المنهجية المفقودة في التعامل مع ملف مغاربة العالم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د.محمد عسيلة 

 

 

ما ينقص التعامل مع ملف مغاربة العالم رغم ما تمت مراكمته من تجارب هو غياب الميكانيزمات المستدامة لتعزيز التعاون و تكثيف المبادرات الأفقية و العمودية مع مؤسسات الدول التي يتواجد بها مغاربة العالم و مع تمثيليات المجتمع المدني من جمعيات تحتضن مساجد و جمعيات ثقافية او رياضية او تربوية.
لمغاربة العالم يشتغلون في قطاعات متعددة تهم الطب و الاقتصاد و التواصل و الكيمياء و البحث العلمي و الاجتماعي و الدراسات و البحوث النووية و المقاولات و في المجالات السياسية و التربوية و الاجتماعية و الرياضية و تتوفر هذه الشريحة من المغاربة على كم و كيف زاخر من الخبرات الراسخة التي تستنفع منها القطاعات الاستراتيجية بعدد من الدول الاروربية.

فالمقاربة الناجحة في نظري المتواضع هي المقاربة التي تستند على إعطاء دينامية متطورة و جديدة لمواكبة ملفات مغاربة العالم في اطار خلق و إنشاء و تفعيل تعاون مشترك من أجل إرساء لبنات مواكبة دائمة، يمكن تطويرها حسب المتغيرات الجيوسياسة و حسب التطور و النمو الاجتماعي.
هذا اللبنات تقوي التعاون و التبادل في المجالات التي نعتبر فيها مغاربة العالم خبراء مثل المجلات التقنية و الثقافية و الاجتماعية و الانسانية .

فالمنهجية التي أروم في هذه السطور هي منهجية تعتمد على التجزيء و اعادة البناء لما هو حاضر لخلق مستقبل معاملاتي قوي و هادف يدمج و يستحضر كل المقاربات و كل الشركاء.

فكيف لا نخلق و نؤسس لعلاقات تعاون مع الدول التي أصبح فيها مغاربة العالم جزء لا يتجزء و تستفيد منهم في بناء عمرانها مثل المجالات الثقافية والعلمية والتقنية والتجارية والنقل الجوي والبحري والبريد والمواصلات والقطاع المالي والملاحة التجارية والسياحة والاستثمار والفلاحة والوظيفة العمومية والصحة والطرق والسكك الحديدية والتكوين المهني والإسكان و نستطيع بناء عقلية معاملاتية جديدة لا تقتصر على الملفات التي يجب على الإدارات المغربية مواكبتها دون أدنى تدخل منا مثل قضايا العقار و عملية العبور و تصفية الأحكام القضائية و تنزيلها حسب ما تقتضيه المصلحة و يرعاه القانون.
فلا يعقل ان يبقى مغاربة العالم سجناء ملفات و قضايا تدخل في اختصاص الوزارات الوصية و المؤسسات المختصة و نراهن على حلها في لقاءات تواصلية لتجاذب أطراف الحديث حولها دون الوصول الى حلول! علينا القفز على هذا النوع من المعاملات الى تثبيت بنية تعاونية و تشاركية في المجالات التي سردتها وسط هذا الاقتراح.

تغيير نمطية المنظور و الفعل الى مغاربة العالم

اعتدنا أن نربط في كثير من الأوقات مغاربة العالم بالإشكاليات و المشاكل المستعصية و الأزمات و قليل من الوقت بربطها بالمعادلات القيمية التي يجب ان تدفعنا الى التأمل على أن مغاربة العالم ليسوا مجموعات سكانية يحكمها التراكم في مقاربات موسمية تهم مرحلة العبور و التحويلات السنوية، بل إنهم مجموعة قيم ديناميكية، يسعون منذ ستينات القرن الماضي بحس فطري و في الألفية الثالثة بحس واعي و مدروس في المساهمة في توجيه الأحداث المشهودة في مواطنهم و استغلال وجودهم لطرح السؤال حول المصير الذي ينتظرهم و ينتظر الاجيال القادمة. نعم مصير مرتبط بالهوية و الانتماء و ربط الأواصر مع الأصول الثقافية للآباء و بالمساهمات النوعية في المجتمعات التي احتضنتهم و أصبحوا مواطنين كاملي الأهلية و الانتماء في صرحها و يوالون دساتيرها و قوانينها و يكنون لها الحب و العرفان.

مصير مرتبط أساسا بكيفية التفاعل الإيجابي المستدام و البعيد المدى مع الوطن الأصلي ليس فقط من باب تحصيل الخدمات فحسب، بل في جلب المصالح و الصلاح و دفع المفاسد داخل البلدان التي نحمل جنسياتها و في علاقتنا بوطننا الأم المغرب.
و هذا الارتقاء و الخروج عن النمطية التي استأنسنا بها و أصبحنا سجناء لآلياتها يستدعي الارتقاء الفكري الذي يعتمد على فهم الاشكالية و خلق تشبيك محلي و جهوي في البلد الواحد و شمولي مع بقية المكونات التمثيلية في البلدان الاخرى ليتحقق التدافع و التكامل و الكينونة الفاعلة التدافعية لمغاربة العالم ليشكلوا وزنا و قيمة مضافة و يحققوا الاعتراف المؤسساتي و الاجتماعي و السياسي داخل هاته القارة العجوز.

علينا إذن أن نرتقي كمغاربة العالم في طرح قضايانا بفكر و بعقلانية تأخذ بعين الاعتبار القضايا المصيرية المرتبطة بالهوية و التربية و الانتماء و كيفية ربط الاجيال الحالية و القادمة بالأصول و بالوطن الأصلي مراعين اندماجهم في أوطانهم و مساهمين في إنجاح حياتهم المدرسية و الجامعية و تقوية علاقاتهم بمحيطهم.
و على الادارة المغربية أن ترتقي في التعامل مع ملفات مغاربة العالم ليس على أنها “ملفات /مشاكل” بقدر ما هي ملفات و قضايا قيمية تثري المجتمعات و الكون قبل إثراء الوطن.

مغاربة العالم قيمة مضافة لهذا الكون و لا يمكن تقزيمهم في مشاكل قد تُحل بالعزيمة و الإيمان بهذا الوطن الذي يستحق نهضة ببصمات و بمساهمات فعلية لكفاءات مغاربة العالم تُضاف الى مساهمات الكفاءات المغربية و تذوب فيها – يجب اعتبار مغاربة العالم رأسمال إنساني و ليس بشري؛ كفاءات و رافعة قوية مازالت لم تُستغَل الاستغلال الوظيفي/البنيوي اللائق نظرا لهذه النظرة النمطية لوجودها؛ مغاربة العالم بنوا المساجد ليحافظوا على كينونتهم الروحية و الدينية و يجب الان دعم كينونتهم الثقافية و التخفيف عنهم من عبء المشاكل التي يمكن حلها دون عناء.
و في ذلك فليتنافس المتنافسون .

*فاعل جمعوي و أستاذ محاضر بالمدرسة العليا للعلوم الاجتماعية التطبيقية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...