الأجل القصير المحدد للمهمة التقييمية

المرتكزان الدستوري والقانوني لشرعية الإحالة متوفران في المتن الدستوري وفي نصوص مدونة المحاكم المالية بشكل لا غبار عليه، وإن لم يتم التنصيص على شكلية الإحالة صراحة لا في الدستور ولا في المدونة: ومرتكز الشرعية الأساسي هو ما نص عليه الدستور في المادة 148 بخصوص العلاقة بين المجلس والملك والتي تنبني على مبدأ تفويض السلطة والتكليف بالمسؤولية، وكذا مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ومبدأ تقديم الحساب من طرف المجلس للملك، وكل هذه المبادئ والقواعد الدستورية تفيد التبعية الرئاسية المهنية المباشرة التي تجمع بين مؤسسة المجلس الأعلى للحسابات والمؤسسة الملكية، وهذا ما تؤكده كذلك مدونة المحاكم المالية في المادة 100 والتي بموجبها “يقدم المجلس في تقريره السنوي(المرفوع للملك) بيانا عن جميع أنشطته” ؛ ذلك أن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات هو بمثابة حساب مزدوج الهدف، فهو يقدم للملك حساب أعمال أجهزة الدولة والمرافق العمومية وفي نفس الوقت حساب أعمال الرئيس الأول للمجلس بحصوص التفويض الذي منحه إياه الملك لتدبير شؤون المجلس ويمكنه إلغاؤه في أي لحظة، وبالتالي فإن إحالة ملف الحسيمة هو بمثابة تفويض خاص يستمد مرجعيته من التفويض العام. فالتقرير السنوي للمجلس لا يقارن بتقارير مؤسسات الحكامة أو تقارير المؤسسات العمومية الاستراتيجية كبنك المغرب، إذ لا قياس مع وجود الفارق في الشكل والمضمون والمركز القانوني والاعتباري، هذه المقارنة الخاطئة أوردها الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي مصطفى السحيمي في سياق تعليقه على الموضوع والذي شبه فيه تقرير المجلس بتقرير بنك المغرب(!) نافيا -عن خطإ ثابت وجلي-أية علاقة مهنية ومسطرية بين رئاسة المجلس والملك. أما الشكلية الإجرائية للإحالة الملكية على المجلس فقد أشار لوجودها بلاغ المجلس الأعلى للحسابات الذي استند إلى المادة 109 من مدونة المحاكم المالية بحيث تكون الإحالة حسب بلاغ المجلس وقراءته للمادة 109 من طرف الحكومة. لكن بعد التدقيق في الأمر نجد أنها مجرد “تخريجة” تقريبية لجأ إليها بلاغ المجلس الأعلى للحسابات، ذلك أن المادة 109 جاء نصها كما يلي “يبلغ الوزير المعني إلى المجلس أو إلى المجلس الجهوي المختص حسب الحالة، التقارير المنجزة من طرف هيئات التفتيش والمراقبة….” بحيث لا تتحدث عن الحكومة بل عن الوزراء بشكل فردي. فإذا كان صحيحا أن مدونة المحاكم المالية تنص على رئيس الحكومة في بعض مقتضياتها الأخرى لكنها لم تتضمن أي نص أو مقتضى يشير للإحالة “من طرف الحكومة” بهذه الصيغة الاجمالية.

وفيما يتعلق بوضع سقف زمني قصير جدا لعمل المجلس حول برنامج كبير يهم 12 قطاعا حكوميا، مما قد يؤثر على عمل المجلس وعلى خلاصاته. فهذه ملاحظة وجيهة وقد أكد وجاهتها تدارك الأمر من خلال طلب التمديد والموافقة الملكية على التمديد لمدة 10 أيام إضافية.
الاستشكال الثاني: هل الإحالة على المجلس تصحيح لقرار سابق بإحالة الملف على مفتشيتي الداخلية والمالية؟
هل إحالة ملف التحقيق في برنامج الحسيمة “منارة المتوسط”، على المجلس الأعلى للحسابات، تصحيح لقرار سابق جرى بموجبه إحالة الملف على مفتشيتي الداخلية والمالية، وهل سمحت مفتشيتا الداخلية والمالية لنفسيهما بتبرئة المسؤولين عن تنفيذ مشاريع “منارة المتوسط” من تهمتي (الاختلاس والغش)؟ هذا السؤال المركب مبني على فرضيات غير دقيقة حول دور المفتشيات وطبيعة اختصاصها وعلاقتها بالمجلس الأعلى للحسابات (تراجع مقتضيات المادة 109 من مدونة المحاكم المالية وكذا النصوص القانونية المنظمة لعمل المفتشيات): ذلك أن الدورين متمايزان ومتكاملان في نفس الوقت قانونيا وتقنيا… ومن المناسب التذكير بأنه لا علاقة للمفتشيات بالتقييم.

الاستشكال الثالث: طبيعة الدور الذي قام به المجلس الأعلى للحسابات

بهذا الصدد فإن اختصاص المجلس واضح وصريح في مجال تقييم البرامج والمشاريع العمومية وفي مجال تحديد مسؤوليات المتدخلين في تنفيذ هذه البرامج والمشاريع. ذلك أن تكامل الاختصاصين الإداري والقضائي للمجلس يفتح له المجال من أجل تفعيل المسؤولية الداخلية (التأديب المالي والتسيير بحكم الواقع) عند الاقتضاء، أو طلب تحريك المسؤوليتين الخارجيتين المتمثلتين في المسؤولية التأديبية والمسؤولية الجنائية عند الاقتضاء. وللتذكير مرة أخرى فإنه لا علاقة للمفتشيات بمادة التقييم.

خصائص المقاربة الملكية المعتمدة في تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

يمكن وصف المقاربة التي تم اعتمادها في تنزيل مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشأن ملف الحسيمة “منارة المتوسط” بأنها مقاربة مبنية على إعطاء القدوة أو تقديم المثال من أعلى إلى أسفل، وهي تنطوي على الخصائص التالية:

أ‌-الملك بوصفه صاحب السلطة وجهة التفويض يراقب تنفيذ التزامات من تم تفويضهم: فقد قدم الملك الدليل من جديد أنه -وكما جاء حرفيا في بلاغ الديوان الملكي-: “يسهر شخصيا على تتبع المشاريع التي يعطي جلالته إشارة انطلاقتها من خلال تبني مقاربة محددة مستندة للنجاعة والفعالية والسرعة في التنفيذ وعلى التقيد الصارم بالالتزامات”.

ب‌-شفافية وسرعة تنفيذ مسلسل ربط المسؤولية بالمحاسبة من خلال بلاغات الديوان الملكي وبلاغ وتقرير المجلس الأعلى للحسابات ثم التدابير العقابية الملكية الصارمة إزاء المسؤولين المخلين بواجباتهم ومسؤولياتهم، والتي اطلع على فحواها الرأي العام المغربي وباقي الأطراف صاحبة الشأن وتفاعل معها الإعلام الوطني والدولي.

ت‌-الصبغة النسقية والتكاملية لتدخلات جميع الأطراف المعنية بمسلسل ربط المسؤولية بالمحاسبة وهم: الملك، وهيئات الرقابة الداخلية: مفتشيتا الداخلية والمالية، والحكومة من خلال رئيسها والمجلس الأعلى للحسابات بوصفه هيئة عليا مستقلة وخارجية للرقابة والمحاسبة، على الرغم من غياب القضاء الزجري، هذا الغياب الذي قد تم تقديم تفسير بشأنه يتمثل في عدم تسجيل حالات غش أو اختلاس.

ث‌-محاسبة ومساءلة جديدة تختلف عن المحاسبة والمساءلة الكلاسيكية: وهو ما يشكل نقلة نوعية في مفهوم المحاسبة والمساءلة التي عادة ما تتحرك بناء على مخالفات قانونية أو مالية أو إخلالات بواجبات وظيفية أخلاقية، إنه العصر أو الجيل الجديد للمحاسبة والمساءلة وهو جيل المحاسبة والمساءلة على التدبير.

ج‌-السياسة الجديدة تتسم بمراعاة مبدإ المساواة أمام المحاسبة، بحيث لا تقتصر على جهة الحسيمة وإنما تشمل جميع جهات المملكة، ولا تقتصر على مسؤول أو مسؤولين معينين أو ينتمون لقطاع معين أو إدارة معينة. بل تشمل كل مسؤول مهما كان موقعه أو مستواه الرئاسي وذلك “إعمالا لمبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشجيعا للمبادرات البناءة وتعلية من شأن قيم الوطنية الصادقة والمواطنة الملتزمة بخدمة المصلحة العامة”، بحيث ستنفذ على كل متخذ للقرار مخل بالتزاماته، كائنا من كان، وأيا كانت حصانته الفعلية أو المفترضة: فالقائمة ضمت وزراء؛ وولاة؛ وعمال؛ ومدراء عموميون؛ ومسؤولون كبار في الإدارة الترابية؛ ورجال سلطة. مع أن لهؤلاء، خصوصا الوزراء ورجال السلطة، ما لهم من مكانة واعتبار في المخيال الشعبي المغربي.

ح‌-استمرارية واستدامة المسلسل من خلال الأمر باتخاذ تدابير تكميلية وإصدار قرارات وتوجيهات لمختلف الفاعلين في عملية ربط المسؤولية بالمحاسبة ولا سيما الحكومة من خلال رئيسها إزاء المسؤولين الإداريين الآخرين المعنيين بملف برنامج الحسيمة والمجلس الأعلى للحسابات بصدد المهام والتوجهات المستقبلية للرقابة والمحاسبة كتقييم المراكز الجهوية للاستثمار والتعاون والتنسيق مع الحكومة من أجل تقديم توصيات عملية بناءة متوافق بشأنها، تستهدف النهوض بالمراكز المذكورة

دروس من أجل المستقبل
بالنسبة لجهة التشريع: ضرورة سد الفراغات القانونية والمسطرية

من أجل سد بعض الفراغات القانونية والمسطرية التي كشفتها تجربة إحالة ملف الحسيمة، واستباقا لأية حالة مماثلة في المستقبل، نقترح على جهة التشريع ما يلي:

الاقتراح الأول: تغيير وتتميم مدونة المحاكم المالية من أجل النص صراحة على اختصاص الملك في إحالة القضايا مباشرة على المجلس إسوة بما هو منصوص عليه فيما يخص رئيس الحكومة والوزراء ورئيسي غرفتي البرلمان فيما يتعلق بالمخالفات أو في إطار تقديم المساعدة كما هو منصوص عليه لفائدة البرلمان والحكومة. وللعلم فهذا الاختصاص، من باب المقارنة، منصوص عليه في قانون السلطة القضائية كما أن العديد من القوانين الدولية المقارنة المتعلقة بالأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة تنص صراحة على اختصاص رئيس الدولة في هذا الإطار. ذلك أنه إذا نحن سلمنا بما ذهب إليه المجلس في تأويله لنص المادة 109، وذلك في محاولة منه للبحث عن غطاء في مدونة المحاكم المالية لشكلية الإحالة الملكية على المجلس، فإن مبدأ توازي الأشكال يفرض-مادامت الإحالة جاءت من الحكومة تبعا لما جاء في بلاغ المجلس- رفع التقرير إلى الحكومة. وهذا لا يتطابق لا مع دقيق القانون ولا مع صحيح الواقع، ذلك أن المجلس وحسب البلاغ المعلن من طرفه على العموم قد رفع تقريره للملك وليس لرئيس الحكومة.
بناء على ما سبق نقترح إضافة مقطع خاص بتقديم المساعدة للملك من طرف المجلس إلى الفصل المتعلق بتقديم المساعدة للبرلمان والحكومة كما هو منصوص عليه في مدونة المحاكم المالية.

الاقتراح الثاني: النص ضمن المادة 109 من مدونة المحاكم المالية على صلاحية رئيس الحكومة فيما يتعلق بإحالة التقارير المتضمنة للمخالفات أو للملاحظات المتعلقة بالتدبير الى المجلس تماما كما هو مخول للوزراء في المادة المذكورة، وذلك من أجل استباق حدوث حالات مستقبلية محتملة.

بالنسبة للجهات التنفيذية

التحضير لدخول عهد التدبير العمومي الجديد : إن المشهد الذي تابعنا أطواره يدشن بداية مرحلة مفصلية حقيقية في مجال تدبير الشأن العام على المستويين السياسي والإداري قوامها إرادة جادة لتنزيل أهم مقتضى من مقتضيات الحكامة الرشيدة ألا وهو مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وذلك من خلال الانتقال من النظرية إلى التطبيق ودخول عهد جديد في مجال المحاسبة والمساءلة، يتساوق مع المفهوم العصري العالمي لتدبير الشأن العام الموسوم ب “التدبير العمومي الجديد” كيف ذلك؟
من الآن وصاعدا من المفترض أن لا يقتصر تقديم الحساب من أجل إخلاء المسؤولية على مدى تنفيذ الشخص المسؤول لواجباته القانونية أو المالية أو التزاماته الأخلاقية والتي يقابلها في الغالب عقوبات مالية من طرف المجلس الأعلى للحسابات أو عقوبات سالبة للحرية من طرف القضاء الزجري، أو تأديبية إدارية وفقا للائحة العقوبات المحددة بموجب النظام التأديبي في قانون الوظيفة العمومية، بل على أساس مدى نجاعة وفعالية أداء المهام المنوطة بالمسؤول وفقا لدفتر تحملات، واستتباعا على مدى أثر تلك الإنجازات على حياة المواطنين، وخصوصا المنتمين منهم للشرائح الهشة والمعوزة. إنه تطبيق متأخر لكنه مستدرك للرسالة البيداغوجية المفصلية للملك المعبر عنها في خطاب العرش لسنة 2014. والتي وجه من خلالها دعوة صريحة لعدم الاكتفاء بعرض الأرقام (على أهميتها) في تقييم المنجزات وإنما تقييم مدى تلمس المواطنين لأثر تلك المنجزات على معيشهم اليومي…

اختبار على الأبواب : إن الامتحان الأكبر في التنزيل الواقعي لهذه المقاربة الجديدة للمسؤولية التدبيرية المبنية على تقييم المنجزات والنتائج اعتمادا على مؤشرات حسن الأداء في مجال تدبير الشأن العام، والذي من شأنه أن يعطي لعملية تفعيل مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة بعدا منهجيا واعتياديا بحيث لا يتحول إلى مجرد تقليد موسمي، هذا الامتحان يتمثل في مدى قدرة الأطراف صاحبة الشأن على مواكبة مرحلة الدخول التدريجي للقانون التنظيمي الجديد لقوانين المالية حيز التنفيذ، والذي من المنتظر أن ينقل عملية إعداد وتنفيذ الاعتمادات والمخصصات المالية المنصوص عليها في القانون المالي من منطق الوسائل إلى منطق الأهداف ومن مفهوم ميزانية الأبواب المالية إلى مفهوم ميزانية البرامج.

تنسيب العقاب: فمن جهة أولى، وفي حالة تعذر اكتشاف حالات غش أو اختلاس أو إخلال بقواعد الشرعيتين القانونية والمالية، مع تسجيل تقصير جسيم وضار بالمصلحة العامة أو بحقوق ومصالح المواطنين، فهل سيتم إخلاء مسؤولية المعنيين بدعوى عدم وجود تكييف في الترسانة القانونية المعمول بها لهذا التقصير؟ الجواب بالنفي وفق المقاربة الجديدة التي تدعو لتفعيل الجزاء التأديبي ليس بناء على مسؤولية قانونية موصوفة غير متوفرة أركانها، وإنما بناء على مسؤولية تقصيرية قائمة ليس على أساس الإخلال القانوني الموصوف بواجب وظيفي وفق التصور الكلاسيكي في إطار النظام التأديبي المستمد من قانون الوظيفة العمومية بل من خلال تقدير سوء الأداء على مستوى النجاعة والفعالية، فيتم بناء على ذلك ترتيب المسؤولية التقصيرية ثم معاقبة المسؤولين الكسالى والمتهاونين أو غير الأكفاء بإعفاءات من المسؤوليات أو تقليص درجة المسؤولية، فيما يتم وضع من ثبت إخلالهم بالتزاماتهم التدبيرية ولم يعودوا يمارسون أي مسؤولية وقت المحاسبة والمساءلة، وضعهم في لائحة سوداء تجعلهم في وضعية تنافي أو من ينطبق عليهم مانع من موانع التأهل للترشح لمناصب أو مهام أو مسؤوليات جديدة.

تفعيل الثواب: ومن جهة ثانية، وبالموازاة مع ذلك، مكافأة المسؤولين الأكفاء والمبدعين (ينبغي ملاحظة أن بلاغ الديوان الملكي تحدث عن تشجيع المبادرات البناءة جنبا إلى جنب مع محاسبة المقصرين) وذلك من خلال تدابير تحفيزية كالجزاءات المالية (مكافآت المردودية) والجزاءات المعنوية (الاحتفاء والتكريم) والجزاءات الإدارية من خلال تصعيدهم نحو مسؤوليات أعلى. نلاحظ إذن أن ترتيب عواقب المسؤولية سيكون سالبا وموجبا (تطبيقا للمفهوم العصري الجديد للتدبير العمومي) وهذا أمر جديد وتحول جوهري في إدارة الشأن العام في السياق المغربي.

بالنسبة لأجهزة الرقابة والمحاسبة: مراجعة وتجديد مناهج وأساليب الرقابة والمحاسبة

إن لعملية المواكبة لهذه المرحلة المفصلية بالنسبة لهيئات الرقابة والمحاسبة الداخلية والخارجية وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات مقتضيات: فالمطلوب الآن من هذه الهيئات أن تجدد مقارباتها المهنية وأدواتها المنهجية والتقنية نحو تقييم أداء المؤسسات والبرامج والمشاريع العمومية، مع التركيز على نتائجها وآثارها الملموسة على معيش المواطنين؛ بالموازاة مع ذلك من المفترض أن يكون نظام المحاسبة المطبق على إثر تقييم أداء المسؤوليات، محبوكا بذكاء وتناسق، انسجاما وتآلفا مع المفهوم الجديد للتدبير العمومي والمفهوم الجديد للرقابة والمحاسبة على الأداء، ومنظورا إليه بعينين متوازنتين (الثواب والعقاب)، لا بعين واحدة… وهو ما يستدعي إعادة النظر في مجموعة من القواعد والإجراءات القانونية والتنظيمية المتقادمة، والتي لم تعد تتساوق مع المعطيات المستجدة… وهذا مبحث عميق يستدعي الخوض فيه مقاما آخر.

(انتهت السلسلة)

حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...