آل بيروك ، حين تجاوزت سلطتهم سلطة السلطان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

*ذ.برديجي عبدالرحيم

 

 

البحث في تاريخ آلِ بيروك بحث متشعب نظرا لمكانة العائلة التجارية و السياسية و الاجتماعية ، خصوصا في القرن التاسع عشر. وهو قرن شهد انكماشا للقوة الفعلية للدولة بعد وفاة المولى محمد بن عبد الله ( محمد الثالث) ، و في فترات محددة ساهم ضعف الدولة في بروز قوى موازية حتى لسلطة السلاطين أنفسهم و خاصة في عهد المولى سليمان الذي وصل به الأمر إلى أن تم أسره من طرف قبائل أيت أومالو الأطلسية في حملته عليهم و بتركيز اكبر في عهد المولى محمد بن عبدالرحمن ( محمد الرابع ) .
وحتى لا نركز على الجانب البيبليوغرافي للعائلة ، والذي تطرق له العديد من الباحثين ،ارتأينا ان نعتمد في هذا الجزئ على الارشيف البريطاني و الاسباني لنبحث في جانب الخلاف الذي حدث بين العائلة أو بين بعض أفرادها و بين السلطان ، بل وصل الامر الى ان تجاوزت سلطتهم سلطة السلطان نفسه ،و تحديدا في ثلاث حالات للخلاف الذي كاد يسبب او بالفعل سبب مشاكل للدولة و كاد يعصف بالحظوة السياسية و الاجتماعية للعائلة بسبب تصرفات بعض أفرادها كاد يخلق مشاكل او خلق بالفعل للدولة مع قوى أجنبية . بينما سنفصل في التاريخ السياسي و الاجتماعي و التجاري للعائلة حسب الارشيف البريطاني و الاسباني و الفرنسي في مؤلف نحن في المراحل الأخيرة لإنجازه لما لتاريخ هذه العائلة دون غيرها من تأثير كبير في تاريخ المنطقة.
وصل الأمر أحيانا الى أن صارت السلطة السياسية لآل بيروك سلطة موازية لسلطة السلاطين في “مناطق نفوذها” ، وتوقيعها اتفاقيات مع سلطات رسمية لبريطانيا و اسبانيا دون الرجوع للسلطان ، وتواصلها المباشر مع بريطانيا و فرنسا وإسبانيا دون الرجوع للسلطان بل حتى دون علمه يؤكد ذلك ، كان ابرزها اتفاق الشيخ بيروك بن عبيد الله أوسالم مع الإنجليز في ما سمي بأزمة دافيدسون ، و قضية ماكنزي و كاسامار بطرفاية مع الشيخ الحبيب ولد بيروك و هي التي خلقت أزمة سياسية كبيرة بين المغرب و بريطانيا سنعود لتفاصيلها في هذا البحث ، و أزمة احتجاز نائب القنصل الإسباني و التاجر الشهير و مترجمهم الذين احتجزهم الشيخ لحبيب ولد بيروك في وادنون لسنوات دون أن يهتم لضغوط و تهديدات اسبانيا او السلطان نفسه .
كل هذا لا يعني عدم ولاء العائلة للدولة العلوية و عدم خدمتها للعرش و تواصلها مع السلاطين مباشرة او عبر رسائل وجدنا بعضها في أرشيف مديرية الوثائق الملكية و التي قد قدم بعضا منها المغرب لمحكمة العدل الدولية لإثبات مغربية صحرائه ، وهذا نموذج من رسالتين وجههما السلطان الحسن الاول للشيخ الحبيب بن بيروك الوادنوني الجلميمي كما جاء في الرسالة

رسالة سلطانية للشيخ الحبيب بن بيروك

وفي رسالة أخرى يكاتبه السلطان قائلا

” …. فقد وصلنا كتابك و عرفنا ما فيه ، ووصل ولدك أصلحه الله ومن وجهت معه ، ونابوا منابك ،في المثول في حضرتنا العالية بالله ، وتجديد العهد بها ، وأدوا ما وجهت معهم من الهدية، كثر الله خيركم ، و شكر بركم ، وعوضهم خلفا ، وعلمنا ما ذكرت من التزامك خدمة جانبنا العالي بالله بالنصيحة والقلب و القالب ، فقد جريت في ذلك على نهج والدك و صالح سلفهم أصلحه الله و رضي عنك ، فإن داركم دار محبة و خدمة و نصيحة ، ولا نزال نراعي محبة أسلافكم و خدمتهم مع أسلافنا الكرام . “10 ربيع الثاني 1295

هذه الرسالة السلطانية تثبت الحظوة التي كانت تتمتع بها العائلة لدى السلاطين العلويين و هناك رسائل كثيرة غيرها و ظهائر و تعيينات لافراد من العائلة تدل على علو المكانة الاجتماعية و السياسية لها وحظوتها عند السلاطين المتعاقبين .

جريا على العادة في كل مناطق تراب البيظان التي تمتد من وادنون الى نهر السنغال لشمال مالي لجنوب الجزائر ، كان العرف ان تدير الشؤون الاقتصادية و الإجتماعية و القضائية( فض النزاعات) مجموعة تعرف بأيت أربعين ، و هو مجلس من الحكماء القبليين ، حتى برز الشيخ بيروك بن عبيد الله أسالم ، و بلغ من الحظوة التجارية و الاجتماعية ، ما جعل تجمعا قبليا كبيرا يسمى قبائل تكنة يختاره زعيما أوحدا ، على شاكلة القبائل العربية بالمشرق و التي كان يحكمها أمير يطاع من الجميع ، و يتكلف بالتدبير الاقتصادي و التحكم في القوافل والمعاملات التجارية بل و يكون قاضيا أيضا يفض النزاعات ، بل تعدى الامر بالشيخ بيروك الى ان قبائلا أخرى خارج نفوذه كانت تطلب تحكيمه في نزاعاتها لما له من حظوة كما حصل في حالة نزاع قبائل إحاحن و نزاع موغادور و في مؤلفنا هناك تفصيل في أمر تلك الوساطات . هذه عوامل جعلت من مؤرخين مغاربة كالمختار السوسي في المعسول و الإكراري في روضة الأفنان والناصري في الاستقصا يتحدثون عن إمارة بيروك ، و مؤرخين أجانب أيضا مثل توماس فيغيراس في كتابه سانتا كروز سيدي إيفني يتحدث عنه احيانا بصفة الشيخ و احيانا بصفة الأمير و روجرز الانجليزي و الفرنسي بانيت و غيرهم.

هذه الحظوة السياسية و الاجتماعية و الإقتصادية التي امتلكتها العائلة خصوصا في منطقة بعيدة نوعا ما عن مركز الدولة ، جعلت من التجار البريطانيين يتواصلون مباشرة مع العائلة للتبادل التجاري ، بعيدا عن اعين السلطان الذي يفرض الضرائب على التجار الأوروبيين و على البضائع التي تدخل عبر الموانئ ( يفرض نسبة 10%) ، بِما معناه ان تعاملهم المباشر مع الشيخ بيروك بعيدا عن موانئ الدولة يعتبر تهربا من دفع اموال الدولة و خصوصا ان اقرب الموانئ كانا بأگدير و موغادور . فنزل جورج غلاس سنة 1764 برأس بوجدور و بعدها بطرفاية (رأس جوبي) ، بل حاول بناء قاعدة تجارية في منطقة اخنيفيس سماها ميناء هيلسبروغ ( Port Hilsbroug ) لكن احتجازه من قبل الإسبان و سجنهم له و مقتله اثناء ترحيله لبلده أنهى المغامرة ،

أزمة جون دافيدسون 1834

اهتمت بريطانيا بشكل كبير بالساحل الجنوبي الغًربي للمغرب ، و بموطإ قدم بها لتحويل مسار الطريق التجاري المسمى بطريق الذهب ، الذي يأتي من النيجر لتومبوكتو بمالي لتيندوف بالجنوب الشرقي للمغرب ، مرورا بالزاگ ، وصولا لگلميم عاصمة وادنون ، كسوق تجارية تذهب منها السلع شمالا للمغرب وجنوبا في الإتجاه المعاكس ، فكانت فكرة بعض تجار بريطانيا خلق نواة تجارية بالساحل الجنوبي الغربي لاستقبال كل تلك الموارد التجارية بتحويل اتجاه القوافل لتكون نقطة الالتقاء هي الساحل الجنوبي الغربي و حملها بحرا لبريطانيا ، وكانت السلع تتضمن معادنا أهمها الذهب و ريش النعام و الجلود و السكر و الملح و السمك المجفف و العبيد و العاج .
وصل جون دافيدسون في يوم 13/11/1835 الى القنصلية العامة البريطانية بطنجة يحمل خطاب توصية من الملك ويليام الرابع للسلطان المولى عبد الرحمن ،و مصطحبا معه مترجما مغربيا اسمه الشريف عبو ، و ابلغ الوزير المفوض البريطاني في طنجةجون دروموندهاي ( كان السفراء في طنجة الدولية يحملون صفة وزير مفوض لدولهم و ليس سفير) برغبته في استكشاف المناطق الصحراوية نحو تومبكتو لأسباب تجارية ، فراسلوا السلطان الذي وصلت رسالته بعد شهر بالإيجاب .

فتحرك موكب دافيدسون الذي ما ان وصل لوادنون والتقى به الشيخ بيروك حتى وجد ضالته وأرسل رسالة بتاريخ 16/08/1836 موجهة الى اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطاني يقول له حرفيا


جون دافيدسون

” …. ان الأخير ( أي الشيخ بيروك) طالب بإقامة علاقة تجارية مباشرة مع بريطانيا و جبل طارق و ذلك بتأسيس مركز تجاري قرب مصب نهر وادي نُون “

وفي رسالة مؤرخة يوم 30/09/1836 وصل مع السفينة البحرية سكوربيون Scorpion التي رست بموغادور ، رد وزير الخارجية بالمرستون على دافيدسون بتوخي الحيطة في الاتفاق مع الشيخ بيروك حتى لا يثير حفيظة السلطان ، بالرغم من الرغبة الشديدة لبريطانيا في إقامة تجارة مباشرة مع مناطق الشيخ بيروك فإن الحفاظ على العلاقات الودية مع سلطان المغرب أمر بالغ الأهمية لبريطانيا حيث إن جبل طارق يتحصل على أغلب حاجياته من ضيعات السلطان .
وقد وصل مع خطاب دافيدسون خطاب آخر موجه للشيخ بيروك يدعوه بالمرستون آلى إرسال وكيل عنه الى لندن لبحث المقترحات التي يراها .
كما كتب ويليام ويلشاير القنصل البريطاني في موغادور الى الوزير المفوض البريطاني بطنجة جون دورموندهاي يعبر له فيها عن مخاوفه من الأمر برمته خاصة إذا ما نما الى علم السلطان كل هذا التواصل خلف ظهره ، و كان هاي يشارك ويلشاير المخاوف ذاتها ورد عليه قائلا

” بدا المشروع برمته محفوفا بالمخاطر على علاقاتنا الهادئة مع المغرب ، واتوقع انه اذا علم السلطان بالأمر فسوف ينظر الى فعلتنا بأنها عمل غير مخلص وغير ودي …..”

وقد فصل في الموضوع بشكل كبير المؤرخ ب ج روجرز في كتابه ” تاريخ العلاقات الانجليزية المغربية حتى عام 1900″
لكن مقتل دافيدسون بتاريخ 14/12/1836 في منتصف الطريق بين وادنون و تومبكتو على يد بعض القبائل الجوالة بالصحراء أنهت مصدرا من أهم مصادر المتاعب بالنسبة لبريطانيا مع المغرب كان سيكون سببه دافيدسون و الشيخ بيروك .

أزمة إحتجاز الإسبان الثلاثة من طرف الشيخ الحبيب ولد بيروك

كانت مغامرات جورج غلاس 1764 ، و جون دافيدسون 1836 ، بمثابة إنذار للإسبان ، بأنهم إن لم يتحركوا ويبادروا ، فسيحرمون من الاستغلال التجاري للمنطقة المقابلة لسواحل جزر كانارياس التابعة لهم ،. و من الثروة السمكية الهائلة للمنطقة خصوصا و انهم يعتبرون ساحل الجنوب الغربي للمغرب عمقهم التجاري و الملاحي و ربما حتى الأمني ، و انه إذا تمركز الإنجليز هناك فسينتهي أملهم في تلك المناطق خصوصا امام قوة الإنجليز التي تعتبر أقوى بكثير من اسبانيا ، و خاصة انهم هزموهم ( الانجليز) وأغرقوا كل بواخر الأرمادا التي لا تقهر La Armada invencible في معركة ترافلغار البحرية الشهيرة 1805 .
تعرف الشيح لحبيب ولد بيروك بتاجر إسباني اسمه بويانا Puyana كان يلقب بالأندلسي و تعاملوا تجاريا ، لكن صداقتهما تعدت ذلك ، فسافر معه الشيخ الى جزيرة لانزاروتي سنة 1862 لبحث سبل التجارة مع تجار المدينة ، و كان مبرمجا ان يحمله الأندلسي مع الى مدريد ليقدمه للمسؤليين وعلى رأسهم الملكة ، ليطلعهم على برنامج التعاون التجاري في مناطق نفوذه، لكن مرضه الذي تسبب فيه دوار البحر الكثير الهيجان في رحلته لجزر كانارياس حال دون ان يرافق بويانا لمدريد و اكتفى بإرسال رسالة للملكة ، و أعطى لصديقه ترخيص للتجارة في مناطق نفوذه يضمن له الحماية من القبائل .
في طريق بويانا توقف في طنجة و طرح فكرة دعم استقلال الحبيب بيروك بمنطقة نفوذه على القنصلية الاسبانية وهو ما جوبه برفض مطلق ، فأستمر في طريقه نحو مدريد لتسويق فكرته التي رفضها الوزير المفوض ميرري رغم انه قال انها ستقطع الطريق على الإنجليز و تترك المنطقة و مواردها و طرقها التجارية لاسبانيا لوحدها وهو ما لن يحصل ان كانت هذه المنطقة تابعة لنفوذ السلطان .
بتاريخ 14/01/1863 وزارة الدولة المكلفة بالتجارة تبعث برسالة للمكلف بالاستثمار في قنصلية اسبانيا بطنجة تطلب تقريرا عاجلا
” ….. بحكم المشاكل التي يواجهها السلطان والتي يظهر استحالة تجاوزها لكي يعطينا ارضا في سانتا كروز لننشأ عليها القاعدة البحرية التي امتلكناها منذ زمن هناك ،سيكون من الاجدى أن نتعامل مع الشيخ الحبيب بيروك لكي نحصل على الامتيازات التجارية و الصناعية التي ستكون في صالحنا ….)

كما طالبوه بأن يتحدث مع وزير السلطان حتى يعرف نواياهم ،وليخبرهم بأن جلالة الملكة الكاثوليكية ستقوم بحرية و بدون قيود بما تفرضه عليها مصالح دولتها بالتفاهم مع الشيخ بيروك ( توماس فيغيراس، سانتا كروز سيدي إيفني ، الصفحة 79)
تم طلبوا تقريرا أيضا من غرفة التجارة بلاس بالماس ، ولأكاديمية الصحة و لمجلس الصحة الوطني لإعطاء الضوء الأخضر للتحرك في المشروع لتفادي الأوبئة و الطاعون الذي كان يهدد المنطقة .
في الثالث من فبراير وصل تقرير الوزير المفوض ميرري إيجابيا في اتجاه التعامل المباشر من الحبيب بيروك ، بل ان الامر وصل الى أمر ملكي بتاريخ 27/06/1863 لحكومة جزر كانارياس الذي يسمح بالبدإ في التعامل التجاري مع المنطقة الواقعة بيم وادنون و الرأس الأبيض مباشرة مع الحبيب بيروك و أكدت الامر ان بويانا سيكون في المنطقة للتنسيق ، لكن الدولة قررت التريث في الاستجابة لمطلب بويانا بدعم استقلال منطقة بيروك نتيجة لشك الوزير المفوض و عدم ثقته في الشيخ .
إلا ان زيارة الوزير المفوض للسلطان ولقاءه به يوم 02/06/1863 حيث كان يريد ان يرى وقع تواصل الحكومة الاسبانية مع الشيخ الحبيب بيروك على السلطان ، خصوصا فيما يتعلق بالبند الثامن من معاهدة وادراس 1960 التي وقعها المغرب بعد انهزامه في معركة تطاوين من اسبانيا ، و البند يخول لاسبانيا حرية البحث عن مكان القاعدة الشهيرة سانتا كروز دي مار بيكينيا و بناءها ، فلم يرى وقعا يذكر على السلطان فراسل ادارته من جديد يشكو من تسويف السلطان و يقول حرفيا :

” مرة أخرى وجدنا نفسنا في نفس المشكل ، مع من يجب أن نتعامل ؟ مع السلطان أم مع الشيخ بيروك”
خصوصا ان السلطان عاقب الشيخ الحبيب بيروك بسحب الكثير من الامتيازات منه و ضيق عليه في تجارته شمال وادنون بل و أغلق القاعدة التجارية التي كان يملكها الشيخ في موغادور ،بعد ما علم بالتبادل التجاري مع الأجانب خارج الموانئ التي يفرض فيها دفع الضرائب للدولة و هو ما اعتبره السلطان تهربا ضريبيا و تجارة ممنوعة .
و حين كبرت التجارة كثيرا مع بويانا ،تشارك هذا الأخير مع شركة الاخوان باتلر التجارية المتواجدة في قادس، فأرسل الشيخ بيروك مبعوثه الطالب محمد لمعرفة محتوى العقد و حجم التجارة ، لكنه لم يوقع العقد و حين جائوا لوادنون اعتقلهم الشيخ الحبيب ولد بيروك واشترط انه لن يحررهم إلا اذا اعترف له السلطان بحظوته و أعاد له امتيازاته رغبة منه في ان يضغط الإسبان على السلطان لأجل ذلك.
و طال احتجاز التجار الإسبان الذين لم يكونوا اشخاصا عاديين بل منهم أحد الاخوان باتلر والذي لم يكن غير خاكوبو باتلر الذي كان نائبا للقنصل بمازاغان و بويانا نفسه الذي كانت له علاقات كبيرة جدا في البلاط الاسباني ، وهو ما يُبين قوة الشيخ و حظوته و عدم اكتراثه بردود الأفعال سواء الاسبانية بل و حتى السلطانية .
أرسل الإسبان خواكين غاتل الذي تم تسويقه على انه رحالة و رسّام خرائط ، لكنه كان جاسوسا يعمل لبلده و استطاع ان ينفذ للجيش السلطاني حتى صار قائدا لمعرفته باللغة العربية و حفظه للقرآن ، و خبرته في الخطط العسكرية ، بل اكثر من ذلك ،صار اسمه القايد اسماعيل .

توجه غاتل جنوبا نحو وادنون في مهمة محددة من شقين ، الشرق الاول هو رسم خرائط دقيقة ومفصلة عن كل القرى المتواجدة بين أگدير و گلميم و تقدير عدد السكان و المسافة الفاصلة بين كل قرية و أخرى ، أما السبب الثاني والأهم فهو استقصاء اخبار عن التجار الإسبان الثلاث ، و قد كتب خواكين غاتل عن الموضوع بالتفصيل في كتابه “رحلة في ربوع المغرب “ الذي ترجمه للعربية المرحوم محمد العربي المساري وقد استمرت الرحلة ثمانية أشهر . وبعد وصوله لوادنون ربطته صداقة كبيرة مع الشيخ الحبيب ولد بيروك ساهمت بشكل كبير في تنفيذ مهمته في معرفة مصير التجار المحتجزين بل و منحه حين مغادرته فوق الخيول و الهدايا شخصين هما البلال و عبدالله لمرافقته و حمايته الى أن يصل للمكان الذي يريد.


خواكين گاتل او الحاج اسماعيل

بعد سنوات من الاحتجاز و عدم الاكتراث لا برد فعل اسبانيا و لا بسلطة السلطان ، أرسل الحبيب بيروك مبعوثه الطالب محمد في ديسمبر 1869 الى قاديس برسالة يضع فيها شروطه لإطلاق سراح الرهائن، أولها توسط اسبانيا لدى السلطان لكي يعيد له امتيازاته و مركزه التجاري في موغادور ، وارسلت اسبانيا الى طنجة الباخرتين الحربيتين Villa de Madrid و Arapiles واعطت مهلة للشيخ وإلا فإن قنصل اسبانيا في موغادور سيتكلف شخصيا بالهجوم لتحرير الرهائن و هي التهديدات التي لم يُعرها اهتماما الشيخ وهو ما يُبين قوته و منعته وسلطته ووضعه الذي اصبح يهدد به اسبانيا و لا يأبه لتهديداتها ، وفي الأخير أعطت اسبانيا 27000 دورو للشيخ وهو ما يعادل 5400 بسيطة عملة اسبانيا وتوسطها له لدى السلطان الذي ارجع له مركزه التجاري في موغادور ، بل أكثر من ذلك ان اسبانيا منعت على الإسبان تجاوز آگدير جنوبا ، و بأن من تجاوز تلك الحدود ستسحب منه الجنسية الاسبانية و بان الدولة ستكون في حل من تحريره . تم إطلاق سراح المحتجزين في نوفمبر من سنة 1873 وبتنفيذ كل شروط الشيخ الحبيب بيروك.

كانت أزمة المحتجزين الإسبان من الأزمات التي سببت إحراجا كبيرا لاسبانيا و للسلطان الذي ظهر امام اسبانيا بالعاجز عن ارغام أحد رعاياه على إطلاق سراح الإسبان الثلاثة ، خصوصا و ان احدهم نائب قنصل و الثاني تاجرا كبيرا له علاقات حتى مع ملكة اسبانيا ، كما أظهرت قوة و منعة و سلطة آلِ بيروك في منطقة كان التواجد المخزني فيها قليلا كما هو حاصل مع كل الأماكن البعيدة عن المركز ، خصوصا اذا علمنا بضعف الدولة في تلك الفترة و احتلال اسبانيا للشمال بعد معركة تطاوين و تسرب الفرنسيين المتزايد من الجهة الشرقية بعد احداث توات و معاهدة لآلة مغنية 1845 ، إضافة للسياسة الحمائية لبريطانيا اسبانيا و فرنسا امام المحميين التي جعلت الدولة دولة من ورق قبل مجيء الحسن الأول .

أزمة دونالد ماكنزي و كاسا مار ( فيكتوريا بورت)

استمر اهتمام الدول الاستعمارية بالمنطقة و كانت كل بعثة جديدا تنهج نهجا جديدا ، و تأتي بمشروع جديد ، و القاسم المشترك بين الجميع هو التواصل مع آلِ بيروك لكسب الغطاء ، و الحماية و إيجاد شريك تجاري يضمن لهم تسويق منتجاتهم و يشتري لهم من القوافل القادمة من تمبوكتو و من المناطق التجارية بالمغرب كمراكش و تادلة و فاس السلع التي يريدون و يخزنها الى حين وصولهم .
حتى جاء دونالد ماكنزي الذي جاء فكرة كانت اقرب للخيال منه الى التطبيق ، فأسس شركة شمال غرب افريقيا التجارية ، و فتح لها فرعين في جزر كانارياس ، وكانت فكرته هي فتح قناة من منطقة خنيفيس إلى تومبكتو وقد كتب عن ذلك في كتاب ألفه سنة 1877 سماه ” غمر الصحراء” .

( تواصل ماكنزي مع محمد بن بيروك طلبا للتنسيق التجاري و لتوفير الحماية لبعثاته الاستكشافية والاستقصائية ودخل عام 1879 في مفاوضات مع الشيخ محمد بن بيروك الذي ادعى انه حاكم مستقل للمنطقة المحيطة برأس جوبي ، وقد حصل ماكنزي مع هذا الشيخ على حق تأجير شريط من الارض عند الرأس …) ص 258 تاريخ العلاقات الانجليزية المغربية حتى عام 1900

حين تأكد ماكنزي باستحالة شق القناة ، غير الفكرة الى بناء مركز تجاري وهو ما حصل ، فبنى المركز بمساحة 1200 متر و عمل معه ما يقارب مئتي عامل من إسبان و صحراويين ، لكن الأمر كان جديدا و خطيرا للغاية

دونالد ماكنزي

، فسيكون موطأ قدم لبريطانيا التي كانت تحمي التجار و هذه البناية ستجعل مكانا من الأرض المغربية محميا أيضا ، مما سيكون إيذانا باستعمار جديد . فطنجة مدينة دولية لا يتحكم فيها المغرب ، و سبتة و مليلية و الجزر الجعفرية تحت الحكم الاسباني منذ زمن بعيد ، و شمال المغرب احتلته اسبانيا بعد حرب تطاوين او حرب افريقيا 1860 كما يسميها الإسبان ، و شرق المغرب صار ينقص يوما عن يوم بسبب مراكز المراقبة التي تبنيها فرنسا لملاحقة الثوار الجزائريين بعد الاتفاق في معاهدة لالة مغنية 1845 ، فالمغرب لم يكن بحاجة لمشكل آخر بالجنوب .
سارع المغرب للاحتجاج لدي الوزير البريطاني المفوض في طنجة جون دورموندهاي في رسالة من نائب السلطان الطريس ، فما كان من الوزير الا ان أجابه بأنه سيرد عليه بعد ان يتواصل بماكنزي.
1/1/1879 كتب دورموندهاي لسيدي محمد بن حامد مشور السلطان
” ليس من حق الحكومة المغربية التدخل في شؤون الأوروبيين الذين ينزلون في المناطق الواقعة جنوب وادنون والتي لم تشكل يوما قسما من املاك السلطان …)
ورد على ذلك مشور السلطان في 17 من نفس الشهر :
” عليكم ان تعلموا أن قبائل الصحراء تتبع هذه المملكة ( المغرب) وتعترف بسيادته ( السلطان) الروحية …)
فرد هاي يذكر بأن الاراضي الواقعة جنوبي وادي درعة تمثل الحد الأقصى لممتلكات السلطان ومن تم فإن الحكومة البريطانية لا ترى سببا للتعدي على حق الرعايا البريطانيين في النزول في رأس جوبي بهدف التجارة .
تفاقم الوضع حين تم تأسيس شركة ” سوس وشمال افريقيا للتجارة ” بين ماكنزي و محمد بيروك ، حتى انهم اقترحوا ان يكون مقرها في إيفني تحت سلطة السلطان تفاديا لمشاكل الا ان الطلب رفض .
07/01/1880 احتج رسميا محمد برگاش نائب السلطان في طنجة و الذي كان وزيرا للخارجية و طالب بوقف نشاط الشركة ، بل و نشر مقالا في جريدة التايمز يحذر فيها كل البريطانيين بأن المغرب سيعامل كل من حمل تجارته لغير الموانئ المغربية معاملة المهربين وستتم مصادرة بضائعه .
في سنة 1881 عين السلطان دحمان ولد بيروك واليا على الساقية الحمراء بدلا من أخيه محمد و جهزه بالسلاح لمراقبة الموانئ و أمره بالهجوم على القاعدة و ذلك ما حصل وقتل بريطاني و جرح اثنين و هرب البقية نحو بواخرهم .
اما في سنة 1882 فقد ذهبت الحكومة البريطانية لأبعد من ذلك حين حذرت السلطات المغربية بأنه ستترتب نتائج وخيمة على الهجوم على الممتلكات أو الرعايا البريطانيين في رأس جوبي . وبالرغم من ان السير دروموندهاي كان ينقل الى السلطان رأي الحكومة البريطانية بأن الاراضي المغربية لا تمتد وراء وادي درعة غير إنه لم يكن مقتنعا بذلك ، ففي مذكرة لوزارة الخارجية في شتنبر 1882 قال :
” بالرغم من استمرار النظر الى وادي درعة على انه الحدود الجنوبية للمغرب ، فإني لا أعتقد بوجود أية معاهدة أو وثيقة رسمية في محفوظات وزارة الخارجية أو الوكالة البريطانية في طنجة تثبث من خلالها ما اذا كانت املاك السلطان قد امتدت جنوب هذا الوادي ام لم تمتد …)
01/03/1882 حذرت بريطانيا مدراء الشركة بأن الاراضي التي ينوون الاتجار معها تقع ضمن ممتلكات السلطان وانه اذا اتخذت الحكومة المغربية الإجراءات لمنع تجارتهم الغير الشرعية فعلى شركة سوس شمال افريقيا للتجارة الا تتوقع من الحكومة البريطانية أية حماية .
في نفس السنة جهز السلطان الحسن الأول حملة لزيارة وادنون لإنهاء الامر ، و نزل في گلميم ، و عين الشيخ ماء ماء العينين نائبا له في سوس و وادنون و الصحراء ( وهي صفة اعلى بكثير من صفة القائد او الوالي التي أعطيت لابناء الشيخ بيروك و هو ما عزاه المؤرخون لعقاب سلطاني بعد حادثة ماكنزي التي كانت ستعطي ذريعة لبريطانيا للاحتلال المغرب من صحراءه ، في هذا الوقت كان للسلطان ثلاث نواب فقط ، مولاي الحسن بالمهدي و برگاش و الطريس فأضاف الشيخ ماء العينين ) ، كما أقام حامية عسكرية بگلميم و أمر ببناء ميناء أساكا و جددت له قبائل المنطقة البيعة و قفل راجعا.
بعد ما حصل لمركز ماكنزي ، قامت الشركة بمحاولة اخرى حيث انه في فبراير 1883 نزلت احدى سفنها في الساحل الجنوبي لإيفني في مكان اسمه اركشيش ، و عندما علم السلطان أرسل فورا قوة قبضت على اثنين من التجار الإنجليز الاول اسمه كيرتس و الثاني أندروز ، و أرسلا تحت الحراسة لمراكش وافرج عنهما و سمح لهما بالرحيل دون آيه عقوبات ، لكن البضائع صودرت و تم تهديم الخيام و الأكواخ التي أقاموها .
ولإنهاء الخلاف تم توقيع معاهدة سنة 1895 اعترفت بريطانيا بموجبها بحقوق المغرب في تلك الاراضي ، و عوض المغرب ارملة المستر موريس الذي قتل في الهجوم على قاعدة ماكنزي و الجرحى الاثنين ب 25000 ريال حسني الذي يعادل خمسة آلاف جنيه إسترليني ، و طلب الانجليز تعويضا لماكنزي عن سلعه قدره خمسون الف جنيها وهو ما قال عنه السلطان في لقاءه مع غرين بانه رقم مبالغ فيه .
وهو المبلغ الذي لم يدفعه الحسن الاول و حين توفي سارع الحاجب باحماد لاقتراح دفعه على ان يوقع البريطانيون التسليم مع مولاي عبد العزيز لكسب اعتراف دولي له يساعده في تسويقه كسلطان بدل اخوته خصوصا انه الأصغر و ذاك ماكان .

حاولنا ان نفصل كثيرا في ردود الأفعال لكي نفهم خطورة ما حصل في التعامل مع التجار الانجليز خارج عبائة الدولة و التبعات التي كان سيدفعها المغرب جراء ذلك ، و الفدية التي دفعتها الدولة لكي تغلق الملف تماما مثل الفدية التي دفعتها لتغلق ملف المحتجزين الذين احتجزهم الحبيب بيروك .
هذا لا يعني ان العائلة لم تكن وطنية أو لم تخدم العرش العلوي فقد كانت حظوتهما و سلطتها من أهم أسباب الاستقرار في المنطقة تحت العرش العلوي لمدة تقارب القرنين ، وشكلت عامل إشعاع تجاري مهم للغاية وصلة وصل مهمة في مايسمى طريق الذهب . لكن ضعف الدولة في فترات معينة و تكالب التجار الأجانب على المنطقة و الحماية القنصلية التي كانت توفرها لهم بلدانهم جعلتهم يتعاملون مباشرة مع التجار ذوي النفوذ و العائلات التي تمتلك السلطة و القوة و السمعة التجارية الكبيرة و كان آلِ بيروك من أهم تلك العائلات في المغرب ان لم تكن أهمها على الإطلاق ان تحدثنا جغرافيا عن مناطق نفوذها .

*باحث في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...