العمل الجمعوي لمغاربة إيطاليا – حديث ذو شجون

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. أحمد براو*

 

 

بدأ يظهر اهتمام المغاربة في إيطاليا بالعمل الجماعي-الجمعوي في أواخر القرن الماضي مع وجود العديد من أشكال التنظيمات، كالمراكز والمساجد أو في أشكالها الحديثة المتمثلة في الجمعيات، النقابات، الأحزاب، التعاونيات واللجان وغيرها…
والملاحظات المسجلة في العقود الأخيرة تبرز دينامية جمعوية لا يمكن الاستهانة بها والمتمثلة في تزايد عدد الجمعيات، والفاعلين الجمعويين وكذا تأييد هذه المبادرات ومحاولة هيكلتها من طرف السلطات الإيطالية وإدماجها في المجال الثالث المتمثل في العمل الإجتماعي والتطوعي اللا-ربحي. Non-lucrativo.

– واقع مؤلم للعمل الجمعوي المغربي بإيطاليا

معظم الجمعيات التي ينشط فيها المغاربة في إيطاليا تتلخص في المواضيع المرتبطة بالمجال الديني والتربوي والثقافي والرياضي والهوياتي بصفة عامة، كجمع التبرعات لبناء المساجد، وتنظيم لقاءات وأمسيات ومهرجانات تغلب عليها طابع الإرتجالية وسوء التنظيم وتقتصر على موائد الأطعمة والأشربة والحلويات وبعض الألبسة التقليدية. “كسكسو، وأتاي وغْرِيّبة، والجلّابة والتكشيطة” أمّا الباقي القلة فتظلّ مجالات اهتماماتها متّصلة بمواضيع مختلفة مثل البيئة، والإرتباط بالوطن الأم والأنشطة الخيريّة..

كما لا يخفى على أحد أن أغلب هذه الكيانات الجمعوية إما ولدت عن طريق مجموعة متجانسة من طرف نشطاء عرب ومسلمون في محاولات لسد الخلل التنظيمي للجاليات المسلمة بصفة عامة وكما عرفت انشقاقات وانقلابات واستيلاءات على الإدارات وبالتالي فهي تعتبر ذات ولادات قيصرية مفتقرة للديمقراطية التشاركية، و التسيير المعقلن والشورى والحوار.
فيما بدا يظهر في الألفية الجديدة ولادات على طريقة فطريات لعدد من الجمعيات الورقية المفبركة ليس لها قواعد وأسس بل فقط للإستجابة لجهات وبعثات قنصلية بضرورة توسيع العمل الجمعوي لإيجاد تمثيلية ولو محدودة من أجل تقديم طلبات الدعم المادي من الوطن الأم وهنا يتعلق بالمغرب وذلك للمتاجرة بالعمل الجمعوي بحيث يعملون بين عشية وضحاها على تبني مطالب وحل مشاكل وآلام الجالية لتصبح رقما جديدا ينضاف إلى باقي الأرقام التي سبقت لتعزيز مكانهم وقضاء حوائجهم الشخصية والفئوية وتوسيع تسلطهم بإستغلال الجمعيات، بل إن هذا التفريخ الفطري الذي وصل إلى حد الصراع والصدام بين بعض الأطراف المعروفة في العمل الجمعوي لمغاربة إيطاليا وهم بذلك عوض الحل يصبحون طرف في المشكلة التي تعكس نظرة قاتمة أمام المسؤولين والسلطات المحلية، وقد تابعنا مؤخرا خروج هذا الصراع من نطاق محلي إلى ردهات المحاكم وإلى التراشق الإعلامي العمومي الذي يغذيه الإستقطاب والتخوين والسب والشتم.

وعليه فهذا النوع من العمل الجمعوي المغربي في إيطاليا لا يمكن أن يضيف أي قيمة لمتطلبات ومستجدات وهموم الجالية المغربية، كما أنه لا ينتج نجاحات لأنه ببساطة لا يمتلك المقومات السليمة والصحيحة لتنظيم محكم وتأطير جيد ولأنه بعيد عن المجالات الحيوية، وتكبله عوائق تتمثل في قلة الكفاءة والإبداع، ونكران الذات وروح المبادرة، وغياب القيادة، وانعدام المبادئ والقيم المنظمة لهذا العمل الراقي، كما أن هناك ظواهر مغربية خاصة تتعلق ب “الصنطيحة” وهو مصطلح دارجي مغربي خالص يعني الناصية وهي مقدمة الرأس ويعبر عن تقدم الصفوف وإخراج الصدر بداعي الأنا واحتلال المناصب بالدهاء السلبي وبدون أدنى مستوى تعليمي أو كفاءة إدارية أو تمثيلية حقيقية.

– التعويل على الجيل الجديد لتحمل المسؤولية

كما يلاحظ ظهور جيل جديد متعلم وذو ثقافة عصرية في الجامعات الإيطالية خصوصا الذين تابعوا تعليمهم الأكاديمي في العلوم الإنسانية والإجتماعية وعلوم التربية، وكذلك الجانب النسوي منهم، يمكن الرهان عليهم في رص الصفوف وترتيب الأولويات وحمل المشعل، وهم يحتاجون فقط لقليل من التجربة وهذا دور الآباء لمساعدتهم والأخذ بأيديهم وليس فرملة مسيراتهم ووضع العصا في دواليب مشاريعهم من أجل تمثيل الوطن وللدفاع عن حقوق المهاجرين، دور الأولياء هو مساندهم لكسب القليل من التجربة التي هم في حاجة ماسة لها عن طريق الحكماء من الجيل الأول بالإضافة لضرورة توجيههم وربطهم وجدانيا وثقافيا بوطنهم الأم للدفاع عن مقدساته وثوابته في مختلف المحافل داخل وخارج إيطاليا.
هذا التفاعل بين الجيلين يعرف حاليا مخاض وجب على المخلصين من المهاجرين المغاربة الأوائل والفاعلين الجمعويين الذين يتحملون مسؤولية أمام الوطن وأمام التاريخ للإستفادة من الأخطاء المتسرعة التي وقعوا فيها سابقا، لتحذير الجيل الجديد من عدم الوقوع فيها مجددا، لكي لا يتكرر نفس النهج الذي أدى إلى الفشل والنفور والإبتعاد عن المشاركة.

– كيف يمكن للمغرب التدخل لمساعدة الجالية؟

إن واجب الدولة المغربية الإسراع بعد هذه الجائحة وفي ظل واجب تنزيل التوجيهات الملكية للإهتمام البالغ برعايا صاحب الجلالة وتطبيق مشروع النموذج التنموي الجديد، العمل مع الجمعيات الناشئة والفاعلة والتي عرفت طفرة تنظيمية محكمة تستجيب للقوانين المنظمة للعمل في المجال الثالث الذي عرف بإيطاليا مؤخرا إصلاحات بنيوية، ومع الخواص والمقاولين والمنظمات والهيئات سواء الإيطالية منها أو المغربية دون محسوبة أو تمييز أو غموض، والعمل بشفافية ومرونة بطريقة تعاقدية تشاركية منظمة تنظيمها محكما ومتواصلا على مدار السنة وليس فقط بطريقة موسمية وكأنها فقط للإستجابة لدفتر التحملات على أن الوزارة الوصية قد قضت نهمها وحاجتها فقط بدعم مادي بدون نتائج أكثر إيجابية. بل بالعكس لابد من توفير وَاستثمار خبراء وتقنيين وإداريين لمساعدة الجمعيات من أجل تبسيط العمل ونقل الخبرات والحصول على المناقصات المواتية لسد الخصاص والذي يستجيب للحاجات الآنية للجالية المغربية في إيطاليا.

هذه الحقائق ممكن أن يكون مطلعا عليها أغلب المغاربة في المهجر فضلا عن المسؤولين في البعثات القنصلية، والفاعلين الجمعويين وكما أن الحلول لا تعدو أن تتعثر بسبب التردد من الإدارة والبيروقراطية وعدم وجود دراسات وإحصاءيات وخطط عمل وبالتالي عدم الإنخراط في العملية التعاقدية والتشاركية بين الأطراف المشكلة التي يقع عليها عاتق إيجاد الحلول لمشاكل وهموم وآلام الجالية المهاجرة التي تتحمل بعضا من المسؤولية من أجل إنهاء أو على الأقل التقليل من معاناتها.
وللحديث بقية.

* باحث في علوم التربية بجامعة كالابريا
رئيس جمعية ثقافية ومنسق ملتقى مغاربة كالابريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...