منطق الدولة و منطق الوطن عد تنازلي أم تنازل عن العد ؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*ذ.وفاء الطغرائي

 

عندما نتابع بالتحليل و القرائة التي يفرضها الواقع السياسي و الحقوقي في بلادنا تحضرنا الأحداث التي طبعت بكل فشل و اعتباطية مشهدنا العام منذ القرن الماضي دون أن تجد مختلف الأطراف المتناطحة سبيلا لتقديم بديل مقنع . هنا يستوقفنا السؤال عما إذا كنا قد وصلنا فعلا إلى محطة دقيقة تستوجب الحذر الشديد من فقدان البوصلة . فما بين مقاربة ترتهن و تخضع ، في سياق نظام عالمي أخطبوط ، لموزاين قوى تتحكم داخليا و خارجيا و مقاربة التظاهر بالمعارضة عند بعضهم ، و مقاربة عدمييي اليمين و اليسار و الوسط و كل الإتجاهات المنتجة فقط لخطاب و لغو غير مجدي ، أو مقاربة أنا ملكي أكثر من الملك ، ما بين هذه و تلك يضيع المنطق و الأمل المنشود و ندور دون جدوى في رحى المواعيد الإسترزاقية من صندوق اقتراع إلى آخر كما لو كان الأمر يهم فقط روتوشات دستورية و محطات تشريعية باهتة للتوجه نحو المستقبل .

ألم يحن الوقت لطرح السؤال الصريح و المؤجل بعد كل المحطات و الصراعات و الإنتكاسات التي عشناها بفاتورة ثقيلة ، حول شروط و ضمانات بناء ديمقراطي ، سياسي و حقوقي متفق عليه ؟ ألم يحن بعد أوان سؤال مشروع تنموي متين و ناجع لمواجهة التحديات في هذا البلد المتناقضة حقائقه و أوضاعه و واقعه ؟ ألم يحن الوقت بعد دهر من الإستنزاف للزمن التاريخي و السياسي للوقوف بالجدية اللازمة على الصورة الحقيقية للأزمة ؟ هي أزمة ثقة مابدأت تتأسس حتى ذهبت أدراج الرياح لغياب الحس الوطني و روح المسؤولية عند مختلف الفاعلين و المتصارعين و المتكالبين ، فعرت بذلك عورة و سوئة تدبير المؤسسات المعنية بتسيير أمور الدولة و أمور الشأن العام . هي أزمة حرب أجندات و تعثر مقصود في بناء منظومة محاسبة قضائية و قانونية و إدارية وهذا أمر و واقع مر له تكلفته الباهضة عاجلا أم آجلا .

ثم هل سنغفل التأكيد على ما هو أعظم أي أزمة تراجع غير مطمأن في مجال الحقوق و الحريات لكنه تراجع بمباركة الصامتين و المنشغلين بسباق المصالح والريع و الذين لم يعد لهم إكتراث البتة بما يقع في الساحة رغم أنهم يتنفدون و يتغدون من خزينة الدولة و من مواردها العامة ? إلى متى سنستمر و بدون مقومات في أخذ جرعات تلو أخرى من المنومات و نترك للقدر و للآفات مصير وطن و دولة و أجيال لن يرحمها مستقبل أصبح الولوج إليه عصيا ، لأن تراكم أوجه الأزمة و تمفصلاتها يتجاوز بكثير، و نحن اليوم في عهدة الجوائح المتحورة ، يتجاوز توقعاتنا و حساباتنا و معادلاتنا ؟

إن ما يؤرقنا بوعي تابث غير منقوص في الظرفية التي نجتازها حاليا و نحن قاب قوسين من مخرج لبديل و أفق جديد أو إنحباس لا قبل لنا به ، ما يؤرقنا هو الترهل المؤسساتي الغير المسبوق الذي بات يطبع المشهد العام في بلادنا ، في سياق ملغوم و دقيق و تزيد من صعوبته أدوات و خرق التغيير و أقصد هنا الإطارات الحزبية و التفاوضية و التي لم تعد قادرة حتى على امتصاص عرقها و زفورتها. فهي في تدافعها الهزيل غير جاهزة لمواجهة آلة الدرس التي لا ترحم الرصين من الغرس فما بالك الزرع الضعيف الأجوف . كما أنه و إضافة إلى ماسبق ، علينا أن ندرك بأن الإفشال السياسي الممنهج من جهة و مشروع التقنوقراط من جهة أخرى لا ينفك يخترق و بشكل مفزع إشارات الأمل في إتجاه استكمال و تحصين مشروع المغرب التنموي و توازناته الكبرى . و كيف لا و نحن نعيش في بلد معارضاته تلعب فقط بلباس داخلي دور الكومبارس و حكوماته بعبائاتها المهترئة ترقص على هوانها و ضعفها و إدارة ملفاته المصيرية باتت مرتهنة لمنطق غير واضح ، اللهم و فقط عندما يتعلق الأمر بالقرارات الصادرة عن المؤسسة الأولى أي المؤسسة الملكية ، و التي لا تجد بدورها و مع الأسف طريقها للتنفيد الأنجع من طرف جوقة الفاشلين الآنف ذكرهم . لقد بات مطلب دور الوسيط لتدبير دواليب الملفات المصيرية مطلبا بشرعية أو بدونها للزاحفين إلى الموائد و الإمتيازات و الراغبين بإفراط في نصيب من الكعكة و المنتحبين للوصول فقط للكراسي و لو بالدوس على مصالح الوطن العليا . لكنهم يتناسون بأن وصولهم للكراسي المتحركة كان بثمن وحده التاريخ سوف يقتص منهم فاتورته .

بل يغفلون عما هو أنكى و أدهى ، فحتى وهم في كراسيهم التنفيدية و التشريعية التي تبقى فوقهم فإن الحل و العقد ليس لهم و يبقى للقرار في هذا البلد منصاته العليا و ذوي اختصاصه ، و ليس لمن من موقع الإرتهان يقتات مهما بلغ رقمه في الفتات و المعاملات . لهذا نخلص إلى أمر شديد الأهمية ولو أنه ليس بالجديد و لا بالمستحيل ، رغم المعيقات و التجاذبات التي تطبع و تؤطر التوجهات الإقليمية و الدولية ، وهو أن مغرب اليوم شاء من شاء و أبى من أبى يعد رقما صعبا خصوصا في الترافع عن مصالحه العليا ، بل و أصبح منصة قارية لها امتداداتها و توازناتها على كل المستويات ، ليس فقط جيوسياسيا أو جيو إقتصاديا و ماليا بل و أيضا عسكريا ، أمنيا و استخباراتيا .

لقد كانت للإشارات الواضحة و الغير الملتبسة الصادرة عن المؤسسة الأولى ، لا سيما فيما يرتبط بقضية الوحدة الترابية و السياسة الخارجية و الديبلوماسية للمملكة ، وقع مزلزل بالنسبة للأعداء و الخصوم . فعزم المغرب على نهج و اعتماد سياسة الإستباقية و الهجوم لم يعد إفتراضيا بل جوابا رسميا حاسما في مقابل الإنتظارية التي طبعت و لزمن طويل إختياراته و التي كانت تقتصر فقط على ردود الأفعال إتجاه التحركات المناوئة و العدائية .

لذا وجب الحرص كل الحرص على تغيير الإستراتيجيات و تأهيل الفاعلين الجدد و تسليحهم بما يلزم من الأدوات التكتيكية و الديبلوماسية و هذا من صميم عمل و إختصاص الدولة . فنحن لا نخوض معركة كسابقتها و بكل المقاييس . كما أن السياق العالمي المحكوم اليوم بشروط راديكالية و الذي أدخلنا دون سابق عهد و لا إنذار في حقبة الجيل الجديد من الحروب الضارية ، تحت يافطة الإستنزاف البيولوجي و البيئي و المجتمع الرقمي الغير الآبه بالعوامل الإنسانية و لا بالخطابات الإيديولوجية و الحقوقية ، هذا السياق يبنيه فقط منطق التوازنات و التوازنات المضادة و لا يترك لبلد كالمغرب بموقعه و دوره الجيوستراتيجي مجالا و لا اختيارا آخر غير الإنخراط بشروط القوة في اللعبة القائمة ،و إلا فهو مستهذف كما كان عبر التاريخ كمحور و مطمع للعديد من القوى العالمية .

ختاما أقول هناك من يرقص على الحبلين و هناك من يجعل الحبلين راقصين ، فإما أن نكون دولة و وطن أو لا نكون .

 *إعلامية و فاعلة سياسية و حقوقية

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...